ـ 2 ـ

من آثار الخلاف بعض ما شاهدت

بين أبناء الاُمّة الاسلامية

اعتمدت في ما أشرت آنفا من تكفير المسلمين بعضهم بعضا، وما سأذكره منها في ما يأتي، مع أنواع من استدلالهم، إضافة إلى ما ورد في الكتب المطبوعة، على مشاهداتي في أسفاري إلى البلاد الاسلامية واجتماعي بعلماء فرق المسلمين ومفكّريهم وأبناء شعوبهم، وخاصّة في سفراتي العشر لحجّ بيت اللّه الحرام.

في السفرة الاُولى:

وكان ممّا رأيت في سفري الاوّل للحجّ على عهد الملك عبد العزيز آل سعود: أنّ رَكْبَنا ـرَكْب الحاجّ العراقيـ عندما بلغ مدينة الرماح من بلاد الحكومة السعودية، مكثنا فيها أربعا وعشرين ساعة، واشتركنا جميعا في أداء الفرائض جماعة بمسجدهم. ولمّا دنت ساعة الرحيل، اجتمع علينا لفيف من أهالي المدينة يشاهدون رحيلنا، فحضر حشدهم من بدا عليه أنّه كان من ذوي معرفتهم، وخطب فيهم وأشار إلى أفراد الحاجّ وقال:

وهؤلاء مشركون. وقال أيضا: هؤلاء يبكون على الحسن

والحسين. ثمّأشارإليّ وقال:

هذا مطوّعهم لو يطيح بيدي أذبَحو وألطع دمُّو... فانبرى له أحد الحجّاج وقال:

لماذا نحن مشركون؟ نحن حججنا بيت اللّه، زرنا قبر النبيّ...!؟ فإذا به يرعدويزبد ويقول له:

أشركت، لو يجي أبو أبو سعود ما يحامي عنّك. ويش محمد؛ محمد رِجّالا مثلي. (أي لا يستطيع الملك بسلطته ولا يستطيع جدّه سعود أن ينجيك منّي.

وأيّ شيء كان محمد، محمد كان رجلا مثلي وقد مات وانتهى أمره).

فارتعد الحاجّ العراقي وقال:

ماذا أقول؟ ماذا أقول؟ فقال له:

قل ما هو ضارّ إلاّ اللّه، ما هو نافع إلاّ اللّه. فردّد الحاجّ ما لقّنه إيّاه. فانبرىله حاج عراقي آخر وقال له:

محمد رجّالا مثلك!؟ فأكّد قوله ثانية وقال:

محمد رجّالا مثلي، مات! فقال له الحاجّ:

محمد نزل عليه القرآن فهل ينزل عليك القرآن؟ فلم يحر جوابا، وبادرنا ركوب السيارات وتحرّكت بنا.

وكان في ركبنا حاجّ يحمل جواز سفر سعوديا ويسكن العراق. فلمّا بلغنا الحدود وشاهده موظّف الجوازات السعوديّ، انتهره وقال له مستهزئا ومستنكرا:

تترك بلاد الاسلام وتسكن بلاد الشرك!؟

فأخذ الحاجّ السعودي يتذلّل له ويتخشّع له ويطلب جواز سفره، حتّى أعادهإليه!!

في السفرة الثانية:

كان علماء العراق يومذاك يحملون همّ إعادة الاحكام الاسلامية إلى

المجتمع، يوقظون أبناء الاُمّة الاسلامية في سبيل المطالبة بها، في مساجدهم واحتفالاتهم ومهرجاناتهم، ويعارضون السلطة في تشريعها قوانين مخالفة للاحكام الاسلامية. وكنّا نتنسّم أخبار تحرّكات المسلمين في هذا السبيل في أيّ مكان كان، نؤيّد ثورةالجزائر على فرنسا، وندعم الثورة الفلسطينية بكلّ ما اُوتينا من حَول وقوّة، ونستطلع أخبار الثورة الاريتيرية على الاحباش، ونرى

من لوازم نجاح المعركة فيسبيل إعادة الاحكام الاسلامية توعية المسلمين في هذا السبيل ثمّ تكاتفهم وتعاونهم في هذا الصدد ونسيان مسائل الخلاف في ما بينهم.

