يستدلّ من يرى صحّة اتّخاذ مقابر الانبياء محلاّ للعبادة بأنّ الطائفين
حولالكعبة يطوفون حول حجر إسماعيل (ع) ويتمسّحون بجداره، وفيه قبرإسماعيل (ع) واُمّه هاجر، كما أجمع عليه علماء الاُمّة الاسلامية.
فقد ورد في سيرة ابن هشام (ت: 218 هـ) وتأريخ الطبري (ت: 310 هـ) وابن الاثير (ت: 630 هـ) وابن كثير (ت: 774 هـ)، واللفظ لابن هشام:
ودفنـإسماعيلـ في الحجر مع اُمّه هاجر. وفي لفظ ابن الاثير: وأوصى إسماعيل أن يدفن عند قبر اُمّه في الحجر(93).
وروى ابن سعد في طبقاته وقال:
إنّ إسماعيل لمّا بلغ عشرين سنة توفّيت اُمّه هاجر وهي ابنة تسعين سنة، فدفنها إسماعيل في الحجر. وإنّ إسماعيل توفّي بعد أبيه، فدفن في الحجر ممّا يلي الكعبة مع اُمّه هاجر.
وفي رواية بعدها:
قبر إسماعيل تحت الميزاب بين الركن والبيت(94).
وفي الاكتفاء للكلاعي ما موجزه: دفن هاجر وإسماعيل وابنه نابت
فيالحجر(95).
وقد وصف ابن جبير قبري إسماعيل واُمّه هاجر في رحلته وقال:
وتحت الميزاب في صحن الحِجْر، بمقربة من جدار البيت الكريم،
قبرإسماعيل(ع) وعلامته رخامة خضراء مستطيلة قليلا شكل محراب تتّصل بها رخامة خضراء مستديرة، وكلتاهما غريبة المنظر، فيهما نُكت تنفتح عن لونها إلىالصفرة قليلا كأنّها تجزيع، وهي أشبه الاشياء بالنكت التي تبقى في البيدق منحلّ الذهب فيه. وإلى جانبه ممّا يلي الركن العراقي قبر اُمّه هاجر رضي اللّه عنها، وعلامته رخامة خضراء سعتها مقدار شبر ونصف. يتبرّك الناس بالصلاة فيهذين الموضعين من الحِجر، وحُقّ لهم ذلك لانّهما من البيت العتيق، وقد انطبقا على جسدين مقدّسين مكرّمين، نوّرهما اللّه، ونفع ببركتهما كلّ من صلّى عليهما. وبين القبرين المقدّسين سبعة أشبار(96).
كان هذا ما ورد في كتب مدرسة الخلفاء، وورد في كتب حديث مدرسة أهلالبيت كالاتي:
ورد في الكافي للكليني (ت: 329 هـ) وكتاب من لا يحضره الفقيه
وعللالشرائع للصدوق (ت: 381 هـ) والوافي للفيض (ت: 1089 هـ) والبحارللمجلسي (ت: 1111 هـ) واللفظ للاوّل: وفيه ـأي في الحجرـقبرهاجر وقبر إسماعيل (ع)(97).
وفيها
أيضا: وفيه ـأي في الحجرـ قبور أنبياء(98).
وورد أيضا في الكافي والوافي والبحار: ودفن في الحجر، ممّا يلي
الركنالثالث، عذارى بنات إسماعيل (ع)(99).
وروى أبو بكر الفقيه عن النبيّ (ص) أنّه قال:
ما من نبيّ هرب من قومه إلاّ هرب إلى الكعبة يعبد اللّه فيها حتّى يموت وأنّقبر هود وشعيب وصالح في ما بين زمزم والمقام، وأنّ في الكعبة قبر ثلاثمائة نبيّ، وما بين الركن اليماني إلى الركن الاسود قبر سبعين نبيّا(100).
ويستدلّون على صحّة البناء على القبر، إضافة إلى ما سبق، بأنّ قبور رسولاللّه (ص) والخليفتين أبي بكر وعمر في بناء مسقّف منذ أن توفّوا إلى يومنا الحاضر.
ويستدلّون أيضا بقوله تعالى:
(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلَّىً) البقرة / 125. وقوله تعالى في ما أخبر عن قصّة أصحاب الكهف:
(قالَ الذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدا) الكهف / 21.
