منشأ الخلاف حول بعض صفات اللّه ورؤيته:
في
المسلمين من درسنا آراءهم في صفات اللّه المذكورة. وفيهم من يتلو
فيردّ تلكم الاقوال قول اللّه تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الابْصارُ
وَهُوَ يُدْرِكُ الابْصارَ) الانعام / 103.
ويقول:
إنّ قول اللّه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَة)، أي:
إلىأمرربّها ناظرة، أي: منتظرة، وذلك مثل قوله تعالى في حكاية قول أولاد يعقوب
لابيهم: (وَاسْألِ القَرْيَةَ التي كُنّا فِيها) يوسف / 82. أي: واسأل أهلالقرية،
قدّر في تلك الاية (أمر) وفي هذه الاية (أهل)، وهكذا تؤوّل سائرالايات التي ظاهرها
يدلّ على أنّ اللّه تبارك وتعالى جسم.
ويسمّون
أهل تلك الاقوال بالمجسّمة والمشبّهة؛ أي الذين يشبّهون ربّهم بمخلوقاته ويقولون
إنّه جسم.
ويروون
عن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنّه قال:
من زعم
أنّ اللّه فوق العرش فقد صيّر اللّه محمولا ولزمه أنّ الشيء الذييحمله أقوى منه.
ومن زعم أنّ اللّه في شيء، أو على شيء، أو يخلو منه شيء، أو يشغل به شيء فقد وصفه
بصفة المخلوقين؛ واللّه خالق كلّ شيء، لا يقاس بالقياس، ولا يشبّه بالناس، لا يخلو
منه مكان، ولا يشتغل به مكان(40).
ويستشهدون بقول الامام علي (ع):
إنّ
اللّه لا ينزل، ولا يحتاج أن ينزل؛ وإنّما يقول ذلك من ينسبه
إلىنقصوزيادة، وكلّ متحرّك يحتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به،
فاحذروا فيصفاته من أن تقضوا له على حدّ تحدّونه بنقص أو زيادة، أو
تحريك أو تحرّك، أوزوال أو استنزال، أو نهوض أو قعود(41).
وقال
الراوي للامام علي بن موسى الرضا (ع):
إنّا
روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسّم لموسى الكلام ولمحمد الرؤية. فقال أبو الحسن الرضا
(ع): فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين الجنّ والانس: (لا تُدْرِكُهُ
الابْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الابْصار) و(وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْما) و(لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْء) أليس محمدا (ص)؟ قال: بلى، قال: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا
فيخبرهمأنّه جاء من عند اللّه وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول: (لا
تُدْرِكُهُ الابْصارُ...) ـ الايات، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علما وهو
على صورةالبشر!؟ أما تستحون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتيعن اللّه
بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر.
قال
الراوي: فإنّه يقول: (لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً اُخْرى)؟ فقال أبو الحسن (ع): إنّ بعد
هذه الاية ما يدلّ على ما رأى حيث قال: (ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى) يقول: ما كذب
فؤاد محمد (ص) ما رأت عيناه. ثمّ أخبر بما رأى فقال: (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ
رَبِّهِ الكُبْرى) فآيات اللّه عزّ وجلّ غير اللّه، وقد قال: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ
عِلْما) فإذا رأته الابصار، فقد أحاطت به العلم، ووقعت المعرفة. فقال أبو قرّة:
فتكذّب بالروايات؟ فقال أبو الحسن (ع): إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبت
بها...(42).
* * *
وهكذا بيّن أئمة أهل البيت (ع) تفسير الايات وكشفوا عن المقصود
منالساق
واليد والعرش ونظائرها في الايات الكريمة، وأنّ اللّه خلق آدم علىصورته في الحديث(43)،
وتركنا إيرادها لانّا لسنا بصدد إيراد أدلّة المدرستين واستقصاء أدلّتهما في ما
ارتأيا، بل أردنا أن نورد أمثلة ممّا ورد من الاحاديث المتعارضة في صفات اللّه لدى
المدرستين، وأنّ أحاديث كلّ مدرسة تؤوّل آياتالقرآن باتّجاهها الخاص، وأنّه هكذا
نشأ الخلاف حول صفات اللّه.
ثمّ
ندرس في ما يأتي منشأ الخلاف في بعض صفات الانبياء بحوله تعالى.
40 الكافي، الجزء الاوّل، كتاب التوحيد، باب
العرش والكرسي، ح 7، وباب الحركة والانتقال، ح 3 و9. والتوحيد للشيخ
الصدوق، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، ح 9، 10 و12،
وباب (وَكانَ عَرْشُهُ عَلى الماء)، ح 11، وباب معنى (الرَّحْمنُ
عَلى العَرْشِ اسْتَوى)، ح 5، 6، 7 و8. والبحار للمجلسي، ط. الجديدة،
كتاب التوحيد، بابنفي الجسم والصورة والتشبيه والحلول والاتّحاد، ح
23، 3 / 87.
41 الكافي، كتاب التوحيد، باب الحركة
والانتقال، ح 1. والتوحيد للصدوق، باب نفي المكان والزمان والحركة
عنه تعالى، ح 18. والبحار للمجلسي، كتاب التوحيد، باب نفي الزمان
والمكان والحركة والانتقال عنه تعالى، ح 25، 3 / 311.
42 توحيد الصدوق، ط. طهران سنة 1387 هـ، ص
111 ـ 112. وأحاطت به العلم، أي:
أحاطت
به الابصار علما، وقد أوردنا الحديث موجزا. والبحار، كتاب التوحيد، باب نفي الرؤية
وتأويل الايات، ح 14، 4 / 31. والكافي، كتاب التوحيد، باب في إبطال الرؤية، ح2.
43 يراجع بشأن صفات اللّه كتب: الكافي للشيخ
الكليني، كتاب التوحيد. والتوحيد للشيخالصدوق. وعيون أخبار الرضا
للشيخ الصدوق، الباب رقم 11، ما جاء عن الرضا من الاخبار في التوحيد.