بعد  دفن  الرسول  (ص) :

اندحر سعد ومرشّحوه، وبقي عليّ وجماعته ـ بعد أن أصبحوا أقلّيةـ‍

يتناحرون وحزب أبي بكر الظافر وكلّ يجتهد في جلب الانصار لحوزته. قال الزبير ابن بكار في الموفقيات : لمّا بويع أبو بكر واستقرّ أمره، ندم قوم كثير من الانصار على بيعته ولام بعضهم بعضا، وذكروا عليّ بن أبي طالب وهتفوا باسمه(98).

قال اليعقوبي(99) :

وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والانصار ومالوا مع عليّ ابن أبي طالب، منهم العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس، والزبير ابن العوّام، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو(100)، وسلمان الفارسي، وأبو ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر، والبراء بن عازب(101)، واُبي بن كعب(102)، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجرّاح، والمغيرة بن شعبة.

فقال : ما الرأي ؟

قالوا(103) : الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الامر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده فتقطعون به ناحية عليّ بن أبي طالب (وتكون لكما حجّة)(104) على عليّ إذا مال معكم.

فانطلق أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجرّاح، والمغيرة، حتّى دخلوا على العباس ليلا(105)، فحمد اللّه أبو بكر وأثنى عليه ثمّ قال :

إنّ اللّه بعث محمدا نبيا وللمؤمنين وليّا. فمنّ عليهم بكونه بين أظهرهم حتّى اختار له ما عنده، فخلّى على الناس اُمورهم(106) ليختاروا لانفسهم في مصلحتهم مشفقين(107) فاختاروني عليهم واليا ولاُمورهم راعيا. فوليت ذلك وما أخاف بعون اللّه وتسديده وهنا، ولا حيرةً، ولا جُبنا، وما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكّلت وإليه اُنيب. وما انفكّ يبلغني عن طاعن بقول الخلاف على عامّة المسلمين يتّخذكم لجا، فتكونوا حصنه المنيع، وخطبه البديع، فإمّا دخلتم مع الناس في ما اجتمعوا عليه، وإمّا صرفتموهم عمّا مالوا إليه. ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الامر نصيبا يكون لك ويكون لمن بعدك من عقبك، إذ كنت عمّ رسول اللّه، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك (فعدَلوا الامر عنكم)(108) على رسلكم بني هاشم فإنّ رسول اللّه منّا ومنكم.

فقال عمر بن الخطاب : واُخرى إنّا لم نأتكم لحاجةٍ إليكم، ولكن كُرها أن يكون الطعن في ما اجتمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لانفسكم !

فحمد العباس اللّه وأثنى عليه وقال : إنّ اللّه بعث محمّدا كما وصفت نبيّا، وللمؤمنين وليّا، فمنّ على اُمّته به، حتّى قبضه اللّه إليه واختار له ما عنده، فخلّى على المسلمين اُمورهم ليختاروا لانفسهم مصيبين الحقّ لا مائلين بزيغ الهوى.

فإن كنت برسول اللّه طلبت، فحقّنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين أخذت فنحن منهم. فما تقدّمنا في أمرك فَرَطا، ولا حَلَلنا وسطا، ولا برحنا سخطا، وإن كان هذا الامر وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنّا كارهين. ما أبعد قولك من أنّهم طعنوا عليك من قولك أنّهم اختاروك ومالوا إليك؛ وما أبعد تسميتك خليفة رسول اللّه من قولك خلّى على الناس اُمورهم ليختاروا فاختاروك. فأمّا ما قلت : إنّك تجعله له، فإن كان حقّا للمؤمنين فليس لك أن تحكم(109) فيه، وإن

كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رسلك فإنّ رسول اللّه من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده.


9 الموفقيات ص 583.

99  في تأريخه 2 / 124 ـ 125. والسقيفة لابي بكر الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد 2 / 13، والتفصيل في 1 / 74 منه. وبلفظ قريب منه في الامامة والسياسة  1 / 14.

100  المقداد بن الاسود الكندي : هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهراني. أصاب دما في قومه، فلحق بحضرموت، فحالف كندة، وتزوّج امرأة، فولدت له المقداد. فلمّا كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي شجار، فضرب رجله بالسيف، وهرب إلى مكّة فحالف الاسود بن عبد يغوث الزهري فتبنّاه الاسود، فصار يقال له : المقداد بن الاسود الكندي. فلمّا نزلت : (اُدْعُوهُمْ  لابائِهِمْ ) الاحزاب / 5. قيل له : المقداد بن عمرو.

وقال الرسول : ((إنّ اللّه عزّ وجلّ أمرني بحبّ أربعة من أصحابي وأخبرني أنّه يحبّهم)) فقيل : مَن هم ؟

فقال : ((عليّ والمقداد وسلمان وأبو ذرّ)). توفّي سنة 33 ه‍‍ . الاستيعاب بهامش الاصابة 3 / 451. والاصابة 3 / 433 ـ 434.

101  أبو عمرو البراء بن عازب بن الحارث بن عَدِي بن جشم بن مجدعة بن الحارث بن عمرو ابن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي، كان ممّن استصغره الرسول يوم بدر وردّه. وغزا مع الرسول 14 غزوة وشهد مع علي الجمل وصفين والنهروان. سكن الكوفة وابتنى بها دارا وتوفّي بها في إمارة مصعب بن الزبير. الاستيعاب بهامش الاصابة 1 / 143 ـ 144. والاصابة 1 / 146.

102  اُبيّ بن كعب بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عَمرو بن مالك بن النجّار :

وهو تَيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الاكبر. شهد العقبة الثانية وبايع النبيّ فيها وشهد بدرا وما بعدها، وكان من كتّاب النبيّ. مات في آخر خلافة عمر أو صدر خلافة عثمان. الاستيعاب 1 / 27 ـ 30. والاصابة 1 / 31 ـ 32.

103  في نصّ الجوهري أنّ قائل هذا الرأي هو المغيرة بن شعبة، وهذا هو الاقرب إلى الصواب.

104  هذه الزيادة في نسخة الامامة والسياسة 1 / 14.

105  في رواية ابن أبي الحديد أنّ ذلك كان في الليلة الثانية بعد وفاة النبي.

106  إنّ ضمير (هم) موجود في رواية ابن أبي الحديد.

107  في نسخة الامامة والسياسة وابن أبي الحديد 1 / 74 : (متفقين) وهو الاشبه بالصواب.

108  الزيادة في نسخة ابن أبي الحديد والامامة والسياسة.

109  في نسخة الجوهري والامامة والسياسة : فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه.