عوامل التخريب الخارجي

من عوامل التخريب والتحريف في مصادر الدراسات الاسلامية (كتب الحديث والسيرة والتفسير) وغيرها، عوامل التخريب الخارجي وهي:

أوّلا ـ أخبار أهل الكتاب التي انتشرت في مصادر الدراسات الاسلامية منقبل أمثال: كعب الاحبار وتميم الداري.

ثانيا ـ روايات وأخبار وضعتها زنادقة أمثال: ابن أبي العوجاء وسيف ابنعمر، وانتشرت في تلك المصادر(10).

ثالثا ـ وأخيرا، عندما غزت قوى الكفر (المستعمرون) بلاد المسلمين، حاربت الاسلام بأفتك سلاح هدّام، حين وظّفت المبشّرين من علماء اليهود والنصارى والمعروفين باسم المستشرقين ليـُمعنوا في طلب مواطن الضعف بمصادرالدراسات الاسلامية، ويحاربوا الاسلام بها. فاجتهد هؤلاء في وضع فهارس للمصادر الاسلامية وتنظيمها وتنسيقها ونشرها بكلّ إتقان، وأشرفوا بواسطتها على كلّ ما فيها، والتقطوا من شتّى الكتب كلّ خبر موضوع ومدسوس يشوّه الاسلام، مثل اُسطورة الغرانيق، وغيرها، وألّفوا ممّا التقطوا منها باُسلوب عصريّ بديع، كتبا مثل: (دائرة المعارف الاسلامية) و(محمد النبيّ السياسي)(11).

وعمل الغزاة (المستعمرون) أخطر من ذلك في حربهم للاسلام، حين دفعواإلى الواجهة في بلاد المسلمين تلاميذ اُولئك وخرّيجي مدارسهم الفكرية ودعاة أفكارهم ومروّجي حضارتهم، وسلّطوا عليهم الاضواء وعرّفوهم باسم المصلحين للاسلام ومنوّري الفكر والتقدّميين، فاستورد هؤلاء نتيجة أفكار اُولئكإلى بلاد الاسلام، ونشروها بشتّى وسائل النشر وبأسماء مختلفة وعناوين مشوّقة للنفوس.

وكان من هؤلاء: السير سيّد أحمد مؤسس جامعة عليگره الاسلامية في الهند، وأحمد لطفي السيّد اُستاذ الجيل، وقاسم أمين نصير المرأة في مصر.

وكذلكفعلوا في العراق وإيران وغيرها من البلاد الاسلامية(12).

وكان من الطبيعي أن تقوم بين هؤلاء وبين حفظة الفكر الاسلامي

الاصيل حرب يعين فيها المستعمر وعملاؤه والمغرّر بهم تلاميذ المستشرقين.

وكان أفتك سلاح بأيدي هؤلاء ما تذرّعوا به في حرب الاسلام باسم

تعريفالاسلام وتأريخه وتعريف الشخصيات الاسلامية، مثل ما فعل السير سيّدأحمد حين كتب تفسير القرآن حسب زعمه، وجرجي زيدان في قصصه.

وجلّمحاولات هؤلاء وأساتذتهم المستشرقين ترمي إلى شيء واحد

وتستهدفه، وهو ما قاله أحدهم: (لا يُقتل الدين إلاّ بسيف الدين)!

وفي سبيل تحقيق هذه الخطة أخذوا يفسّرون القرآن ويشرحون الحديث النبويّ الشريف ويكتبون سيرة الرسول (ص) والائمة، يحاولون في كلّ ما يعملون أن يجرّدوا الجميع من الاتّصال بالغيب، وعرضها على أنّها من طبيعة البشر، ثمّيلوّحون من طرف خفيّ، وأحيانا يصرّحون جليا: أنّ كلّ فرد منهم وكلّ شيء من الاسلام كان متناسبا مع زمانه وكان تقدّميا في عصره ونافعا للبشر في حينه، أمّااليوم فنحن بحاجة إلى تطوير الاسلام وتجديده ليطابق مقتضيات العصر وحاجة أهله.

وهؤلاء مع سلاحهم هذا، الخفيّ أثره على الكثير، أضرّ على الاسلام والمسلمين من بعض السياسيين العملاء للغزاة الكفرة في بلادنا والذين نصّبوهم حكّاما لبلاد المسلمين، بما قاموا به في الحرب الفكرية من تحريف لحقائق الاسلام باسم تعريف الاسلام أحيانا، والاسلام المتطوّر الملبّي لحاجات العصر تارةً اُخرى.

من كلّ ما ذكرنا، يظهر جليّا أنّ المسلمين في هذا اليوم وبعد كلّ ما مرّ علىالاسلام من تيّارات فكريّة، بحاجة شديدة إلى دراسات مستفيضة لاقوال الفِرَق الاسلامية وتمحيص ما لديها، خلافا لما يراه بعض المسلمين الغيارى الذينيرون السكوت عن كلّ ذلك أولى، حفظا لوحدة المسلمين!

ولست أدري كيف يتمّ ذلك مع وجود الخوارج(13) الذين بنيت اُصول عقائدهم على تكفير عامة المسلمين وأنّهم هم وحدهم المسلمون وما عداهم مشركون؟ وعلى التبرّؤ من الخليفة عثمان والامام عليّ واُمّ المؤمنين عائشة وطلحةوالزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ومن كان معهم، ثمّ لعن اُولئك ولعن جميع المسلمين.

