أوصياء النبيّ الاثنا عشر من بعده:

الاول: عليّ بن أبي طالب، أمير المؤمنين، الوصيّ.

الثاني: الحسن بن عليّ، السبط الاكبر.

الثالث: الحسين بن عليّ، السبط الاصغر، الشهيد.

الرابع: عليّ بن الحسين، السجاد.

الخامس: محمد بن عليّ، الباقر.

السادس: جعفر بن محمد، الصادق.

السابع: موسى بن جعفر، الكاظم.

الثامن: عليّ بن موسى، الرضا.

التاسع: محمد بن عليّ، الجواد.

العاشر: عليّ بن محمد، الهادي.

الحادي عشر: الحسن بن عليّ، العسكري.

الثاني عشر: محمد بن الحسن، المهدىٍّّ، الحجّة، المنتظر.

وهكذا تسلسل تعيين الوصيّ من لدن آدم إلى النبيّ صلوات اللّه عليهم أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

ثانياً: وجدنا في حجج اللّه على خلقه أن انوش غرس النخل وزرع الحبّ وعمّر الارض، وامر ابنه قينان باقامة الصلاة وايتاء الزكاة والحج وجهاد ولد قابيل ففعل، وان يرد استخرج المعادن وبنى المدن وامر ببناء المساجد وقتل السباع الضارية وذبح البقر والغنم.

وان إدريس كان أول من خاط بالابرة وأول من سبى بني قابيل واسترقّ منهم، ونظر في علم النجوم ووضع اسماء البروج والكواكب السيّارة.

وان متوشلح عمّر البلاد وكان أول من ركب الجمل، ومن ذلك علمنا ان المبلغين عن اللّه هم ـ أيضا ـ روّاد الحضارة البشرية، ولم تقتصر هدايتهم للناس في تعليمهم العبادات كما يرى ذلك من عقائد النصارى اليوم.

ثالثا: وجدنا في عصر الفترة من الرسل أن آباء النبي (ص) هم استجابة لدعاء ابراهيم واسماعيل عليهما السّلام عندما دعوا ربهما وقالا: (ربّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريّتنا امة مسلمة لك)(البقرة: 128) فقد كان منهم خزيمة بن مدركة الذي كان يقول:

قد آن خروج نبي من مكة يدعى أحمد يدعو الى اللّه.. فاتبعوه ولا تكذبوا ما جاء به فهو الحقّ.

وكان كعب بن لؤي يقول:

لم يخلق السماء والارض عبثا والدار أمامكم ـ يعني دار الاخرة ـ، ويوصي بمكارم الاخلاق ويقول:

ويبعث من الحرم خاتم الانبياء بذلك جاء موسى وعيسى.

وينشد (على غفلة يأتي النبي محمد...) ثم يقول: يا ليتني شاهد نجوى دعوته.

وانّه لمّا جاء عمرو بن لحيّ بصنم هبل الى مكة وانتشرت عبادة الاصنام فيها، كان قصيّ ينهى عن عبادة غير اللّه من الاصنام، ويقيم شعائر الحج وهي عماد حنيفية ابراهيم، ويقوم باطعام الحجيج واروائهم مستعينا بأهل مكة في ذلك.

وقام بذلك بعده ابنه عبدمناف واوصى قريشا بتقوى اللّه وصلة الرحم.

وقام ابنه هاشم كذلك باطعام الحجيج واروائهم، وكان يقول لمن يعينه من أهل مكة: اسألكم بحرمة هذا البيت ان لا يخرج رجل منكم من ماله الاّ طيّبا لم يؤخذ ظلما ولم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ غصبا، وسن لقريش رحلة الشتاء والصيف للتجارة الى الشام وايران واليمن والحبشة، وبزّ ابنه عبد المطلب آباءه في صفاته وقالوا عنه: انّه كان مقرّا بالتوحيد مثبتا الوعيد ـ ليوم القيامة ـ واجرى اللّه على يده حفر بئر زمزم، واقتدى بجده ابراهيم واراد ان يضحي بابنه عبداللّه، والد النبي للّه، وانشد قائلاً:

     عاهدت ربي وانا موف عهده

                              اخاف ربي ان تركت وعده

ومنعه قومه من ذلك واقترحوا عليه ان يفديه بالابل، فاقترع على مائة من الابل وعلى عبداللّه فخرجت على الابل فنحرها، ولمّا تقدّم ابرهة بجيشه الى مكة ليهدم الكعبة المكرمة قال له عبدالمطلب: لهذا البيت ربّ يمنعك، وناجى اللّه وقال:

