منشأ الخلاف حول صفات رسول اللّه (ص):

مع صراحة النصوص المتواترة المذكورة آنفا حول بعض صفات

الانبياء، كيف نشأ الخلاف حولها؟

الجواب: أنّا إذا أنعمنا النظر في روايات جمّة اُخرى رويت في انتقاص شأن الانبياء، وانتشرت في كتب الحديث، والتي تنزّل منزلة الانبياء عن مستوى سائر الناس، وجدنا أنّها هي التي تكوّن للمعتقد بصحّتها رؤية خاصة تناقض محتوى الاحاديث الانفة. ولئلاّ يطول بنا المقام، نكتفي في ما يأتي بالاشارةإلى بعض ما روي بشأن خاتم الانبياء وأفضل المرسلين (ص)، ففيهكفاية لمن أراد أن يتدبّر ويتبصّر. منها:

1 ـ ما رواه البخاري في صحيحه وقال:

إنّ رسول اللّه (ص) قبل أن ينزل عليه الوحي قدّم إلى زيد بن عمرو ابننفيل سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثمّ قال: إنّي لا آكل إلاّ ممّا ذكر اسم اللّه عليه(63).

إذا فإنّ زيدا كان في الجاهلية أفضل من رسول اللّه، يتجنّب من أمر الجاهلية ما لا يتجنّبه رسول اللّه (ص).

2 ـ روى البخاري ومسلم:

أنّ رسول اللّه (ص) لمّا جاءه جبرائيل بآيات: (إقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَق) إلى قوله: (عَلَّمَ بِالقَلَمِ) رجع النبيّ (ص) إلى بيته ترجف بوادره، وقال لخديجة: إنّي خشيت على نفسي. فقالت له خديجة: أبشر، كلاّ فواللّه لايخزيكاللّه أبدا. وانطلقت به إلى ورقة بن نوفل، وكان امرأً تنصّر في الجاهلية، فأخبره رسول اللّه (ص) خبر ما رآه. فقال ورقة: هذا الناموس الذي اُنزل علىموسى ـ الحديث(64).

إذا فإنّ ورقة النصراني كان أدرى بالوحي وجبرائيل من رسول اللّه (ص) الذي خوطب بالوحي، ومن كلام ورقة اطمأنّ النبيّ (ص) بمصيره، وإلاّ فإنّه كان يريد أن يلقي بنفسه من حالق من جبل، بحسب ما رواه ابن سعد في طبقاته، وقال الطبري: إنّ رسول اللّه (ص) قال: إنّ الابعد ـيعني نفسهـ لشاعر أومجنونلا تحدّث بها عنّي قريش أبدا(65).

3 ـ روى البخاري ومسلم وقالا:

إنّ رسول اللّه (ص) كان يغضب فيلعن ويسبّ ويؤذي من لا يستحقّها، ودعا اللّه أن يجعلها لمن بدرت منه إليه زكاة وطهورا(66).

4 ـ ورويا أيضا وقالا:

إنّ بعض اليهود سحر رسول اللّه (ص) حتّى يخيّل إليه أنّه يفعل الشيء ومافعله(67).

5 ـ روى مسلم:

أنّ رسول اللّه (ص) مرّ بقوم يلقّحون النخل، فقال: لو لم تلقّحوها لصلح. فتركوا تلقيحها فخرج شيصا، فقال: أنتم أعلم باُمور دنياكم(68).

6 ـ ورويا أيضا:

أنّ رسول اللّه (ص) استمع إلى غناء جوارٍ من الانصار، فنهرهنّ

أبوبكر(69).

7 ـ روى مسلم:

أنّ رسول اللّه (ص) رفع عائشة على منكبه لتنظر إلى الحبشة الذين يلعبون في المسجد، فنهرهم عمر(70).

وفي رواية الترمذي:

إذ طلع فانفضّ الناس، فقال رسول اللّه (ص): إنّي لانظر إلى شياطين الجنّ والانس قد فرّوا من عمر(71).