كيف يتمّ ذلك وفي المسلمين من تتوق نفسه إلى زيارة قبر الرسول

الاكرم(ص) وقبور أئمّة المسلمين والتبرّك بها والاستشفاع والتوسّل بهم إلى اللّه؟ وفيهم من يرى كلّ ذلك شركا للّه وخروجا على الاسلام وبدعة محرّمة، وبذلك يرون أنّ جميع المسلمين بعد القرن الثالث الهجري إلى اليوم مشركون، وقد هدّموا مساجد المسلمين التي بنيت في طريق غار حراء وأمثاله من الاماكن المتبرّكة إلىجانب تهديمهم قبور أئمة المسلمين واُمّهات المؤمنين وعمّ الرسول (ص) وابنالرسول (ص) وصحابته وشهداء اُحد!؟

ولا يفعل مثل ذلك من اليهود وتوراتهم وبيعهم والنصارى وكنائسهم، وفيهاما فيها من الصلبان وتماثيل عيسى ومريم 8 وهم يعلنون أنّ عيسى ربّهم وأنّ اللّه ثالث ثلاثة ـمعاذ اللّه ـ وإنّما يعاهدون ولا يقال لهم: أنتم مشركون!

ثمّ إنّ المسائل المذكورة ونظائرها ليست مسائل تخصّ الفرد المسلم

ـمثلإسبال اليدين في الصلاة، الذي تراه مدرسة أهل البيت والمالكية، خلافا للاحناف والحنابلة الذين يرون وجوب التكتّف، ومثل الاختلاف في غسل الرجلين أو مسحهما في الوضوء ممّا يتيسّر للفرد المسلم أن يعمل بموجب ما ثبت لديه حكمه اجتهادا أو تقليدا، ويستطيع الفرد الاخر المخالف له في الرأي أيضا أن يعمل بموجب ما ثبت لديه حكمه، ويمكن لهما مع ذلك أن يعيشا في وفاق في مجتمع إسلاميواحدـ وإنّما هي ممّا يبنى المجتمع الاسلامي عليها، فإمّا أن يبنى المجتمع علىهذه العقيدة وتزول تلك، وإمّا أن يبنى على تلك وتزول هذه.

وهي ليست بعد قضايا سياسية غير دينية يمكن التغاضي عنها حفظا

لوحدةالمسلمين، وإنّ نشر ملايين النسخ من أمثال كتاب (وجاء دور

المجوس) بأسماء مستعارة وغير مستعارة، وإنفاق بعض الحكومات على أمثالها، لتنسب إلىاُمّة كبيرة من المسلمين الخروج عن الاسلام، وإنفاقها ملايين الملايين فينشردعايتها في آلاف المعاهد والمساجد والمدارس بجميع أقطار الارض: أنّماعداهم من المسلمين مشركون، إضافة إلى إيفاد آلاف المبعوثين كذلك إلىجميع أقطار الارض لنشر دعايتها من جانب واحد، فإنّ كلّ ذلك لم يكن بدافعسياسيّ غير ديني.

كما انّها ليست من قضايا أوجدها الاستعمار لايجاد التفرقة بين المسلمين ليحسن السكوت عليها، بل هي قضايا كانت قائمة ومنتشرة في المجتمع الاسلامي منذ عصر إمام الحنابلة أحمد (ت: 240 هـ) وعصر الشيخ ابن تيمية (ت: 728 هـ) من أتباع مدرسته، بل قبلهما وبعدهما إلى اليوم. وإنّ قتل مئات الاُلوف من المسلمين وإحراق مكتباتهم في شتّى العصور ومختلف البلاد خير دليل على ما نقول. فهي إذن ممّا يستفاد منها سياسيا من قبل تلك الحكومة أو ذلك الاستعمار، متىماشاءت تلك أو شاء هذا، في ما إذا لم تعالج. ثمّ إنّها ـ كما ذكرنا ـ عقائد راسخة السكوت عنها على مضض لن يحقّق وحدة بين المسلمين ولا تقاربا ولا تفاهما، بليعمّق الجرح ويوسّع شقّة الخلاف ويطيل أمدها، ولمزيد التوضيح وإقامة الدليل على ما بيّنت، أذكر بعض مشاهداتي من آثار مسائل الخلاف بين أبناء الاُمّة الاسلامية في ما يأتي:

 


10- درسنا انتشار أخبار أهل الكتاب في مصادر الدراسات الاسلامية في الجزء السادس منسلسلة (قيام الائمة بإحياء السنّة)، وتخريب المستشرقين في الجزء الثالث والرابع منه، وتخريب الزنادقة في الجزء السادس منه، والبحوث التمهيدية من الجزء الاوّل من (خمسون ومائة صحابيّ مختلق). ودرسنا تحريف سيف منهم خاصّة فيه وكذلك فعلنا في كتاب عبد اللّه بن سبأ.

11- وشذّ من المستشرقين في كلّ عصرٍ آحاد خضعوا للحقّ.

12- هؤلاء وأمثالهم من دعاة الحضارة الغربية في البلاد الاسلامية ومهدّمي الاعراف الاسلامية ومخالفي أحكامها. وقد ناقشنا بعض ما نشره هؤلاء من الفكر الغربي المستورد، وأصدرنا الجزء الاوّل منه في العراق، وامتنعت دور النشر من نشره، كما منعت الحكومة المارونية اللبنانية يومذاك من دخول الكتاب إلى لبنان، فلم نتمكّن من إصدار بقية أجزائه، ووجدنا أفضل ما نشر في هذا الصدد كتاب (أجنحة المكر الثلاثة) تأليف عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، من سلسلة (أعداء الاسلام)، ولنا بعض المؤاخذات على الكتاب.

13- منتشرون في الجانب الشرقي من جزيرة العرب وشمال أفريقيا.