ـ 5 ـ

الخلاف حول الاحتفال بذكرى الانبياء

وذكرى عباد اللّه الصالحين

نكتفي في إيراد أقوال المانعين لاقامة المولد النبوي بإيراد فتوى الشيخ عبدالعزيز بن عبد اللّه بن باز، الرئيس العام لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية حيث قال:

لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول (ص)، ولا غيره؛ لانّ ذلك من البدع المحدثة في الدين...(82).

أمّا من يرى استحباب الاحتفال بذكرهم فإنّه يستدلّ على صحّة ذلك

بأنّجُلّ مناسك الحجّ احتفال بذكرى الانبياء والاولياء، كما سنذكر

أمثلة منه في مايأتي:

أ ـ مقام إبراهيم:

قال سبحانه وتعالى:

(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلَّىً) البقرة / 125.

وفي صحيح البخاري(83) ما ملخّصه:

أنّ إبراهيم وإسماعيل (ع) لمّا كانا يبنيان البيت، جعل إسماعيل يأتيبالحجارة وإبراهيم يبني، حتّى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر،

فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة.

وفي رواية بعدها: حتّى ارتفع البناء وضعف الشيخ على نقل الحجارة، فقامعلى حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة.

* * *

إنّ اللّه سبحانه أمر الناس ـكما هو واضحـ أن يتبرّكوا بموطئ قدمي إبراهيم (ع) في بيته الحرام ويتّخذوا منه مصلّىً، إحياء لذكرى إبراهيم وتخليدا، وليس فيه شيء من أمر الشرك باللّه جلّ اسمه.

ب ـ الصفا والمروة:

قال اللّه سبحانه:

(إنَّ الصَفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْيَطَّوَّفَ بِهِما) البقرة / 158.

وروى البخاري ما ملخّصه:

أنّ هاجر لمّا تركها إبراهيم (ع) مع ابنها إسماعيل بمكّة ونفد ماؤها عطشت وعطش ابنها وجعل يتلوّى، فانطلقت إلى جبل الصفا كراهية أن تنظر إليه، فقامتعليه تنظر هل ترى أحدا، فلم ترَ أحدا، فهبطت من الصفا حتّى إذا بلغت الوادي، سعت سعي الانسان المجهود حتّى جاوزت الوادي، ثمّ أتت المروة فقامتعليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم ترَ أحدا، فعلت ذلك سبع مرّات.

قال ابن عباس: قال النبي (ص): فذلك سعي الناس بينهما ـ الحديث(84).

* * *

جعل اللّه السعي بين الصفا والمروة من مناسك الحجّ ، إحياء لذكرى سعيهاجر بينهما واحتفالا بعملها، واستحباب الهرولة في محلّ الوادي الذي سعتفيه هاجر سعي الانسان المجهود، إحياء لذكرى هرولتها هناك.

ج ـ رمي الجمار:

روى أحمد والطيالسي في مسنديهما عن رسول اللّه (ص) أنّه قال:

إنّ جبريل ذهب بإبراهيم (ع) إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماهبسبع حصيات، فساخ. ثمّ أتى الجمرة الوسطى، فعرض له الشيطان، فرماهبسبع حصيات، فساخ. ثمّ أتى الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماهبسبع حصيات، فساخ...(85)

هكذا جعل اللّه إحياء ذكرى رمي إبراهيم (ع) الشيطان والاحتفال

بذكره من مناسك الحجّ.

د ـ الفدية:

قال اللّه سبحانه في قصّة إبراهيم وإسماعيل 8:

(فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّيْأذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شأَ اللّهُ مِنَالصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمَ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنَّا كَذلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ * إنَّ هذا لَهُوَ البَلاُ المُبِينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) الصَّافَّات / 101 ـ 107

* * *

وكذلك جعل اللّه إحياء ذكرى فداء إبراهيم (ع) ابنه إسماعيل (ع)

وإرسال اللّه الكبش فدية له والاحتفال بها من مناسك الحجّ، وأمر الحجّاج بالفدية في منى اقتدأً بإبراهيم (ع) واحتفالا بذكرى موقفه من طاعة اللّه.

* * *

في مقام إبراهيم (ع)، انتشرت البركة من قدمي إبراهيم (ع) إلى موطئ قدميه، وأمر اللّه باتّخاذه مسجدا في بيته الحرام، وجعله اللّه من مناسك الحجّ إحيأًلذكره.

وفي ما يأتي نذكر انتشار البركة من آدم (ع) أبي البشر.

 


82 صحيفة الشرق الاوسط بتأريخ 3 / 12 / 1984 في مقال تحت عنوان (حكم الاحتفال بالمولد النبويّ وغيره من الموالد).

83 صحيح البخاري، كتاب الانبياء، باب يزفون النسلان في المشي 2 / 158 و159.

84 صحيح البخاري، كتاب الانبياء، باب يزفون النسلان في المشي 2 / 158. وراجع معجمالبلدان، مادة: (زمزم)، وذكر تأريخ إسماعيل (ع) من تأريخ الطبري وابن الاثير.

85 مسند أحمد 1 / 306، وقريب منه في 127. ومسند الطيالسي، ح 2697. وراجع مادة:(الكعبة) من معجم البلدان؛ وتأريخ إبراهيم وإسماعيل 8 من تأريخ الطبري وابنالاثير. وساخت قوائمه في الارض: غاصت في الارض.