وفي رواية:

أنّ جارية سوداء ضربت بالدفّ وغنّت بين يدي رسول اللّه (ص)

بعدرجوعه من إحدى غزواته، فدخل عمر فألقت الدفّ تحت استها، ثمّ قعدت عليها، فقال رسول اللّه (ص): إنّ الشيطان ليخاف منك يا عمر(72).

8 ـ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما:

عن عائشة: أنّ النبيّ (ص) سمع رجلا يقرأ في المسجد، فقال:

رحمه اللّه، أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا(73).

* * *

رأينا في ما مرّ أنّ زيد بن عمرو بن نفيل ابن عمّ الخليفة عمر كان أتقى للّه منرسوله (ص)، يمتنع من أكل ما ذبح على الانصاب والاصنام، بينما يأكله رسولاللّه (ص).

وأنّ ورقة بن نوفل النصراني يدرك أنّ الذي جاء إلى النبيّ (ص)

هوجبرائيل ورسول اللّه لم يعرفه، وخشي أن يكون أصابه مسّ من الجنّ وأنّآيات سورة اقرأ هي من سجعهم.

وأنّ سحر اليهود أثّر في رسول اللّه (ص) فكان يرى أنّه يفعل الشيء ومافعله.

وأنّه أسقط من القرآن آيات نسيها حتّى قرأها بعض الصحابة.

وأنّه أمر بعدم تلقيح النخل ليصلح، فلمّا أصبح شيصا قال لهم: أنتم أعلم باُمور دنياكم منّي.

وأنّه استمع إلى غناء جوارٍ من الانصار، وكرهه أبو بكر، وقال في شأن عمر: إنّ الشيطان ليفرّ منك.

* * *

إنّ تلكم الاحاديث وأمثالها تثبت أنّ رسول اللّه (ص) كان دون زيد

فيالجاهلية، وبعد الاسلام كان ورقة النصراني أدرى بالوحي وجبرائيل من رسولاللّه (ص)، وأنّ أبا بكر وعمر كانا أكثر تجنّبا للّهو واللّغو منرسولاللّه(ص)، وأنّ الصحابيّ الذي قرأ من القرآن ما كان قد أسقطه الرسول (ص) منه كان أقوى ذاكرة من رسول اللّه (ص)، وأنّ رسولاللّه(ص) كسائر الناس لا يعصمه اللّه من عبث اليهود وسحرهم، وأنّهيغضب ويلعن ويسبّ من لا يستحقّ(74).

ومن آمن بصحة الاحاديث المذكورة آنفا، تتكوّن له رؤية تناقض

محتوىالاحاديث التي أشرنا إليها في ما خصّ اللّه به خاتم أنبيائه (ص) وميّزه عنسائر الناس بفضائل جمّة، وحقّ للرجل (ذي المعرفة) من السعوديين إذن أن يقول: ((محمد رجالا مثلي، مات)).

أضف إلى هذه الاحاديث التي كوّنت رؤية تناقض تلك الفضائل،

مافعلهالخليفة الصحابي عمر بن الخطاب واجتهاده في قطع الشجرة التي بويع تحتها رسول اللّه (ص)(75). وتفصيل الخبر في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/59.

وينقض جميع الاحاديث التي تنقص من منزلة رسول اللّه (ص) ماأخبرعنه الامام علي (ع) عن رسول اللّه (ص) في خطبته القاصعة، حيث قال:

ولقد قرن اللّه به 9 من لدن أن كان فطيما، أعظم ملك من ملائكته،

يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره. ولقد كنت اتّبعه اتّباع الفصيل أثر اُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَما ويأمرني بالاقتداء به. ولقدكان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع يومئذ بيت في الاسلام غير رسول اللّه 9 وخديجة، وأنا ثالثهما؛ أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريحالنبوّة. ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه (( فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرنّة؟ قال: هذا الشيطان أيس من عبادته(76).