* * *
إنّ الوهابيين يسمّون المسلمين الذين يزورون قبور الانبياء والصحابة والائمة بالقبوريّين. ومن الاحرى، مع ما ذكرنا، أن يسمّوا خاتم الانبياء (ص) وأصحابه والانبياء من قبلهم الذين طافوا حول حجر إسماعيل (ع) بالقبوريّين، لمافي حجر إسماعيل من قبر هاجر وإسماعيل (ع) وولده وكذلك أنبياء من قبلهم!!
* * *
هكذا كان اختلاف الاحاديث في بناء القبور، أو بالاحرى اختلاف فهم الاحاديث، منشأ هذا الخلاف.
وفي ما يأتي نذكر الخلاف حول البكاء على الميّت ومنشأه.
93 راجع ذكر خبر إسماعيل (ع) وولده في كلّ من سيرة ابن هشام، ط. مصر سنة 1355 هـ، 1/ 6. وتأريخ الطبري، ط. اوربا 1 / 352. وتأريخ ابن الاثير، ط. اوربا 1 / 89. وتأريخابن كثير 1 / 193.
ومادّة: (حجر) من معجم البلدان.
94 لخّصنا روايات ابن سعد الثلاث من طبقاته 1 / 25، ط. اوربا.
95 الاكتفاء في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء / ص 119، تصحيح هنري ماسة، مطبعة جولكربونل، الجزائر، 1931 م.
والكلاعي هو أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الحميري الكلاعي، ولد سنة 565 هـ، وتوفّي سنة 634 هـ. اعتمدنا ترجمته من مقدّمة الكتاب.
96 ابن جبير هو محمد بن أحمد بن جبير الكناني الاندلسي، البلنسي الاصل، الغرناطي الاستيطان. ولد ليلة السبت عاشر ربيع الاوّل سنة 540 أو سنة 539 هـ، وتوفّي بالاسكندرية ليلة الاربعاء، التاسع أو السابع والعشرين لشعبان سنة 616 هـ. وكان أديبا بارعا، شاعرا مجيدا، سريّ النفس، كريم الاخلاق، من علماء الاندلس بالفقه والحديث.
ورحلة ابن جبير: كتاب وصف فيه ابن جبير رحلة قام بها للحجّ، استغرقت عامين وثلاثة أشهر ونصفا، من يوم الاثنين التاسع عشر لشهر شوال 578 هـ، إلى يوم الخميس الثاني والعشرين لمحرّم 581 هـ، وزار فيها مصر وبلاد العرب والعراق والشام وصقلية وغيرها. ووصف هذا الرحالة المدن التي مرّ بها، والمنازل التي حلّ فيها من هذه الاقطار جميعا.
وقد نقلنا ما أوردناه هنا من ط. دار مصر للطباعة عام 1374 هـ، تحقيق الدكتور حسيننصار / ص 63، ورجعنا إلى مقدمة الكتاب في ترجمة ابن جبير.
97 فروع الكافي، كتاب الحجّ، باب حجّ إبراهيم وإسماعيل 8 وبنائهما البيت، ح 14، ط.دار الكتب الاسلامية، طهران 1391 هـ، 4 / 210. وفقيه من لا يحضره الفقيه، كتابالحجّ، باب علل الحجّ،
ح 3، ط. دار الكتب الاسلامية، طهران 1390 هـ، 2/125ـ 126، وباب نكت في حجّ الانبياء والمرسلين، ح 8، 2 / 149. والوافي، كتابالحجّ، باب حجّ إبراهيم وإسماعيل 8، ط. الاُولى 8 / 28.
والبحار، كتاب النبوة، باب أحوال أولاد إبراهيم (ع) وأزواجه وبناء البيت، ح 41، 5 / 143، وح 54، 5 / 144.
98 فروع الكافي، كتاب الحجّ، باب حجّ إبراهيم (ع)، ح 15، 4 / 210. والبحار عنالصدوق، كتاب النبوة، باب أحوال أولاد إبراهيم (ع)، ح 40، 5 / 142، ط. الاُولى كمباني، وباب أخبار أولاد إبراهيم، ح 55، 5 / 144. والوافي، كتاب الحجّ، باب حجّإبراهيم 8 / 28.
99 فروع الكافي، كتاب الحجّ، باب حجّ إبراهيم، ح 16، 4 / 210. والوافي، كتاب الحجّ، بابحجّ إبراهيم 8 / 28. والبحار، ح 56، 5 / 144.
100 مختصر كتاب البلدان، تأليف أبي بكر أحمد بن الفقيه الهمداني (ت: 340 هـ)، ط.بريلبليدن سنة 1302 ه، ص 17.