الفصل  الثاني

عدالة  الصحابة  لدى  المدرستين

*  رأي  مدرسة  الخلفاء  في  عدالة  الصحابة

*  رأي مدرسة أهل البيت (ع) في عدالة الصحابة

*  ضابطة لمعرفة المؤمن والمنافق

  رأي  مدرسة  الخلفاء  في  عدالة  الصحابة :

ترى مدرسة الخلفاء أنّ الصحابة كلّهم عدول، وترجع إلى جميعهم في أخذ معالم دينها.

قال إمام أهل الجرح والتعديل الحافظ أبو حاتم الرازي(25) في تقدمة كتابه :

(فأمّا أصحاب رسول اللّه (ص) فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم اللّه عزّ وجلّ لصحبة نبيّه (ص) ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقّه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاما وقدوة، فحفظوا عنه (ص) ما بلّغهم عن اللّه عزّ وجلّ، وما سنّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدّب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر اللّه ونهيه ومراده، بمعاينة رسول اللّه (ص) ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقّفهم منه واستنباطهم عنه؛ فشرّفهم اللّه عزّ وجلّ بما منّ

عليهم وأكرمهم به من وضعه إيّاهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشكّ والكذب والغلط والريبة والفخر واللمز، وسمّـاهم عدول الاُمّة، فقال عزّ ذكره في محكم كتابه : ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ اُمَّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النَّاسِ ) البقرة / 143. ففسّر النبيّ (ص) عن اللّه عزّ ذكره قوله : ( وَسَطا ) قال : عدلاً فكانوا عدول الاُمّة، وأئمة الهدى، وحجج الدين، ونقلة الكتاب والسنّة.

وندب اللّه عزّ وجلّ إلى التمسّك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم، فقال : ( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ... وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى... )(26)  النساء / 115.

ووجدنا النبيّ (ص) قد حضّ على التبليغ عنه في أخبار كثيرة ووجدناه يخاطب أصحابه فيها، منها أن دعا لهم فقال : ((نضّر اللّه امرأً سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتّى يبلغها غيره)). وقال (ص) في خطبته : ((فليبلّغ الشاهد منكم الغائب))، وقال : ((بلّغوا عنّي ولو آية، وحدّثوا عنّي ولا حرج)).

ثمّ تفرّقت الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ في النواحي والامصار والثغور، وفي فتوح البلدان والمغازي والامارة والقضاء والاحكام، فبثّ كلّ واحد  منهم في ناحيته والبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول اللّه (ص)(27)، وأفتوا في ما سئلوا عنه ممّا حضرهم من جواب رسول اللّه (ص) عن نظائرها من المسائل، وجرّدوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى اللّه تقدّس اسمه لتعليم الناس الفرائض والاحكام والسنن والحلال والحرام، حتّى قبضهم اللّه عزّ وجلّ. رضوان اللّه ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين.

وقال ابن عبد البرّ في مقدمة كتابه ـ الاستيعاب(28) ـ :

(ثبتت عدالة جميعهم). ثمّ أخذ بإيراد آيات وأحاديث وردت في حقّ

المؤمنين منهم نظير ما أوردناه من الرازي.

وقال ابن الاثير في مقدمته لكتاب اُسد الغابة(29) :

(... إنّ السنن التي عليها مدار تفصيل الاحكام ومعرفة الحلال والحرام إلى غير ذلك من اُمور الدين، إنّما ثبتت بعد معرفة رجال أسانيدها ورواتها، وأوّلهم والمقدّم عليهم أصحاب رسول اللّه (ص)، فإذا جهلهم الانسان كان بغيرهم أشدّ جهلا وأعظم إنكارا، فينبغي أن يعرفوا بأنسابهم وأحوالهم...

والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل، فإنّهم كلّهم عدول لا يتطرّق إليهم الجرح...).

وقال الحافظ ابن حجر في الفصل الثالث، في بيان حال الصحابة من العدالة، من مقدمة الاصابة(30):

(اتّفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة...).

وروى عن أبي زرعة أنّه قال :

(إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول اللّه (ص) فاعلم أنّه زنديق، وذلك أنّ الرسول حقّ، والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى ذلك إلينا كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة)(31).

كان هذا رأي مدرسة الخلفاء في عدالة الصحابة، وفي ما يلي رأي

مدرسة أهل البيت (ع) في ذلك:

 رأي  مدرسة  أهل  البيت  (ع)  في  عدالة  الصحابة :

ترى مدرسة أهل البيت تبعا للقرآن الكريم : أنّ في الصحابة مؤمنين أثنى عليهم اللّه في القرآن الكريم وقـال في بيعة الشجرة مثلا : ( لَـقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأثابَهُمْ فَتْحا قَرِيبا ) الفتح / 18. فقد خصّ اللّه الثناء بالمؤمنين ممّن حضروا بيعة الشجرة ولم يشمل المنافقين الذين حضروها مثل عبد اللّه بن اُبيّ وأوس بن قيظى(32).

وكذلك تبعا للقرآن ترى فيهم منافقين ذمّهم اللّه في آيات كثيرة مثل قوله تعالى :

( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الاعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا  تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ) التوبة/101.

وفيهم من أخبر اللّه عنهم بالافك، أي من رَموا فراش رسول اللّه (ص) بالافك(33) ـ نعوذ باللّه من هذا القول ـ، وفيهم من أخبر اللّه عنهم بقوله : ( وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضُّوا إلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِما) الجمعة / 11. وكان ذلك عندما كان رسول اللّه قائما في مسجده يخطب خطبة الجمعة.

