أ ـ التبرّك بآثار الانبياء

يستدلّون على مشروعية التبرّك بآثار الانبياء بما تواتر نقله في جميع كتب الحديث أنّ الصحابة تبرّكوا برسول اللّه (ص) وآثاره في حياة الرسول (ص) بمباشرته، ودعوته بذلك، وتبرّكوا ـأيضاـ بآثاره بعد وفاته، وفي ما يأتي بعضمايستدلّون به:

التبرّك ببصاق النبيّ (ص):

في صحيح البخاري عن سهل بن سعد في باب ما قيل في لواء النبيّ (ص) من كتاب المغازي(44): إنّ رسول اللّه (ص) قال يوم خيبر: لاُعطينّ هذه الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه، يحبّ اللّه ورسوله، ويحبّه اللّه ورسوله. قال: فباتالناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها. فلمّا أصبح الناس غدوا على رسولاللّه(ص) كلّهم يرجو أن يعطاها فقال: أين عليّ؟ فقيل: هو يا رسول اللّه يشتكي عينيه. فأرسل فاُتي به... ولفظه في كتاب الجهاد والسير(45): فأمر فدعي

له، فبصق فيعينيه، فبرئ مكانه حتّى كأنّه لم يكن به شيء... ـ الحديث.

وفي لفظ سَلَمَة بن الاكوع بصحيح مسلم:

قال: فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد حتّى أتيت به رسول اللّه (ص) فبصق في عينيه فبرئ وأعطاه الراية ـ الحديث (46).

التبرّك بوضوء النبي (ص):

في صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول اللّه (ص) وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه. فاُتي رسول اللّه (ص) بوضوء، فوضع رسول اللّه في ذلك الاناء يده، وأمر الناس أن يتوضّأوا منه. فرأيتالماء ينبع من تحت أصابعه حتّى توضّأوا من عند آخرهم(47).

وفي رواية اُخرى عن جابر بن عبد اللّه أنّه قال:

قد رأيتني مع النبيّ (ص) وقد حضر العصر وليس معنا ماء غير فضلة، فجُعل في إناء فاُتي النبي (ص) به، فأدخل يده فيه، وفرّج أصابعه ثمّ قال:

حيّعلى أهل الوضوء، البركة من اللّه. فلقد رأيت الماء يتفجّر من بين أصابعه، فتوضّأ الناس وشربوا. فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه فعلمت أنّه بركة ـفقيللجابر:ـ كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وأربعمائة. وفي رواية: خمس عشر مائة(48).

التبرّك بنخامة النبيّ (ص):

روى البخاري في صلح الحديبية، عن عروة بن مسعود، قال عن

رسولاللّه(ص) وأصحابه:

واللّه ما تنخّم رسول اللّه (ص) نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجل منهم فدلكبها وجهه وجلده، وأنّه إذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه(49).

التبرّك بشعر النبيّ (ص):

روى مسلم في صحيحه: أنّ رسول اللّه (ص) أتى منى وحلق رأسه

بعدأنرمى ونحر (ثمّ جعل يعطيه الناس).

وفي رواية اُخرى: أنّه دعا الحالق فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال: اقسمه بينالناس(50).

وروى أيضا عن أنس قال:

لقد رأيت رسول اللّه (ص) والحلاّق يحلقه وأطاف به أصحابه. فما يريدون أن تقع شعرة إلاّ في يد رجل(51).

وفي ترجمة خالد باُسد الغابة: أنّ خالد بن الوليد كان له الاثر المشهود فيقتال الفرس والروم، وافتتح دمشق، وكان في قلنسوته التي يقاتل بها شعر من شعر رسول اللّه (ص) يستنصر به وببركته، فلا يزال منصورا.

وفي ترجمته ـأيضاـ باُسد الغابة والاصابة ومستدرك الحاكم ـواللفظ لهـ:

أنّ خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك فقال: اطلبوها. فلم يجدوها.

ثمّ طلبوها فوجدوها، وإذا قلنسوة خلقة، فقال خالد: اعتمر رسول اللّه (ص) فحلق رأسه وابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي معي إلاّ رزقت النصر(52).

وروى البخاري: أنّه كان عند اُمّ سلمة زوج النبي (ص) شيء من

شعرالنبي فإذا اصاب إنسانا عين أرسلوا إليها قدحا من الماء تغمس الشعر فيه، فيداوى من اُصيب(53).

قال عبيدة: لاَ ن تكون عندي شعرة منه ـأي النبي (ص)ـ أحبّ إليّ

منالدنيا وما فيها(54).

التبرّك بسهم النبيّ (ص):

روى البخاري في صلح الحديبية وقال:

نزل الرسول (ص) بجيشه في أقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرّضه الناس تبرّضا، فلم يلبثه الناس حتّى نزحوه وشكوا إلى رسول اللّه (ص) العطش، فانتزع سهما من كنانته ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيه فواللّه ما زال يجيش لهم بالريّ حتّىصدروا عنه(55).