ولمّا نشبت المعركة الاسلامية في إيران بين سلطة الطاغوت وعلماء المسلمين يومذاك بدءا بمعركتهم من المدرسة الفيضية في الجامعة الاسلامية الكبرى بقم، فياليوم الخامس والعشرين من شوال سنة 1382 هـ، استبشرنا بها خيرا، وحشّدنا كلّ طاقاتنا لمساعدتها، وجنّدنا أنفسنا لخدمتها؛ فقام علماء العراق بكلّمااُوتوا من حَول وقوّة بتأييدها، جزاهم اللّه جميعا خيرا.

وكنت ممّن أقام الحفلات التأبينية، وأقمت ثلاث ليالٍ حفلة تأبينية كبرى فيبغداد، اُلقيت فيها خطب توجيهية توضّح أبعاد المعركة الاسلامية في إيران وآثارها ومغزاها.

في مثل هذا الظرف سافرت إلى الحجّ وأنا أحمل معي شعارا واُطروحة، شعاري: الدعوة لتوحيد كلمة المسلمين في سبيل إعادة حياة إسلامية في البلادالاسلامية، واُطروحتي: النهضة الاسلامية المتمثّلة بالنهضة الاسلامية التيبدت طلائعها في إيران من قبل علماء المسلمين. وكنت أبذل الجهد في شرحدوافعها لقادة المسلمين ومفكّريهم واستنهاضهم لمساعدتها وبيان أنّ معركةالمسلمين في سبيل إعادة الاحكام الاسلامية واحدة، وأنّه إذا نجحت المعركة في أيّ بلد إسلامي، فإنّه ستنتشر آثارها إلى غيرها، ويعمّ المسلمين خيرها، وكلّيأمل ورجاء أنّي سوف أجد اُذنا صاغية لما أعرض من مأساة المسلمين فيإيران، مع بيان وحدة القضية ووحدة المصير.

اجتمعت في هذه السفرة بقادة الاخوان المسلمين في سوريا وسعيد رمضان بمكّة، ومحمّد آدم رئيس الثورة الاريتيرية في موقف عرفات، ومثقّفي الفلسطينيين في الاردن وبيت المقدس ومحرّري الصحف الاسلامية وعلماء المسلمين وخطبائهم وقادة الحركات الاسلامية، أمثال أبي الحسن الندوي وأبي الاعلى المودودي رئيسالجماعة الاسلامية بباكستان يومذاك، إلى غيرهم.

بدأت عملي في المدينة بالمساهمة في كتابة النشرات التي كانوا يعدّونها للتوزيع على الحجيج، فأجريت تعديلات على صيغ النشرات، شرحنا فيها أبعاد النهضة الاسلامية في إيران وبيّنا ظلم حكومة الطاغوت وعمالتها لدول الكفر، نستنهض فيها المسلمين لاعانة أبناء الاُمّة الاسلامية في إيران، ورجّحت توزيعها ليلة العيد على الحجّاج في المشعر الحرام، غير أنّي بوغتّ مساء السابع من ذي الحجّة في مكّة المكرّمة بأنّ الشيخ المسؤول عن توزيعها وزّع بعضها في الحرم المكّي الشريف فاُلقي القبض عليه وزجّ في السجن وحُجزت النشرات كافّة. فاجتمعنا نحنعلماء العراق وإيران يوم العيد بوليّ العهد فيصل، يومذاك، نطلب منه إطلاق سراح الموقوف والنشرات المحجوزة، فاغتنمت الفرصة وقلت: إنّ حكومتهم رفعتشعار تنفيذ أحكام القرآن في هذا البلد، وعليه يقتضي أن تعينوا المسلمين الذين يجاهدون في سبيل تطبيق أحكام القرآن في بلادهم ويصطدمون بحكومات بلادهم الذين يريدون تنفيذ أحكام الكفر، وأن تجعلوا من البلد الحرام ملجأ للمشرّدين منهم وتساعدوهم في شرح ظلامتهم لاخوانهم الحجيج، وذلك هو مصداق قوله تعالى:

(لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ).