وفيهم من قصد اغتيال رسول اللّه بمروره على عقبة عند رجوعه من غزوة تبوك(34)، أو من حجة الوداع(35).

وإنّ التشرّف بصحبة النبيّ (ص) ليس أكثر امتيازا من التشرّف بالزواج بالنبيّ (ص)، فإنّ مصاحبتهنّ له كانت من أعلى درجات الصحبة، وقد قال اللّه تعالى في شأنهنّ :

( يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسِيرا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأعْتَدْنا لَها رِزْقا  كَرِيما * يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّسأِ... ) الاحزاب / 30 ـ 32.

وقال في اثنتين منهنّ :

( إنْ تَتُوبا إلى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِير ) ـ إلى قوله تعالى ـ‍

( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوحٍ وَامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِن اللّهِ شَيْئا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عَنْدَكَ بَيْتا في الجَنَّةِ... وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ... ) التحريم من أوّل السورة إلى آخرها.

ومنهم من أخبر عنهم الرسول (ص) في قوله عن يوم القيامة :

((وإنّه يُجاء برجالٍ من اُمّتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول : يا ربّ اُصيحابي. فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح :

( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) المائدة / 117. فيقال : إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم))(36).

وفي رواية :

((ليردَنَّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتّى عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول : أصحابي، فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك))(37).

وفي صحيح مسلم :

((ليردنّ عليّ الحوض رجال ممّن صاحبني حتّى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ اختلجوا دوني، فلاقولنّ : أي ربّ اُصيحابي. فلَيُقالَنَّ لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك))(38).

 


25  هو أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفّى سنة 327 ه‍‍ ، وكتابه هذا (تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل) ط. حيدر آباد سنة 1371 ه‍‍ ، نقلنا ما أوردناه من ص 7 ـ 9 منه.

2 ترى مدرسة أهل البيت أنّ المقصود من كلّ ذلك : المؤمنون منهم، كما نصّت الاية عليه، وسيأتي مزيد بيانه إن شاء اللّه تعالى.

27  سترى في ما يأتي إن شاء اللّه أنّ مدرسة الخلافة منعت نشر حديث الرسول وخاصة كتابته إلى رأس المائة من الهجرة !

28  الاستيعاب في أسماء الاصحاب للحافظ المحدّث أبي عمر يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البرّ النمري القرطبي المالكي (368 ـ 463 ه‍‍).

29  اُسد الغابة في معرفة الصحابة لابي الحسن عزّ الدين علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الاثير (ت : 630 ه‍‍)، 1 / 3.

30  الاصابة في تمييز الصحابة للحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي المعروف بابن حجر (773 ـ 852 ه‍‍) وقد رجعنا إلى ط. المكتبة التجارية سنة 1358 ه‍‍ بمصر 1 / 17 ـ 22.

31  الاصابة 1 / 18. وأبو زرعة : هو عبيد اللّه بن عبد الكريم بن يزيد. قال ابن حجر في تقريب التهذيب 2 / 536، الترجمة 1479 : إمام حافظ ثقة مشهور من الطبقة الحادية عشرة من الرواة. مات سنة أربع وستين ومائتين، وروى عنه من أصحاب الصحاح مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.

أقول : لست أدري ماذا يقول الامام أبو زرعة في حقّ المنافقين من أصحاب رسول اللّه (ص).

32  راجع خبر بيعة الشجرة = بيعة الرضوان في مغازي الواقدي ص 588. وإمتاع الاسماع للمقريزي ص 284.

وأخطأ شارح الامتاع وذكر (ابن خولى) والصواب ما أثبتناه.

33  إشارة إلى قصة الافك التي نزلت في شأنها الايات 11 ـ 17 من سورة النور في براءة اُمّ المؤمنين عائشة عمّا رُميت به كما روتها هي، أو في براءة مارية عمّا رُميت به على قول غيرها، كما في الجزء الثاني من أحاديث اُمّ المؤمنين عائشة.

34  مسند أحمد 5 / 390 و 453. وراجع صحيح مسلم 8 / 122 ـ 123، باب صفات المنافقين.

ومجمع الزوائد 1 / 110 و 6 / 195. ومغازي الواقدي 3 / 1042. وإمتاع الاسماع للمقريزي ص 477.

وفي تفسير ( وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ) الاية 74 من سورة التوبة بتفسير الدرّ المنثور للسيوطي 3 / 258 ـ‍ 259.

35  جاء في أحاديث الشيعة أنّ ذلك كان عند مرجعه من حجة الوداع وبمناسبة واقعة غدير خم بأرض الجحفة. وراجع الملحق بآخر الكتاب. البحار، ط. المكتبة الاسلامية بطهران سنة 1392

ه‍‍ ، 28 / 106.

36  صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة المائدة، باب وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني، وكتاب الانبياء، باب واتّخذ اللّه إبراهيم خليلا. والترمذي، أبواب صفة القيامة، باب ما

جاء في شأن الحشر، وتفسير سورة طه.

37  البخاري، كتاب الرقاق، باب في الحوض 4 / 95، وراجع كتاب الفتن، باب ما جاء في قوله تعالى : ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ... ) الانفال / 25، منه. وابن ماجة، كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر، ح 5830. وراجع مسند أحمد 1 / 453 و 3 / 28 و 5 / 48.

38  صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبيّنا 4 / 1800، ح 40.