ـ 1 ـ

توطئة

 

شرع اللّه للانسان بمقتضى ربوبيّته، من الدين ما ينظّم حياته ويسعده ويوصله إلى درجة الكمال الانساني، وهداه بواسطة أنبيائه إليه وسمّـاه الاسلام(1). كما سنّ لجميع مخلوقاته أنظمة تتناسب وفطرتهم وتوصلهم إلى درجة الكمال فيوجودهم، وهداهم إلى السير بموجبها إلهاميا أو تسخيريا(2).

وكان النوع الانساني كلّما توفّي رسول من رسل اللّه في اُمّة منه، قام أصحابالطَّول والسلطان من تلك الاُمّة بتحريف ما يخالف هوى أنفسهم من شريعة نبيّهم أو كتمانه، ثمّ ينسبون ما لديهم من الشريعة المحرّفة إلى اللّه ورسوله(3).

ثمّ يجدّد اللّه دين الاسلام بإرسال نبيّ جديد ينسخ بعض الشعائر

والطقوسالتي لامسها التحريف. ولمّا أرسل اللّه خاتم أنبيائه محمّدا (ص) بالقرآن، أنزل فيه اُصول الاسلام من عقائد وأحكام في آيات محكمة وأوحى إليه تفصيل ما أنزل في القرآن ليبيّن للناس ما نزّل إليهم(4)، فعلّمهم الرسول شرائع الاسلام من كيفية ركعات الصلاة وتعدادها، وما يمسكون عنه في الصوم وشرائطه، والطواف وأشواطه وبدايته ونهايته، إلى غيرها من أحكام واجبة ومستحبّة ومحرّمة، فتكوّن منها لدى المسلمين الحديث النبويّ الشريف.

وكذلك جعل اللّه تجسيد الاسلام في سيرة رسول اللّه (ص) وأمر الناس باتّباعه في قوله تعالى:

(لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَة) الاحزاب / 21.

وسمّي مجموع السيرة والحديث النبويّ في الشرع الاسلامي بالسنّة،

وأمرنااللّه ورسوله باتّباع سنّة الرسول (ص)(5).

وهكذا أكمل اللّه تبليغ الاسلام إلينا في القرآن والسنّة النبوية، وتوفّي الرسول (ص) بعد أن أخبر اُمّته وحذّرها بأنّه يجري في هذه الاُمّة ما جرى في الاُمم السابقة حذو النعل بالنعل والقُذَّة بالقُذَّة، وأنّه لو دخل من الاُم م السابقة أحدهم في جحر ضبّ لدخل من هذه الاُمّة أحدكم كذلك في جحر ضبّ(6).

* * *

وكان من أمر التحريف في هذه الاُمّة أنّ اللّه سبحانه وتعالى حفظ القرآن منأن تناله يد التحريف وقال:

(إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) الحجر / 9.

وقال:

(لا يَأتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) فُصّلت / 42.

وأمّا السنّة التي رويت لنا سيرةً وحديثا في روايات كثيرة، فإنّ اللّه

لميحفظهامن التحريف، كما يتّضح ذلك جليا في اختلاف الروايات النبوية التيبأيدي جميع المسلمين اليوم، ولتعارض بعضها مع بعض. وأدّى الاختلاف فيالحديث الشريف إلى أن يهتمّ بعض العلماء بمعالجته، وألّفوا كتبا مثل:

تأويل مختلف الحديث(7)، وبيان مشكل الحديث(8)، وبيان مشكلات

الاثار(9).

ومن جرّاء اختلاف الاحاديث، اختلف المسلمون في فهم القرآن

وتشتّتتكلمتهم أبد الدهر . أضف إليه وجودهم في بيئات مختلفة، ومعاشرتهم أهلالاراء والملل والنحل الاُخرى. كلّ ذلك أدّى إلى اختلاف رؤيتهم للاسلام، وبادر بعضهم إلى تأويل الايات الكريمة والصحيح ممّا بأيديهم من الحديث الشريف، وفقا لرأيهم ورؤيتهم للاسلام. وأدّى بهم ذلك إلى القطيعة في ما بينهم وعدم استماع بعضهم إلى آراء الاخرين، وإلى تكفير بعضهم بعضا.

كان ذلكم عوامل التشويش الداخلي، كما كان ثمة عوامل خارجية عملت فيالداخل بواسطة عملائها كالاتي ذكره:

 


1 قال اللّه سبحانه وتعالى: (إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الاسْلامُ) آل عمران / 19. وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلامِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) آل عمران / 85.

2 قال اللّه سبحانه وتعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاعْلى * الذي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالذي قَدَّرَ فَهَدى * وَالذي أخْرَجَ المَرْعى * فَجَعَلَهُ غُثأً أحْوى) الاعلى / 1 ـ 5.

وقال: (رَبّنا الذي أعْطى كُلَّ شَيٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) طه / 50.

وقال سبحانه: (وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أن اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتا...) النحل / 68.

وقال سبحانه: (وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ) الاعراف / 54.

3 قال اللّه سبحانه: (وَإنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) آل عمران / 78.

وقال: (أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) البقرة / 75.

وراجع الايات: البقرة / 42، 146، 159 و174، وآل عمران / 187، والنساء / 46، والمائدة / 13 ـ 15، 41 و59 ـ 61.

4 قال سبحانه: (وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلْنَّاسِ ما نُزَّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل / 44.

5 أمر اللّه في آية: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) بالاقتداء بسيرة الرسول(ص)، وفي آية: (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الحشر/7، أمر بالعمل بحديث الرسول (ص) والسنّة عبارة عنها.

6 تجد تفصيل الاحاديث الواردة في هذا الشأن في البحث الخامس من البحوث التمهيدية بالجزء الثاني من ((خمسون ومائة صحابيّ مختلق)). وراجع ـأيضاـ نصوص الاحاديث في المصادر

التالية:

أ ـ إكمال الدين للصدوق / ص 576، وروى المجلسي عنه في البحار 8 / 3، وفي تفسير الاية:

(لَتَرْكَبُنَّ طَبَقا عَنْ طَبَقٍ) في كلّ من مجمع البيان للطبرسي وجلاء الاذهان لكازر.

ب ـ صحيح البخاري، كتاب الانبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل 2 / 171، ح 3، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب قول النبي (ص): ((لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم ـ الحديث)) 4 / 176، ح

1 و2. وفتح الباري بشرح البخاري 17 / 63 و64.

ج ـ صحيح مسلم بشرح النووي 16 / 219، كتاب العلم.

د ـ صحيح الترمذي 9 / 27 و28 و10 / 109.

هـ ـ سنن ابن ماجة، ح 3994.

و ـ مسند الطيالسي، ح 1346 و2178.

ز ـ مسند أحمد 2 / 327، 367، 450، 511 و527، و3 / 84 و94، و4 / 125، و5 / 218 و340.

ح ـ مجمع الزوائد 7 / 261 عن الطبراني.

ط ـ كنز العمّال 11 / 123 عن الطبراني في الاوسط والحاكم في المستدرك.

ي ـ في تفسير الاية: (وَلا تَكُونُوا كَالذِينَ تَفَرَّقُوا) من سورة آل عمران في الدرّالمنثور للسيوطي عن المستدرك للحاكم.

7 تأليف ابن قتيبة عبد اللّه بن مسلم (ت: 280 هـ أو 276 هـ).

8 تأليف ابن فورك محمد بن الحسن (ت: 406 هـ).

9 تأليف أبي جعفر أحمد بن محمد الازدي المعروف بالطحاوي (ت: 331 أو 332 هـ).