يا ربّ ان المءر يمنع رحله فامنع رحالك، وفرّت قريش هاربة من مكة وبقي عبدالمطلب واهله فيها، ولمّا اهلك اللّه جيش ابرهة انشد يقول:

      طارت قريش اذ رأت خميسا

                              فظلتُ فردا لا ارى انيسا

وقال:

    نحن آل اللّه في ما قد مضى

                          لم يزل ذاك على عهد ابرهم

   نحن دمّرنا ثمودا عنوة

                              ثم عادا قبلها ذات الارم

   نعبد اللّه وفينا سنّة

                           صلة القربى وايفاء الذمم

  لم تزل للّه فينا حُجَّة

                           يدفع اللّه بها عنّا النقم

يقول شيبة الحمد في ابياته هذه:

فرّت قريش كالطير عندما رأت الجيش، وبقيت وحدي في الحرم لا ارى انيسا، وهذا يدلّ على ايمانه وثقته باللّه انّه لن يدع ابرهة يدخل الحرم ويهدم بيته.

وانّهم منذ جده ابراهيم هم آل اللّه، ولا يصدق هذا القول على غير حجج اللّه على خلقه، وان حجج اللّه هم الّذين دمروا قبيلة ثمود ثم عادا ذات الارم، ولمّا لم يكن كل من هود وصالح من سلسلة اجداد عبدالمطلب ولم يكن قومهما من قريش عرفنا ان عبدالمطلب قصد بقوله: (نحن دمرّنا ثمودا ثم عادا) ان حجج اللّه الذين كان عبدالمطلب احدهم دمروا ثمود وعادا ودمّر هو إبرهة بدعائه ربّه يؤكّد ذلك بقوله: لم يزل للّه فينا حجة يدفع اللّه به عنا النقم، وانّه هو حجّة اللّه في عصره كما كان ابراهيم وهود وصالح حجج اللّه في عصورهم.

ولما ولد الرسول (ص) قال عبدالمطلب في شعره انّ حفيده سمّي في الكتب باحمد، كما أخبر اللّه عن عيسى بن مريم (ع) انه قال: (ومبشّرا بنبي يأتي من بعدي اسمه أحمد).

وعندما اخبرته مرضعة النبي حليمة السعدية انها فقدته في جبال مكة خاطب ربّه وقال: اللهم ردّ اليّ محمدا وانت سمّيته محمّدا.

كل ذلك يدل على ان عبدالمطلب ممن عنده علم بالكتب السماوية قبله، ولا يكون ذلك في بلد جاهلي مثل مكة ومن قوم جاهلين مثل قريش الا ان تكون لديه تلك الكتب، وان يكون من سلسلة اوصياء أبويه، اسماعيل، وابراهيم عليهما السّلام.

وكان عبد المطلب يأمر بصلة الارحام واطعام الطعام، وترك الظلم والبغي ويقول: انّه لن يخرج من هذه الدنيا ظلوم حتى يُنتقم منه ويقول: واللّه انّ وراء هذه الدار دار جزاء الاعمال.

وسنّ عبد المطلب الوفاء بالنذر، وقطع يد السارق، ومنع من نكاح المحارم، ونهى عن قتل المؤودة، وحرّم الخمر والزنى والاّ يطوف بالبيت عريان(26). وجاء كل ذلك في شريعة خاتم الانبياء، واستجاب اللّه دعاءه في طلب المطر لاهل مكة، وكان يتعبّد بغار حراء في شهر رمضان، واوصى قريشا عامّة برسول اللّه واوصى به (أبا طالب) خاصَّة.

 العبرة في تفسير الايات:

فضّل اللّه بني إسرائيل على العالمين في عصرهم، فضّلهم على العالمين حين أنجاهم من فرعون وقومه الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب، يذبّحون أبناءهم ويستحيون بناتهم، وفرق لهم البحر وضرب لهم فيه طريقا يبسا، وجاوزهم البحر وتبعهم فرعون وجنوده وساروا في نفس الطريق اليبس الذي سار فيه بنو إسرائيل، فتلاقت مياه البحر عليهم وأغرق اللّه فرعون وجنوده بمرأى من بني إسرائيل، وطفا جسد فرعون على الماء وبقي سالما حتى اليوم في متاحف مصر ليكون آية للعالمين.

