عقيدته:

في مروج الذهب:

وقد كان ـ أبو طالب ـ أكثر العرب ممن بقي ودثَرَ يقرّ بالصانع، ويستدل على الخالق(7).

وسوف ندرس ذلك في البحوث الاتية بحوله تعالى.

كان ذلكم بعض أخبار سيرة أبي طالب الخاصّة به. وندرس في أخبار سيرة النبي (ص) على عهد أبي طالب الاتية من سيرة أبي طالب ما عاناه في سبيل الحفاظ على رسول اللّه (ص) والدفاع عنه وعن عقائد الاسلام بحوله تعالى.

 نتائج البحث

كان إسماعيل نبيّا ورسولاً ووصيا على شريعة إبراهيم الحنيفة في الجزيرة العربية، وبعد ذلك وفي عصر فترة إرسال المبشرين والمنذرين بعد عيسى بن مريم(ع) كان بعض الانبياء والاوصياء يحملون شريعة عيسى (ع) إلى قومهم، مثل: حنظلة وخالد والرهبان الذين تلمذ عليهم سلمان الفارسي، وفي اُمّ القرى مكة خاصّة وجدنا في آباء النبي (ص) كابرا بعد كابر من يعمل بسنّة إبراهيم في القيام بتعمير البيت، والاهتمام بإقامة شعائر الحجّ والرفادة والسقاية لضيفان اللّه حتى نهاية موسم الحج، ولم يكن عملهم في ضيافة الحج لكسب الفخر لانفسهم أو لقومهم، بل كانوا يبتغون من وراء ذلك كسب رضا اللّه؛ ولذلك يشترطون في الانفاق ألاّ يكون من مالِ الحرام، بينما يخبر اللّه تعالى عن المشركين ويقول سبحانه في سورة النساء:

(والّذين يُنفقون أموالهُم رئاء النّاس ولا يُؤمنون باللّه ولا باليوم الاخر...) (الاية: 38)

ويخوّفون الناس من يوم الجزاء وعقاب الاعمال؛ بينما نجد اللّه سبحانه وتعالى يخبر عن المشركين في العصر الجاهلي أنّهم كانوا يقولون:

أ ـ في سورة الجاثية:

(وَقالُوا ما هِيَ إلاّ حَياتُنا الدُّنيا نَموتُ وَنَحيا وَما يُهلِكُنا إلاّ الدَّهْرُ...) (الاية:24).

ب ـ في سورة الانعام:

(وَقـالـوا إن هِـيَ إلاّ حَياتُنا الدُّنيـا نَمـوتُ وَنَحيـا وَمـا نَـحـنُ بِمَبعُوثيـنَ)(الاية:29).

ج ـ في سورة هود:

(... وَلَئِنْ قُلتَ إنّكمُ مَبعُوثون مِنْ بَعد المَوتِ لَيَقُولَنَّ الّذينَ كَفَروا إنْ هذا إلاّسِحرٌ مُبينٌ) (الاية: 7) ونظائرها في سورة الاسراء 49 و98 وسورة المؤمنون37 و82 والصافات 16 والواقعة 47.

د ـ في سورة ياسين:

(وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِي خَلقَهُ قال مَنْ يُحيي العِظامَ وَهِيَ رَميمٌ * قُلْ يُحييها الَّذي أَنْشأها أوّل مَرَّةٍ وهو بكلِّ خلقٍ عليمٌ)(الايتان: 78 ـ 79)

وهكذا كان الجاهليون كما وصفهم اللّه تعالى وقال:

(وكانوا يصرّون على الحنثِ العظيمِ * وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أوَ آباؤنا الاوّلونَ)(الواقعة: 46 ـ 48)

والحنث: الذنب والاثم.

وكان في ما قام به آباء النبي كابِرا بعد كابِر مخالفة لسنن مجتمعهم في السلوك، مثل : تحريمهم الخمر والزنى في قرون متوالية في مجتمع انتشر فيهم شرب الخمر والزّنى بأنواعه، وكان في مكة والطائف بيوت للمومسات يرفعن عليها أعلاما إشعارا بعملهنّ، وفي نهيهم عن وأد البنات في عصر (وَإذا بُشِّر أحدُهُم بالاُ نثى ظلَّ وجهُهُ مُسْوَدّا وهُو كظيمٌ * يتوارى من القومِ من سُوء ما بُشِّر به أيُمسكُهُ على هُونٍ أم يدُسُّهُ في التُّرابِ...)(النحل: 58 ـ 59)

إلى غير ذلك من الاعمال التي تركوها ومنعوا عنها، مخالفين في ذلك سنَن قومهم مما حفلت بذمّها سور القرآن المكيّة، وكذلك في ما قاموا بها من مكارم أخلاق خصّوا بها مثل دعوتهم إلى الانفاق على إطعام ضيفان اللّه من الكسب الحلال في مجتمع قائم على أخذ الربا والكسب بالقمار وسلب أموال من يستطيعون سلب أمواله بأية وسيلة أمكنتهم. وفي جانب العقائد لم يسجلّ التاريخ على أحد من آباء النبي (ص) أنّه سجد لصنم قطّ أو قرّب قربانا لصنم أو استنصر صنما أو استمطره أو لبّى لصنم في الحجّ أو حلف بصنم قطّ، في عصور كان المجتمع المكّي ومن حولهم تقوم عقائدهم عليها ويدور كلامهم حولها.