ولست أدري كيف لم يكن الرسول (ص) يعرف نفسه كما ورد ذلك في خبره مع ورقة(77)، وكان على كتفه خاتم النبوّة الذي يعرفه به كلّ من شاهده منأهلالكتاب؟

وتنقضها أيضا الروايات التي ذكرت في دلائل النبوّة التي صدرت منه وله قبل أن يبعث، مثل ما تمّ له في سفرته الاُولى إلى الشام مع عمّه أبي طالب، والثانيةفي تجارة خديجة، وإخبار الرهبان بأمر بعثته، وتظليل سحابة له، ممّا علِمه جميع من كان معه في السفرتين، وانتشرت أخبارهما في كتب الحديث والسير(78).

وإخبار أهل الكتاب بظهوره قبل أن يبعث، وخبره في التوراة(79).

وتسليم الشجر والحجر عليه قبل بعثته(80).

كيف كان لا يعرف نفسه وقد بشّر به عيسى بن مريم (ع) كما أخبر تعالى عنه بقوله: (وَمُبَشِّرا بِرَسُولٍ يَأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَد) الصف / 6؟

كيف لا يعرف نفسه وأهل الكتاب كانوا (يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْنأَهُم) البقرة / 146، والانعام / 20؟

يعرفون (الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُمِّيَّ الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِنْدَهُمْ في

التَّوْراةِ وَالانْجِيلِ) الاعراف / 157.

* * *

سيأتي في بحوث مصادر الشريعة الاسلامية من هذا الكتاب محاولات السلطات الاسلامية رفع مقام الخلافة في أنظار المسلمين على مقام النبوّة، ونذكرهنا منها مثالا واحدا من سيرة الحجّاج بن يوسف الثقفي والي الخليفة عبد الملك على العراق، إذ خطب في الكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسولاللّه(ص) بالمدينة، فقال:

تبّا لهم! إنّما يطوفون بأعواد ورمّة بالية! هلاّ طافوا بقصر أمير المؤمنين عبدالملك! ألا يعلمون أنّ خليفة المءر خير من رسوله(81)؟ وسيأتي تفصيل ذلك فيالجزء الثالث من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

وإنّ الذي نجده من اتّجاه بعض المسلمين في القرون المتأخّرة من تهوين أمرالرسول (ص) إن هو إلاّ نتيجة لتلك المحاولات مدى القرون، سواء في ما رووا من روايات تحطّ من قدر رسول اللّه (ص)، أم ما أوّلوا من آيات القرآن وغيرذلك ممّا فعلوا في توجيه المسلمين إلى ما أرادوا. ومنها ما رأوا في الاحتفال بذكرى ميلاد الرسول (ص)، كما سنذكره في ما يأتي.

 


63 البخاري، كتاب الذبائح، باب ما ذبح على النصب والاصنام 3 / 207. ومسند أحمد 2/69 و86.

وزيد بن عمرو بن نفيل كان ابن عمّ الخليفة عمر ووالد زوجته، جاء ذكره فيترجمة ابنه سعيد في الاستيعاب 2 / 4.

64 صحيح البخاري، باب بدء الوحي 1 / 3، وتفسير سورة اقرأ. وصحيح مسلم، كتاب الايمان، باب بدء الوحي، ح 252. ومسند أحمد 6 / 223 و233.

والبوادر: اللحمة بين المنكب والعنق، تضطرب عند الفزع.

وقد لخّصنا الخبر.

وناقشنا روايات بعثة النبي الواردة في كتب الحديث والسيرة والتفسير وذكرنا عللها في الجزء الرابع من (قيام الائمة بإحياء السنّة)، وهو سلسلة دراسات عن أثر أئمة أهل البيت (ع) في إحياء السنّة، وأوردنا الخبر الصحيح في ذلك، والحمد للّه.

65 تأريخ الطبري، ط. اوربا 1 / 1150.

66 صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب قول النبي (ص): من آذيته. وصحيح مسلم، كتاب البرّ والصلة، باب من لعنه النبي (ص) وليس له أهلا.