سار بعد ذلك بنو إسرائيل حتى أتوا على قوم يعبدون الاصنام، فقالوا لموسى: إجعل لنا إلها كما لهم آلهة فقال لهم موسى(ع) متبّر وباطل ما فيه هؤلاء، أوَغير اللّه جلّ اسمه أبغي لكم إلها وهو فضّلكم على العالمين؟

ثمّ قال عزّ اسمه لبني إسرائيل: اسكنوا الارض ـ تملّكوها ـ بعد أن كانوا مستعبدين لفرعون لا يملكون أنفسهم فضلاً عن أن يملكوا الارض وما عليها، وظلّل اللّه عليهم الغَمام وأطعمهم السلوى ـ السماني ـ من أفضل أنواع اللحوم، والمنّ ـ السكّر الطبيعي ـ، في مثل هذه الحالة قالوا لموسى (ع): يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربّك يخرج لنا من الارض مما تنبت من بقلها وفومها وعدسها و... فقال لهم موسى (ع): اهبطوا بلدا من البلاد فإنّ لكم ما سألتم؛ وـ أيضا ـ فضّلهم اللّه على العالمين حين قسّمهم موسى (ع) اثنتي عشرة قبيلة، وضرب بعصاه الحجر بأمر من اللّه جلّ جلاله فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل قبيلة عين يرتوون منها.

وواعد اللّه جلّ اسمه موسى (ع) ثلاثين ليلة ليذهب إلى طور سيناء ويؤتيه اللّه التوراة شريعة لبني إسرائيل فأتمّ اللّه ميعاده وجعله أربعين ليلة، فأضلّ السامري(27) بني إسرائيل بعد ذهاب موسى للمناجاة إلى طور سيناء، وصنع لهم عجلاً ممّا كان معهم من حليّ الذهب ورمى في فمه ممّا كان معه من تراب الارض التي رأى عليها جبرائيل (ع) فأصبح له خوار على أثر دخول الرياح في فمه. فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى (ع) فقال لهم هارون (ع): انّما فتنتم به وإنّ ربكم الرحمن، قالوا: لن نترك عبادته حتى يرجع إلينا موسى (ع)، فاخبر اللّه عزّ  اسمه موسى (ع) بفعلهم، فرجع إليهم غضبان أسفا وعاتب أخاه هارون (ع) على ذلك فقال: يابن أُمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، وبعد أن أدرك بنو إسرائيل خطأهم جعل اللّه توبتهم أن يستسلم مَنْ عَبَدَ العجل منهم لمن لم يعبده ليقتلوهم، فلمّا باشروا ذلك تاب اللّه عليهم، ولكنهم بعد ذلك طلبوا من موسى (ع) أن يأخذهم إلى ميقات ربّه ليشاهدوا مناجاته مع اللّه فاختار موسى منهم سبعين رجلاً، فلمّا حضروا الميقات قالوا: أرنا اللّه جهارا فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، وأعادهم إلى الحياة ثانية بطلب موسى (ع)، وهكذا آمنوا بالتوراة التي جعلها اللّه ـ جلّ اسمه ـ هدىً لهم، وليحكم بها النبيون منهم، وقال لهم موسى (ع) بعد أن ذكّرهم بما أنعم اللّه جل ذكره عليهم وفضلهم بها على غيرهم من العالمين: يا قوم ادخلوا الارض المقدسة ـ‍ بلاد الشام ـ الّتي كتب اللّه لكم، قالوا: يا موسى ان فيها قوما جبّارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فَسوفَ ندخلها، وقال رجلان من أحبارهم: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فانكم الغالبون وعلى اللّه توكلوا إن كنتم مؤمنين ! قالوا يا موسى لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، فقال اللّه جلّ اسمه: إنّها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض ـ صحاري سيناء ـ فلا تأس على القوم الظالمين.

كان ذلكم بعض ما جرى من بني إسرائيل على عهد موسى (ع)، ومما جرى لبني إسرائيل بعد موسى (ع) أنّ بعضهم كانوا ساكنين ساحل البحر وكانت تأتيهم حيتان البحر يوم السبت شرّعا، وقد نهاهم اللّه عن الصيد يوم السبت ترويضا لنفوسهم الطاغية، فخالفوا ما نُهُوا عنه وصادوا السمك يوم السبت فمسخهم اللّه قردة وأهلكهم.