التبرّك بموضع كفّ النبيّ (ص):

في ترجمة حنظلة من الاصابة ومسند أحمد ما موجزه:

قال حنظلة: دنا بي جدّي إلى النبي (ص) فقال:

إنّ لي بنين ذوي لحىً ودون ذلك، وإنّ ذا أصغرهم، فادع اللّه له. فمسح رأسه وقال:

بارك اللّه فيك أو بورك فيه. قال الراوي:

فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالانسان الوارم وجهه أو البهيمة الوارمة الضرع فيتفل على يديه ويقول: باسم اللّه، ويضع يده على رأسه ويقول: على موضع كفّرسول اللّه (ص)، فيمسحه عليه.

وقال الراوي: فيذهب الورم(56).

وفي لفظ الاصابة:

ويقول: باسم اللّه، ويضع يده على رأسه موضع كفّ رسول اللّه (ص)، فيمسحه عليه، ثمّ يمسح موضع الورم، فيذهب الورم.

* * *

كان انتشار البركة من رسول اللّه (ص) إلى من حوله كانتشار الضوء منالشمس والشذى من الزهر، لا ينفكّ عنه أينما حلّ، في صغره وكبره، سفره وحضره، ليله ونهاره، سوأً أكان في خبأ حليمة السعدية رضيعا، أم في سفره إلىالشام تاجرا، أم في خيمة اُمّ معبد مهاجرا، أم في المدينة قائدا وحاكما.

وماأوردناه أمثلة من أنواعها وليس من باب الاحصاء، فإنّ إحصاءها لا يتيسّر للباحث، وفي ما أوردناه الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وندرس بعد هذا في ما يأتي مسألة الاستشفاع برسول اللّه (ص) ثمّ

ندرسمنشأ الخلاف في جملة ميّزات رسول اللّه (ص) على سائر الناس إنشاءاللّه تعالى.

 


44 صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر 3 / 35. وكتاب الجهاد والسير، البابرقم 102، 2 / 108، وباب ما قيل في لواء النبي 2 / 111، وباب فضل من أسلم علىيديه رجل 2 /115. وكتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب عليّ بن أبي طالب 2/199. وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عليّ بن أبي طالب (ع)، ح 32 و34، وباب غزوة ذي قرد وغيرها، ح 132. وسنن الترمذي، كتاب المناقب، بابمناقب عليّ بن أبي طالب 13 / 172.

45 صحيح البخاري، باب دعاء النبيّ إلى الاسلام 2 / 107.

46 صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، ح 132.

47 صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة 1 / 31.

48 صحيح البخاري، كتاب الاشربة، باب شرب البركة والماء المبارك 3 / 219.

وسننالنسائي، كتاب الطهارة، باب الوضوء من الاناء 1 / 25. ومسند أحمد 1 / 402. وسنن الدارمي عن عبد اللّه بن عمر، المقدمة، باب ما أكرم اللّه النبي (ص) من تفجير الماء من بين أصابعه 1 / 15.

49 صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط 2 / 82، وكتاب الوضوء منه، باب البزاق والمخاط ونحوه... 1 / 38، وباباستعمال فضل وضوء الناس... 1 / 33. ومسند أحمد 4 / 329 و330.

50 صحيح مسلم، كتاب الحجّ، باب بيان أنّ السنّة يوم النحر أن يرمي ثمّ ينحر ثمّ يحلق، والابتداء في الحلق بالجانب الايمن من رأس المحلوق، ح 323 و326.

وراجع ح 324 و325 منه في سنن أبي داود بكتاب المناسك، باب الحلق والتقصير، ح1981، 2 / 203. وطبقات ابن سعد 1 / 135. ومسند أحمد 3 / 111، 133، 137، 146، 208، 214، 239، 256 و287، و4 / 42. ومغازي الواقدي / 429.

51 صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب قرب النبيّ (ص) من الناس وتبرّكهم به، ح 74، ص1812.

52 المستدرك للحاكم، كتاب معرفة الصحابة، باب مناقب خالد بن الوليد 3 / 299. واللفظله وبترجمة خالد في اُسد الغابة والاصابة. وموجز الخبر بمنتخب كنز العمّال بهامشمسند أحمد 5 / 178. وتأريخ ابن كثير 7 / 113.

53 أوردناه ملخّصا من صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب ما يذكر في الشيب 4 / 27.

54 طبقات ابن سعد 6 / 63. وصحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعرالانسان 1 / 31.

55 صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط 2 / 81. وراجع كتاب المغازي منه، باب غزوة الحديبية. وراجع طبقات ابنسعد 3 / 29، وباب ذكر علامات بعد نزول الوحي 1 / ق 1 / 118. ومغازي الواقدي / ص 247.

56 مسند أحمد 5 / 68، وتفصيله بترجمة حنظلة بن حذيم بن حنيفة التميمي في الاصابة وفيلفظه، وأورد الخبر أيضا بأسناد اُخرى.