شرع اللّه للانسان الاسلام نظاما مناسبا لفطرته، وهداه بواسطة أنبيائه (ع) وكان كلّما توفّي نبيّ وغيّرت اُمّته شريعته، جدّد اللّه دينه بإرسال نبيّ جديد.
واقتضت حكمته ختم الشرائع بشريعة خاتمهم، فحفظ اُصول الاسلام بحفظالقرآن من الزيادة والنقصان أبد الدهر، وجعل بيان الاحكام وشرحها في سنّة رسوله(ص) ولم يحفظها مثل القرآن من الزيادة والنقصان، ولم يعصم رواتها عنالسهو والنسيان، ولم يعصم نسّاخ كتاب الحديث من الخطأ والزلل. ومضى على رواية سنّة الرسول (ص) أربعة عشر قرنا وتداول المسلمون من روايات سنّة الرسول (ص) سيرة وحديثا ما تعارض بعضه مع بعض الشيء الكثير، معوجود المجمل والمفصّل والعامّ والخاصّ فيها، والعوامل الخارجية المؤثّرة فيرواية الحديث، والتي أشرنا إليها سابقا، فاختلفت اجتهادات المجتهدين فيترجيح بعضها على بعض، مضافا إلى اجتهاداتهم لكلّ فرقة رؤية خاصّة للاسلام أوّلت بموجبها آيات متشابهات في كتاب اللّه الكريم، وحملت عليها آيات محكمات اُخرى.
* * *
وهكذا انقسم المسلمون إلى فرق ومذاهب، ومضت عليهم قرون طويلة كفّرخلالها المسلمون بعضهم بعضا، وقتلت كلّ فرقة من خالفها في الرأي أحيانا، وهدّمت ديارهم! فكيف يمكن توحيد كلمة المسلمين مع وجود هذه المفارقات، ووجود مسائل الخلاف بينهم ممّا أوردنا أمثلة منها في ما سبق؟ لا، لن يتمّ التقارب بين المسلمين هكذا، ومع بقائهم على تقليد اجتهادات السلف، فلا بدّ للمسلمين منأن تبدي كلّ طائفة منهم ما لديها من رؤى للاسلام وتأويل للقرآن وحديث مرويّ واجتهادات للسلف نشأ منها الخلاف، على شرط أن يتمّ ذلك باُسلوب الدعوة إلى الحقّ والبحث العلمي الرصين، دون الركون إلى السباب والشتائم والافتراء انتصارا لرأيها وطائفتها ـأعاذنا اللّه من ذلكـ ثمّ الاستماع بتجرّد إلىمالدى الطوائف الاُخرى كذلك، والحقيقة بنت البحث.
والسبيل الصحيح للوصول إلى ذلك، أن يبادر علماء المسلمين إلى تلك الدراسات بتجرّد علميّ بحت، ثمّ تعرض نتائج تلك الدراسات على الاندية العلمية الاسلامية الكبرى، مثل الجامع الازهر الشريف في القاهرة، والجامعة الاسلامية فيالمدينة المنوّرة، ورابطة العالم الاسلامي في مكّة المكرّمة، والجوامع الاسلامية الكبرى في النجف الاشرف وقم وخراسان والقيروان والزيتونة، لبحثها وتمحيصها. ثمّ لتنشر بعد ذلك حكومات البلاد الاسلامية ما تتمخّض عنه دراسات تلك الجامعات بين المسلمين كافة ليتسنّى لجميع المسلمين من أراد منهم أن يفهم رأيغيره تفهما واعيا لا لبس فيه ولا غموض ولا نبز، وله بعد ذلك أن يتقبّل رأيغيره بقبول حسن، أو يعذر أخاه المسلم في ما اتّخذ له من رأي. وهكذا يتيسّر للمسلمين أن يتفهّم بعضهم بعضا ويتقاربوا ويوحّدوا جهودهم في ما يصلح لهم(127).
ومن الضروري في هذا السبيل أن يبدأ بالبحث عن مصادر الشريعة الاسلامية وكيفية أخذ المسلمين منها وسبل الوصول إلى السنّة النبوية.
وللوصول إلى هذا الهدف الجليل قمت مستعينا باللّه تعالى بتأليف هذا الكتاب وفق المنهج التالي:
127 لقد شرحت ضرورة القيام بدراسات مقارنة لسنّة الرسول (ص) بتجرّد علمي بحت لعلماءالمسلمين وكتّابهم ومفكّريهم بمصر والحجاز والشام ولبنان والهند وباكستان والعراق وغيرها، سواء في الجامعات الاسلامية والاندية العلمية بها أو في اجتماعي بالعلماء على انفراد، واستعنت باللّه وقمت منذ نيف وخمسين سنة بهذه الدراسات. ولمّا كانت اُمّ المؤمنين عائشة أكثرمن تحدّثت عن سيرة
الرسول الاكرم (ص) بين اُمّهات المؤمنين وأهل البيت وجميع الصحابة، وكان أكثر الباحثين مسلمين وغير مسلمين من المستشرقين وتلاميذهم يتعرّفون على سيرة الرسول (ص) من خلال الاحاديث المروية عنها، ولن تتيسّر دراسة سيرة الرسول دون الدراسة العلمية لمجموعة الاحاديث المروية عنها بتجرّد علميّ بحت، لهذا اضطررت إلىدراسة أحاديثها دراسة مقارنة، وطبعت الجزء الاوّل منها، ولمّا يطبع الجزء الثاني منها.
ورأيت خلال دراساتي من الاختلاف في أخبار السيرة وأخبار العصر الاسلامي الاوّل ماأكرهني على نشر بعض دراساتي باسم (خمسون ومائة صاحبي مختلق) وقصدي من هذهالتسمية أن اُنبّه العلماء إلى ما في أخبار العصر الاسلامي الاوّل من عظيم الاختلاق، وطبع منها جزءان ترجم فيهما ثلاثة وتسعون صحابيا مختلقا وأكثر من سبعين راويا للحديث مختلقين ـأيضاـ اُسندت إليهم روايات في الفتوح والردّة وغير ذلك مختلقة جميعها. وكتبتمقدمة لهذه الدراسة مجلّدي عبد اللّه بن سبأ ونُشرا، وبقي نشر المجلّد الثالث من(خمسون ومائة صحابي مختلق) والثالث من عبد اللّه بن سبأ، وإلى اللّه أشكو ما لاقيت من الارجاف في هذا السبيل.