وجعل في أوصياء موسى داود عليهما السّلام وآتاه الزبور، وكان إذا رفع صوته بقراءة وتسبيح اللّه تُردِّد الجبال صوته وتُسبِّح الطير معه، وألان الحديد بيده يصنع منه الدروع، وجعل من بعده ابنه سليمان(ع) الذي سخَّر له الريح تجري بأمره حيثُ يشاء، والجنّ تغوصُ في البحار وتستخرج لهُ اللؤلؤ وتعمل له تماثيل ومحاريب وجفانٍ كالجواب وقدورٍ راسيات كبيرة، وعلمهُ منطق الحشرات والحيوانات فعلم كلام النمل، وأخبرهُ الهدهد بملك بلقيس، وأحضر عرشها من اليمن الى الشام بطرفة عينٍ من عندهُ علمٌ من الكتاب، وكانت الملائكة تُعذب من خالف امره من الجن بسوطٍ من عذاب، وبقيت الجن بعد موته تعمل له حتى اكلت الارضةُ عصاهُ وسقط على الارض.

كلّ تلكم حالاتٌ استثنائيةٌ في بني اسرائيل وانبيائهم. ومن حالاتهم الاستثنائية على عهد موسى(ع) انهم اختلفوا في من قتل قتيلاً، فأمرهم اللّه ان يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل ببعض البقرة المذبوحة، فأحيى اللّه القتيل بذلك.

ومن أخبارهم خبر عُزير وأرميا إذ مر على قرية خربة حيطانها ساقطة على سقوفها واهلها موتى تأكل السباع جيفهم، فقال مستغربا كيف يحيي اللّه هذه الموتى؟ فاماته اللّه مائة عام ثم احياه، اماته صباحا واحياه مساء، فقال له ملك: كم لبثت نائما؟ فالتفت الى الشمس قبل مغيبها فقال: يوما أو بعض يوم، فقال له: بل لبثت مائة عام فانظر الى طعامك وكان تينا وعنبا وشرابك وكان عصيرا لم يتغير بمرّ السنين، وانظر الى حمارك كان قد تفرقت عظامه وتفتّتت فاعادها اللّه وجمع بعضها إلى البعض الاخر ثم كساها لحما ثم احياه اللّه، فتبين له كيف يحيي اللّه الموتى، فلما رأى كل ذلك قال اعلم ان اللّه على كل شي‌ء قدير.

ومن اخبارهم الاستثنائية بعد موسى خبر النبيَّين: زكريا ويحيى اذ نادى زكريا ربّه وقال: ربّ اني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا وامرأتي عاقر وخفت ورثتي من بعدي، فهب لي من لدنك وليّا يرثني ويرث آل يعقوب، فبشّره اللّه بيحيى لم يسمّ بيحيى قبله احد، آتاه اللّه الكتاب والحكم صبيا.

واهمّ اخبارهم الاستثنائية خبر ولادة رسول اللّه عيسى من امّه مريم بلا اب ومكالمته قومه في المهد، واخبارهم ان اللّه آتاه الكتاب والحكمة، وخلقه من الطين طيرا باذن اللّه، وشفاؤه الاكمه والابرص واحياؤه الموتى، والقاء شبهه على من وشى به ليصلب مكانه، ورفعه اللّه مكانا عليا وبقي حيّا الى يوم يعيده اللّه الى الارض مع المهدي(ع) في آخر الدهر.

*          *          *

وهكذا وجدنا لانبياء بني اسرائيل حالات استثنائية لم نجدها في من سبقهم من الانبياء، مثل ما اوتي سليمان (ع) من عمل الجنّ له، ومثل ولادة عيسى(ع) بلا أب وخلقه من الطين طيرا باذن اللّه، ولم نجد في الامم مثل بني اسرائيل قساة القلوب متشاكسو الاخلاق رأوا الايات التسع من نبيهم وعبر بهم البحر من اثني عشر طريقا يبسا واغرق فرعون وجنوده، وبعد ان فرّج اللّه عنهم بمعجزة لم يكن لها مثيل في طول تاريخ البشر ورأوا عبّاد صنم قالوا: يا موسى اجعل لنا إلها صنما مثل صنمهم، وعبدوا العجل عند ذهاب نبيهم ليأتيهم من اللّه بشريعة يعملون بها.