وكذلك دعوتهم للخوف من الجزاء يوم القيامة في مجتمع يستهزئون ويستخفّون عقول من يدينون بالحياة الاخرة، ولا يمكن أن يقال ان كل ذلك وقع مصادفة في كل تلكم القرون في أولاد إسماعيل(ع) بعده إلى عصر عبدالمطلب، أي قرابة أكثر من خمسمائة سنة، وأن سلسلة آباء النبي جميعهم في كل تلكم القرون اتّصفوا مصادفة بما ذكرنا، مع طهارة المولد في عصور انتشر فيها الزنى في مكة والطائف انتشارا هائلاً، بحيث أَنّي لم أجد في كتب الانساب والسير اُسرة ممن ذكروا من مشاهيرهم سلمت أنسابهم وطهرت من الخبائث. ليس من المعقول القول بأن كل ذلك وقع مصادفة في أكثر من خمسمائة سنة، أضف إلى ذلك قيام آباء النبي (ص) ببشارة قومهم ببعثة خاتم الانبياء في مكة، وأنّه سُمّي في الكتب السماوية بمحمّد وأحمد (ص) وطلبهم من قومهم أن يصدِّقوه وينصروه عندما يُبعث في بلدهم؛ وعملهم هذا مصداق لقوله تعالى في سورة آل عمران:

(وإذْ أخذ اللّهُ مِيثاقَ النَّبيّين لما آتيتُكُم من كتابٍ وحكمةٍ ثمَّ جاءكُمْ رسولٌ مُصدِّقٌ لما معكم لتُؤمنُنَّ به ولتنصُرُنَّهُ قال أأقررتُم وأخذتُم على ذلكُم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكُم من الشاهدين) (الاية: 81). والرسول هو محمد بن عبداللّه(ص) وكل ما ذكرناه ممّا صدر في جانب العقائد من آباء النبي صدر من عبدالمطلب أكثر، مثل قوله في ما أنشد عندما ولد رسول اللّه (ص):

        أنت الذي سُمّيت في الفرقان

                          في كتب ثابتة المباني

              أحمد مكتوب على اللّسان

وقوله في ما أنشد عندما أضلته مرضعته حليمة:

أنت الذي سمّيته محمّدا ويصرّح في أبياته التي أنشدها بعد هلاك جيش إبرهة الحبشي أنّهم حجج اللّه حيث يقول:

     نحن آل اللّه في ما قد مضى

                        لم يزل ذاك على عهد إبرهم

   لم تزل للّه فينا حجّة

                             يدفع اللّه بها عنّا النقم

ولم يكن من باب المصادفة أن يأتي الاسلام بما سنّه عبدالمطّلب، وإنما كان على ملّة ابراهيم(ع) الحنيفة وما سنّه عبد المطلب كان اتّباعاً لشريعة ابراهيم(ع) ولذلك جاء في الاسلام ما سنّه عبد المطلب فقد قال سبحانه:

أ ـ في سورة النحل:

(ثم أوحينا إليك ان اتبع ملة إبراهيم حنيفا...)(8)(الاية: 123)

ب ـ في سورة آل عمران:

(قل صدق اللّه فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا...)(الاية: 95)

ج ـ في سورة النساء:

(ومن أحسن دينا ممّن أسلم وجهه للّه وهو محسنٌ واتبع ملة إبراهيم حنيفا)(الاية: 125)وسورة الانعام(الاية:161)

وبناء على ذلك فانّ آباء النبي (ص) كانوا على شريعة إبراهيم الحنيفة، وصدق اللّه العظيم حيث قال سبحانه:

(وتَقَلُّبك في السّاجِدِين)(الشعراء: 219)

فقد قال ابن عباس في تفسير الاية: ما زال النبي (ص) يتقلب في أصلاب الانبياء حتى ولدته امه.

وقال الامام الباقر (ع) في تفسيرها: يرى تقلبه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبيّ، حتى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم (ع).

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) من الخطبة 92 من نهج البلاغة في وصف الانبياء:

(فاستودعهم في أفضلِ مستودعٍ، وأقرهم في خير مستقر، تناسختهم كرائم الاصلاب إلى مطهرات الارحام، كلما مضى منهم سلفٌ قام منهم بدين اللّه خلفٌ، حتى أفضت كرامة اللّه سبحانه إلى محمد (ص)، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا، وأعزِّ الاروماتِ مغرسا، مِنَ الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتخب منها أُمناءه، عترته خير العتر، وأسرته خير الاُسر، وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم، وبسقت في كرم).

