الخليفة عمر يروي أنّ رسول اللّه (ص) نهى عن البكاء،

واُمّ المؤمنين عائشة تستدرك عليه:

في صحيح البخاري ومسلم، عن ابن عباس:

لمّا أن اُصيب عمر دخل صهيب يبكي ويقول، وا أخاه! وا صاحباه!

فقالعمر: يا صهيب، أتبكي عليّ وقد قال رسول اللّه: ((إنّ الميّت ليعذّب ببكاءأهله عليه))؟ فقال ابن عباس: فلمّا مات عمر، ذكرت ذلك لعائشة فقالت: رحم اللّه عمر، واللّه ما حدّث رسول اللّه (ص): إنّ اللّه ليعذّب المؤمن ببكاءأهله عليه، ولكنّ رسول اللّه (ص) قال: ((إنّ اللّه ليزيد الكافر عذابا ببكاءأهله عليه))، وقالت: حسبكم القرآن: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى).

قالابن عباس (رض) عند ذلك: واللّه هو أضحك وأبكى(108).

وفي صحيح مسلم: ذكر عند عائشة أنّ ابن عمر يرفع إلى النبي (ص): ((إنّ الميّت يعذّب في قبره ببكاء أهله عليه)) فقالت: وَهِلَ(109)، إنّما قال رسولاللّه (ص):

((إنّه ليعذّب بخطيئته أو بذنبه وإنّ أهله ليبكون عليه)).

وفي رواية قبله: ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه، فقالت رحم اللّه أبا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظه. إنّما مرّت جنازة ليهوديّ على رسول اللّه وهم يبكون عليه، فقال:

((أنتم تبكون وإنّه ليعذّب))(110).

قال الامام النووي (ت: 676 هـ) في شرح صحيح مسلم عن روايات النهيعن البكاء المروية عن رسول اللّه (ص): وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد اللّه ـرضي اللّه عنهماـ وأنكرت عائشة ونسبتها إلىالنسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن يكون النبيّ (ص) قال ذلك(111).

ويظهر من الحديث الاتي أنّ منشأ الخلاف كان في اجتهاد الخليفة عمر فيالنهي عن البكاء في مقابل سنّة الرسول (ص) بالبكاء، فقد ورد في الحديث أنّه: مات ميّت من آل الرسول (ص) فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهنّ ويطردهنّ فقال رسول اللّه (ص): دعهنّ يا عمر فإنّ العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب(112).

وفي صحيح البخاري: كان عمر (رض) يضرب فيه بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويحثي بالتراب(113).

* * *

كان ذلكم منشأ الخلاف في شأن البكاء على الميّت، والاحاديث

المتعارضة الواردة بشأنه في كتب الصحاح، ولعلّ اجتهاد الخليفة عمر (رض) في المنع كان منشأ للاحاديث المروية في منع البكاء على الميّت. فقد رووا غير ما ذكرنا بعض الحديث في تأييد اجتهاد الخليفة الصحابيّ عمر، ولا مجال في هذه العجالة لبيان علل تلكالاحاديث. وفي ما ذكرنا الكفاية في معرفة منشأ الخلاف في شأن البكاء والذينحن بصدده.

* * *

إلى هنا استعرضنا أمثلة من مسائل الخلاف التي كان منشأها اختلاف الاحاديث في كلّ منها. ونذكر بحوله تعالى في ما يأتي آيات من كتاب اللّه ممّا نشأ الخلاف حول تأويلها.

 


108 صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي (ص): يعذّب الميّت ببكاء أهله عليه 1/155 و156. وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذّب ببكاء أهله عليه، ح22، ص 641.

109 وَهَِل: بفتح الواو وفتح الهاء وكسرها، أي غلط ونسي.

110 صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه، ح 25 و26، ص642و643، وح 27، ص 643. وقريب منه لفظ الترمذي في كتاب الجنائز، بابماجاء في الرخصة في البكاء على الميّت 4 / 225. وسنن أبي داود، كتاب الجنائز، ح3129، 3 / 194.

111 شرح النووي بهامش صحيح مسلم، ط. المطبعة المصرية 1349 هـ، 6 / 228، كتابالجنائز، باب الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه.

112 سنن النسائي، كتاب الجنائز، باب الرخصة في البكاء على الميّت. وسنن ابن ماجة، كتابالجنائز، باب ما جاء في البكاء على الميّت، ح 1587، ص 505. ومسند أحمد 2/110،

273، 333، 408 و444.

113 صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض 1 / 158. وقوله: ((يضرب فيه)) أي يضرب لاجل المنع من البكاء.