ثمّ ذكرت قيام علماء المسلمين في الجامعة الاسلامية الكبرى بقم وأسهبت فيشرح أبعاد النهضة الاسلامية الطالعة بإيران، وواجب قادة المسلمين خاصة الحكومة السعودية تجاهها، وختمت حديثي بشرح قضية العالم الذي وزّع نشراتالتظلّم على المسلمين وتوقيفه، وجرت حول ذلك بيننا مناقشات، أدّت إلىإطلاق سراح الموقوف.

ونشرت الصحف بعد أداء المناسك ورجوعنا إلى مكّة دعوة للحضور فيالمسجد الهندي بمكّة مساء الجمعة للاستماع إلى خطبة الاُستاذ المودودي.

فحضرناالاحتفال بعد صلاة العشاء وألقى الاُستاذ المحاضر خطبة(14) ذكر فيها ثمانيةاُمور تلزم المسلمين لاعادة الحياة الاسلامية إلى المجتمع، وتقدّمت بعده خلفالمذياع وخطبت معلّقا على خطابه وقلت:

إنّ المسلمين في نهضتهم اليوم بحاجة إلى ثلاثة اُمور:

أوّلا ـ إنّ المسلمين بعد مضيّ أربعة عشر قرنا من بعثة الرسول الاكرم(ص) والظروف التي مرّت عليهم بحاجة إلى دراسة موضوعية مستوعبة لكيفية استنباطالاحكام من مصادر الشريعة الاسلامية ودراية الحديث وفقه السنّة وتركالبقاء على تقليد العلماء السلف في كلّ ذلك.

ثانيا ـ إنّ الغزاة الكفرة لبلاد الاسلام ـالمستعمرينـ استطاعوا أن يُشتّتوا كلمة المسلمين، وبذلك استطاعوا أن يقضوا على كلّ حركة إسلامية في أيّ مكان تظهر. ثمّ شرحت ثورة الجزائر ضدّ الفرنسيين، والاريتيريين ضدّ الاحباش، وعلماء إيران ضدّ الطاغوت العميل، وأسهبت في الشرح واستنهضت همم المسلمين لمساعدتهم.

وذكرت ثالثا ـ أنّنا اليوم بحاجة إلى إيمان كإيمان أبي ذرّ وعمّار وسميّة، وشرحت ما تحمّلوا من الاذى على أرض مكّة التي نحن عليها في سبيل الاسلام.

* * *

وفي المدينة المنوّرة بلغ عميد الجامعة الاسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز خبرلقاءاتي بالوفود الاسلامية وأنّ أحد علماء بغداد من وصفه كذا وكذا في المدينةالمنوّرة، فظنّني من أتباع مدرسة الخلفاء ورغب في أن أزور الجامعة الاسلامية بالمدينة، وكانت جديدة التأسيس، وأرسل إلينا من سيّارات الجامعة ماحملتنا إليها مع بعض علماء بغداد ومثقّفيها ووجهائها، وكان أساتذتها قد اجتمعوا في بهو كبير بانتظارنا واستقبلونا فيه واحتشد على نوافذ البهو فريق من الطلاّب لمشاهدتنا. ولمّا استقرّ بنا المقام، بدأت بعد حمد اللّه والثناء عليه بتقديم تحايا علماءالمسلمين في العراق لهم وتهانيهم بتأسيسهم الجامعة الاسلامية في المدينة المنوّرة ثمّ قلت:

