رابعا ـ في عصرنا:
قال الرجل (ذو المعرفة) من السعوديين:
(محمد رجالا مثلي، مات).
وسبب هذا القول ـأيضاـ هو الاستكبار كما كان شأن السابقين.
خلاصة البحث:
إنّ إبليس لا يرى فضلا لصفيّ اللّه ونبيّه آدم على نفسه فلا يخضع له ويقولعنه: إنّه بشر.
وقوم نوح وعاد وثمود لا يرون لانبيائهم من فضل عليهم ويقولون
لانبيائهم: إن أنتم إلاّ بشر مثلنا.
وذو الخويصرة رأس الخوارج يقول لجمع فيهم رسول اللّه: ما في القوم أفضل منّي أو خير منّي.
وكذا الامر في عصرنا.
إذا فالباعث الاوّل للاستهانة بأصفياء اللّه هو الاستكبار.
ب ـ الباعث الثاني لما نشأ من الخلاف:
الباعث الثاني على الخلاف في الاُمّة الاسلامية مدى القرون، هو حاجة السلطات الحاكمة على المسلمين إلى إراءة حياة القدوات الانسانية، من الانبياء والاصفياء، بما لا يناقض حياتهم الغارقة في الشهوات والمنهمكة في اتّباع هوى النفس.
وكان من أثر العاملين الاوّل والثاني، أن اُوّلت آيات من الذكر الحكيم إلىمايبيّن صدور المعاصي من أنبياء اللّه وأصفيائه، ووضعت روايات في انغماسهم في الملاهي والشهوات، وأحيانا استفادوا من الاخبار الاسرائيلية في ذلك مثلمارووا عن داود وزوجة اُوريا(126)، إلى غيرها، والكثير من أمثالها التي رووها في سيرة الانبياء؛ وقد مرّ بنا أمثلة ممّا رووا في سيرة أفضل الانبياء وخاتمهم محمد(ص). وفي هذا السبيل، سبيل تسوية الانبياء
والاوصياء بغيرهم من البشر، والقول بعدم وجود ميزة لهم عمّن سواهم، أوّلوا آيات من الكتاب العزيز المصرّحة بمعجزات الانبياء، مثل خلق عيسى (ع) من الطين طيرا بإذن اللّه ونظائره، ووضعت روايات تتّفق وما يقولون به من عدم وجود ميزة لاصفياء اللّه عمّنسواهم من البشر.
وفي مقابل تلكم الاحاديث وتأويلات آيات كتاب اللّه، بدافع العاملين
المذكورين آنفا، نجد في كتب التفسير والحديث والسيرة أحاديث اُخرى تدلّ علىميّزات أصفياء اللّه. فآمن بها طائفة من المسلمين، واُوّلت آيات كتاب اللّه بمايوافق تلك الاحاديث. وأنتج ما ذكرناه رؤية خاصّة لصفات اللّه وصفات أنبيائه وعن العرش والكرسي وسائر المعارف الاسلامية تناقض رؤية الطائفة الاُخرى. وكلّ طائفة آمنت بما لديها بما يبلغ بها إلى تكفير من يخالفها في الرأي. وإنّما وقع من التفرقة مدى القرون كان من أثر ما ذكرناه. أمّا العلاج فسنذكره بحوله تعالى في الخاتمة الاتية.
126 راجع أخبار سيرة النبي داود (ع) في تأريخ الطبري وغيره.