تلكم الصفات الذميمة إلى غيرها من أنواع الشذوذ في الفكر والخلق خصّوا بها دون الامم التي جاءت قبلهم وبعدهم. وكذلك الامر في من كان يعاديهم مثل فرعون وملئه ثم الاقوام التي كانوا يسكنون يومئذ في اراضي الشام وامروا بمحاربتهم، ونتيجة لكل تلك الحالات والظروف الاستثنائية احتاجوا من بين الامم الى أحكام استثنائية من تحويل القبلة لهم من الكعبة الى بيت المقدس، وتحريم ما حرّم اسرائيل ـ يعقوب ـ على نفسه عليهم. ولمّا زالت بعض ظروفهم الاستثنائية على عهد المسيح عيسى بن مريم (ع) بهلاك الامم التي كانت تحاربهم في اوطانهم، احلَّ اللّه لهم بعض ما حرّم عليهم قبل ذلك، ولما انتهت كل ظروفهم الاستثنائية على عهد خاتم النبيين (ص) عندئذ انتهى أمد الاحكام الاستثنائية، كما قال سبحانه: (الّذين يتبعون الرسول النبي الامّي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم...)(الاعراف:157)

وبذلك نسخت شريعة موسى وعيسى عليهما السّلام وامروا ان يعودوا الى العمل بحنيفية ابراهيم (ع) التي جاء بها خاتم النبيين (ص)، ومن كل ذلك علمنا ان شرائع الاسلام منذ آدم (ع) الى النبي الخاتم (ص) واحدة ومتناسبة مع فطرة الانسان. ولما كان لا تبديل لخلق اللّه فلا تبديل لشرع اللّه، وانما كانت الشريعة تنزل على الانبياء على مر الزمن بمقدار حاجة الانسان المعاصر لذلك النبي، ولذلك نزل من الشريعة لادم(ع) بمقدار ما تحتاجه اُسرة واحدة. وعلى عهد إدريس(ع) على قدر ما يحتاجه سكان القرى، واتسعت على عهد نوح على قدر حاجة أهل المدن، وشرع لنا بمقدار ما شرع لقوم نوح، وقال سبحانه: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) ولم تختلف حنيفية إبراهيم عن شريعة نوح لقوله تعالى: (وإن من شيعته لابراهيم) أي أن ابراهيم من شيعة نوح، ولم تختلف شريعة خاتم الانبياء(ص) عن حنيفية إبراهيم(ع) وقال تعالى لنبينا: (واتبع ملة إبراهيم حنيفا)، وقال لنا: (واتبعوا ملّة إبراهيم حنيفا)، وإن شأن البشر في ما شرع لهم شأن النحل الذي أودع اللّه تعالى في غريزته أن يعيش وفق ما قدر اللّه له من نظام يتناسب وفطرته،

ولم تتغير فطرته منذ أن خلقه اللّه حتى اليوم.

وكذلك لم يتغير نظام حياته الذي يتبعه بالغريزة التي اعطاها اللّه ربّه، ولم يتغير النظام الذي شرّعه اللّه رب العالمين بمقتضى ربوبيته لجميع العالمين، ولم يكن الانسان بدعا في ما خلق اللّه من خلق.

بهذا تنتهي بحوث هذا المجلد التي كانت شرحا وتفسيرا لما اوجز بحثه في المجلد الاول منه، واحيانا بزيادة بيان أو بتعبير آخر، اقتداء باُسلوب القرآن العظيم في طرح عقائد الاسلام بايجاز احيانا وبتفصيل حينا آخر، وبتغيير التعبير في مورد عن مورد آخر. وبعد انجاز هذه البحوث ندرس باذنه تعالى في مجلده الثالث الاتي من سيرة الرسول (ص) في مكة ما يمكننا من القرآن الكريم ومصادر الدراسات الاسلامية، وآخر دعوانا ان الحمد للّه ربّ العالمين.


26  كان بعض أهل الجاهلية لا يطوف بملابسه لانه عصى ربّه فيها، فإما أن يستعير من أهل مكة ما يطوف به أو يطوف عريانا.

27  السامري : تعريب الشمروني، كما أنّ عيسى تعريب ليشوع بالعبرية، وشمروني نسبة إلى شمرون الابن الرابع ليساكار من أسباط بني إسرائيل. راجع : مادّة شمرون من قاموس الكتاب المقدّس.