إنّ رسول اللّه (ص) لمّا حلّ بهذا البلد بدأ بعقد التآخي بين المسلمين

المهاجرين والانصار، وبنى على ذلك التآخي مجتمعه الاسلامي المجيد. وأنتم بوجودطلبة من خمس وأربعين دولة عندكم تستطيعون أن تقتدوا به وتقدّموا هذهالخدمة الجليلة للاسلام والمسلمين. والمسلمون اليوم بأمسّ الحاجة إليها، فإنّهمفي شتّى أصقاع الارض ابتلوا بالاستعمار الغازي الكافر؛ منهم من يئنّ تحتوطأته مباشرة، ومنهم من يسيطر عملاؤه عليهم وبدأوا اليوم يجاهدون الاستعمار وعملاءه. فهذي الجزائر يجاهد مسلموها فرنسا ويجري عليهم ما يجري، وفي أريتيريا يجاهد ثوّارها هيلاسيلاسي إمبراطور الحبشة ويجري عليهم ما يجري، وعلماء المسلمين في إيران يجاهدون الطاغوت وسيّده المستعمر ويكافحون لطردأقسى استعمار كافر على وجه الارض لاعادة الاحكام الاسلامية إلى البلد الاسلامي وجرى عليهم كذا وكذا.

قلت هذا بعد أن أفضتُ في الحديث عن مآسي التفرقة بين المسلمين، وضربتالامثال لذلك وأتممت الحديث، وجاء دور مضيفي الشيخ بن باز للحديث ـوكان قد اُنبئ بأنّي من أتباع مدرسة أهل البيت، وكان ضريرا لا يبصرـ فإذابهيتنحنح ثمّ يقول بالحرف الواحد:

أنتم مشركون! أسلموا، ثمّ اطلبوا من المسلمين أن يتّحدوا معكم.

فثار الدم في عروقي واشتركت معه في نقاش طويل، وذكْره خارج عن الصدد(15).

* * *

استمعت في سفراتي إلى الحجّ إلى خطباء الجمعة والجماعة في مكّة والمدينة، واشتركت في النقاش أحيانا مع الخطباء بين صلاتي المغرب والعشاء بمسجد الخيف، وحضرت ندوات رابطة العالم الاسلامي بمكّة مستمعا، واجتمعت في أسفاري بعلماءمصر وخاصّة الازهر الشريف وسائر بلاد المسلمين في لبنان وبلاد الخليج والهند وباكستان وكشمير وغيرها وطارحتهم الحديث، وسمعت أحيانا ما لا يصلح نقله اليوم، وأدركت من خلال مطارحاتي مع مفكّري المسلمين وعلمائهم وقادتهم ـولا ينبّئك مثل خبيرـ أنّه لن يتحقّق أيّ تقارب أو تفاهم بين المسلمين دون تدارس مسائل الخلاف والبحث عن منشئها ثمّ المبادرة إلى علاجها، وإذا كان لابدّلنا من معرفة منشأ الخلاف في مسائل الخلاف من أجل علاجها، فسنذكر فيمايأتي أمثلة منها، ثمّ نختم البحوث بما ينبغي أن نعمله في سبيل علاج مسائلالخلاف بحوله تعالى.

ونبدأ بذكر مسائل الخلاف حول بعض صفات اللّه عزّ اسمه.

 


14 كان قد أعدّها ليلقيها في ندوات رابطة العالم الاسلامي التي دُعي للاشتراك في جلسات تأسيسها، ولمّا لم يسمح له بذلك ألقاها في ذلك المسجد.

15 إنّما أشرت إلى أحاديثي في هذه السفرة ليعلم مدى إخلاصي للشعار الذي كنت أرفعه والاُطروحة التي كنت أطرحها، وأحيانا كان الالم يعصر قلبي حين التحدّث والدمع ينحدر منعيني، وإذا بي اُجابه تلك المجابهة الفظّة من ذلك الشيخ.