ثالثا  ـ  الاستدلال  بمشاورة  الرسول  (ص)  أصحابه :

إنّ مشاورة الرسول (ص) أصحابه كانت في الغزوات فقط، كما صرّح بذلك الصحابي أبو هريرة، وقال :

فلم أرَ أحدا كان أكثر مشاورة لاصحابه من رسول اللّه ((، وكانت مشاورته أصحابه في الحرب فقط(241). وأشهرها مشاورته معهم في غزوة بدر، وقصتها كما يأتي :

 أ  ـ  غزوة  بدر :

ندب رسول اللّه (ص) أصحابه للتعرّض لقافلة قريش التجارية الراجعة من الشام بقيادة أبي سفيان وخرج معه 313 شخصا ممّن استعدّ للاستيلاء على القافلة التجارية وليس للقتال، وبلغ الخبر أبا سفيان فانحرف في سيره عن الطريق، واستصرخ قريشا بمكّة فخرجت مستعدّة للقتال في جيش يقارب الالف محارب، وأفلت أبو سفيان والقافلة، فكان الرسول (ص) أمام خيارين :

التراجع إلى المدينة بسلام، أو مقاتلة جيش قريش المتأهّب للقتال بجيشه غير المتكافئ عددا وعدّة.

 تفصيل  الخبر :

روى ابن هشام في سيرته وقال :

وأتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثمّ قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثمّ قام المقداد(242).

ثمّ ذكر ما قاله المقداد وما قالته الانصار، بينا لم يذكر ما قاله أبو بكر ثمّ عمر !

وفي صحيح مسلم :

فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه، ثمّ تكلّم عمر فأعرض عنه، فقام

المقداد...(243).

إنّ مسلما هكذا ذكر أيضا، ولم يذكر ما تكلّم به أبو بكر، وكلاهما لم يتّما ذكر الخبر، ونحن ننقل تمام الخبر من مغازي الواقدي وإمتاع الاسماع للمقريزي واللفظ للاوّل قال : قال عمر :

يا رسول اللّه، إنّها واللّه قريش وعزّها، واللّه ما ذلّت منذ عزّت، واللّه ما آمنت منذ كفرت، واللّه لا تسلم عزّها أبدا، ولتقاتلنّك، فاتّهب لذلك اُهبَته وأعدّ لذلك عُدّته. ثمّ قام المقداد بن عمرو فقال :

يا رسول اللّه، إمضِ لامر اللّه فنحن معك؛ واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيّها : ( فَاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هاهَنا قاعِدُونَ ) المائدة / 24،

ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون؛ والذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى بِرك الغِماد لسرنا معك ـ وبِرْك الغماد من وراء مكّة بخمس ليال من وراء الساحل ممّا يلي البحر، وهو على ثماني ليالٍ من مكّة إلى اليمن ـ فقال له رسول اللّه (ص) خيرا، ودعا له بخير.

ثمّ قال رسول اللّه (ص) : ((أشيروا عليّ أيّها الناس !)) وإنّما يريد رسول اللّه (ص) الانصار، وكان يظنّ أنّ الانصار لا تنصره إلاّ في الدار، وذلك أنّهم شرطوا له أن يمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسهم وأولادهم. فقال رسول اللّه (ص) :

((أشيروا عليّ !)) فقام سعد بن معاذ فقال :

أنا اُجيب عن الانصار؛ كأنّك يا رسول اللّه تريدنا ! فقال : ((أجل)). قال :

إنّك عسى أن تكون خرجت عن أمر قد اُوحي إليك في غيره، وإنّا قد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ كلّ ما جئت به حقّ، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة؛ فامضِ يا نبيّ اللّه؛ فوَالذي بعثك بالحقّ لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منّا رجل؛ وصِل من شئت، واقطع من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحبّ إلينا ممّا تركت.

والذي نفسي بيده، ما سلكت هذا الطريق قطّ، وما لي بها من علم، وما نكره أن يلقانا عدوّنا غدا؛ إنّا لصُبُرٌ عند الحرب. صُدُقٌ عند اللقاء، لعلّ اللّه يُريك منّا ما تَقَرّ به عينك.

حدّثنا محمد قال : حدّثنا الواقدي قال : فحدّثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال : قال سعد :

يا رسول اللّه، إنّا قد خلّفنا من قومنا قوما ما نحن بأشدّ حبا لك منهم، ولا أطوع لك منهم، لهم رغبة في الجهاد ونيّة؛ ولو ظنّوا يا رسول اللّه أنّك ملاقٍ عدوّا ما تخلّفوا، ولكن إنّما ظنّوا أنّها العير. نبني لك عريشا فتكون فيه ونعدّ لك رواحلك، ثمّ نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا اللّه وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا، وإن تكن الاُخرى جلست على رواحلك فلحقت مَن وراءنا.

فقال له النبي (ص) خيرا، وقال : ((أو يقضي اللّه خيرا من ذلك يا سعد !)).

قالوا : فلمّا فرغ سعد من المشورة، قال رسول اللّه (ص) :

((سيروا على بركة اللّه. فإنّ اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين. واللّه، لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم)). قال : وأرانا رسول اللّه (ص) مصارعهم يومئذ؛ هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فما عدا كلّ رجل مصرعه. قال : فعلم القوم أنّهم يُلاقون القتال، وأنّ العِير تُفلت، ورجَوا النصر لقول النبي (ص)(244).

كانت استشارة رسول اللّه (ص) في هذا المقام : أنّه استشار أصحابه في ماذا يفعلون، بعد أن أخبره اللّه سبحانه وتعالى بأنّهم سيقاتلون وينتصرون، وأخبره بمصارع القوم والرسول (ص) أيضا أخبر أصحابه بمصارع القوم بعد أن وافقوه على القتال، فهو إذ يستشيرهم لا يريد الاستفادة من رأيهم، وإنّما هو نوع من الملاينة وإخبار بإفلات عير قريش وتغيير الامر من الاستيلاء على مال

التجارة إلى القتال ليستعدّوا للقتال.

 


241  كتاب المغازي للواقدي 2 / 580، تحقيق الدكتور مارسدن جونس.

242  سيرة ابن هشام 2 / 253.

243  صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر 3 / 1403.

244  مغازي الواقدي، ط. اكسفورد 1 / 48 ـ 49. وعيون الاثر لابن سيّد الناس 1 / 247. ودلائل النبوّة للبيهقي 2 / 377. وإمتاع الاسماع للمقريزي ص 74 ـ 75. والدر المنثور 3 / 166.