67 صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، وكتاب الطبّ، باب هل يستخرج السحر، وباب السحر، وكتاب الادب، باب إنّ اللّه يأمر بالعدل، وكتاب الدعوات، باب

تكرير الدعاء. وصحيح مسلم، باب السحر.

68 صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايشالناس. وسنن ابن ماجة، باب تلقيح النخل.

69 صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبيّ، باب مقدم النبي (ص) وأصحابه المدينة، وكتاب العيدين، باب سنّة العيدين لاهل الاسلام. وصحيح مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة

في لعب يوم العيد.

70 صحيح مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، ح 18، 19، 20، 21 و22.

71 سنن الترمذي، أبواب المناقب، باب مناقب عمر.

72 سنن الترمذي، أبواب المناقب، باب مناقب عمر. ومسند أحمد 5 / 353.

وقد ناقشنا هذه الاحاديث وذكرنا عللها في الجزء 2، 3، 4 و5 من كتاب قيام الائمة بإحياء السنّة.

73 صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب شهادة الاعمى ونكاحه. وصحيح مسلم، كتابفضائل القرآن، باب الامر بتعهّد القرآن، ح 224. وسنن أبي داود، كتاب التطوّع، بابفي رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، ح 1331، وكتاب الحروف والقراءات، البابالاوّل، ح 3970.

74 لمّا كانت أحاديث مدرسة الخلفاء تكوّن رؤية تنزّل من مستوى الرسول الاكرم(ص) عنمستوى الانسان العادي وخاصة في مثل الخبر المختلق في قصة الغرانيق التي بيّنا زيفها فيالجزء

الرابع من (قيام الائمة بإحياء السنّة) ويمكن من خلالها إلقاء الشبهات في الوحي والقرآن، استند المستشرقون من مبشّري النصارى في دراساتهم للاسلام إلى أحاديث مدرسةالخلفاء، وتركوا

أحاديث مدرسة أهل البيت ظهريا.

75 شفاء الصدور / ص 27، وهي شجرة بيعة الرضوان في صلح الحديبية.

76 نهج البلاغة، شرح محمد عبده، الخطبة رقم 192.

77 راجع صحيح البخاري، كتاب المناقب والمرضى والادب. وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات خاتم النبوّة. وسنن أبي داود، كتاب اللباس. والترمذي، كتاب المناقب. ومسند أحمد 2 / 223، و3 / 434 و442، و4 / 195، و5 / 35، 77، 82، 83، 90، 95، 98، 104، 340، 341، 354، 438، 442 و443، و6 / 329.

78 طبقات ابن سعد، ط. اوربا 1 / ق 1 / 73، 76، 83، 98 ـ 101 و109 منه، و3 / ق 1 / 153.

وما رواه البخاري في آخر كتاب بدء الوحي من أخبار هرقل من ظهوره. وسنن الترمذي، كتاب المناقب، باب ما جاء في بدء النبوة 13 / 106. وسيرة ابن هشام 1/194 و203، وراجع أيضا

ص 231، 239 و251 منه.

79 صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الاسواق 2 / 10، وكتاب التفسير، باب تفسير سورة الفتح، وكتاب فضائل القرآن، الباب الاوّل. وطبقات ابن سعد، ط. اوربا 1 / 123، و1 / ق 2 / 17، 87 و89. وسنن الترمذي، كتاب المناقب، البابالاوّل. وسنن الدارمي، المقدمة، الباب الاوّل. ومسند أحمد 2 / 174، و3 / 467. وطبقات ابن سعد 1 / ق 1 / 64، 103، 104، 106، 108 و111.

80 صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب نسب النبي، ح 2، ص 1782. ومسند أحمد 5 / 89، 95 و105. ومسند الطيالسي، ح 781. وطبقات ابن سعد 8 / 179. وتسليم الشجر عليه في:

سنن الدارمي، المقدمة، الباب رقم 3. وطبقات ابن سعد 8 / 179.

81 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15 / 242. وراجع كتاب المبرد، ط. النهضة بمصر / ص222.