يُستدلّ بقوله (ع): (كلّـما مضى منهم سلف قام منهم بدين اللّه خلف حتى أفضت كرامة اللّه سبحانه) على تتابع القائمين بالدعوة إلى دين اللّه وتسلسلهم من لدن آدم(ع) إلى نبي اللّه الخاتم وانّه لم يخل منهم زمان.

كما قال (ع) في كلمة اخرى له:

(لا تخلو الارض من قائم للّه بحجة: إما ظاهرا مشهورا، أو خائفا مغمورا(9) لئلا تبطل حجج اللّه وبيناته. وكم ذا(10

وأين (أُولئك)؟ أُولئك ـواللّهـ الاقلون عددا، والاعظمون عند اللّه قدرا، يحفظ اللّه بهم حججه وبيناته، حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم)(11).

وإنّ ربوبيّة اللّه للبشر تقتضي أن يجعل لهم في كل عصر اماما يأخذون منه معالم دين اللّه، بحيث إذا جاهدوا في طلبه كما يجاهدون في طلب الرزق اهتدوا إلى ما شرّع لهم، مصداقا لقوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) كما فعل ذلك سلمان الفارسي المحمدي حين هاجر في طلب الهداية من جيّ اصفهان إلى أديرة الرهبان في الجزيرة والموصل والشام. ونحن في هذا البحث بصدد أن نري أمثلة من سيرة آباء النبي (ص) الذين كانوا يحملون الى الناس شريعة ابراهيم(ع) الحنيفة، بينما اعتقد الناس خطأ ان اللّه تبارك وتعالى ترك أهل ذلك العصر ـ الذي يسمى بعصر الفترة ـ هملا، ولم يجعل لهم اماما يأخذون منه معالم دينهم‌ـ معاذ اللّه ـ.

وما المانع من أن يكون عبدالمطلب من الانبياء الذين لم يذكر اسمهم في القرآن، فقد جاء في حديث الرسول الى أبي ذر ان عدد الانبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، والمرسلين ثلاثمائة وخمسة عشر، وجاء في القرآن الكريم اسم خمسة وعشرين نبيا ورسولاً(12).

أمّا كون آباء النبي من الموحّدين فانه يستفاد ذلك بالاضافة إلى ما تقدم من الاحاديث الاتية:

قال ابن عباس: سألت رسول اللّه (ص) فقلت: بأبي أنت واُمي أين كنت وآدم في الجنة؟ فتبسم حتى بدت نواجذه ثم قال: إني كنت في صلبه وهبط إلى الارض وأنا في صلبه، وركبت السفينة في صلب أبي نوح، وقذفت في النار في صلب أبي ابراهيم، لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم يزل اللّه ينقلني من الاصلاب الطيبة إلى الارحام الطاهرة مصفىً مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلاّ كنت في خيرهما، قد أخذ اللّه بالنبوة ميثاقي، وبالاسلام هداني، وبين في التوراة والانجيل ذكري، وبين كل شي‌ء من صفتي في شرق الارض وغربها، وعلمني كتابه، ورقي بي في سمائه، وشق لي من أسمائه فذو العرش محمود وأنا محمد، ووعدني أن يحبوني بالحوض، وأعطاني الكوثر، وأنا أول شافع وأول مشفع، ثم أخرجني في خير قرون امتي، وامتي الحمادون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر(13).

وقال ابن عباس في تفسير قوله تعالى:

(وإذ قال إبراهيم لابيه وقومه إنني براء ممّا تعبدون * إلاّ الذي فطرني فانه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون)(الزخرف: 26 ـ 28) يعني لا إله إلاّ اللّه لا يزال في ذريته من يقولها(14).

وقال: في عقبه أي في خلفه(15). وفي رواية: عقبه ولده(16). وفي تفسير القرطبي ما موجزه: أي وجعل اللّه هذه الكلمة والمقالة باقية في عقبه وهم ولده وولد ولده، أي أنهم توارثوا البراءة عن عبادة غير اللّه، وأوصى بعضهم بعضا في ذلك. والعقب من يأتي بعده.

وفي صحيح الترمذي ومسند أحمد بسنده إلى الصحابي واثلة:

إنّ اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل. واصطفى قريشا من كنانة. واصطفى من قريش بني هاشم. واصطفاني من بني هاشم(17).

وفي سنن الترمذي بسنده ان رسول اللّه (ص) قال: ان اللّه عزّ وجلّ اصطفى من ولد إبراهيم اسماعيل، واصطفى من بني اسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم.

وقال: هذا حديث حسن صحيح(18).

والمقصود من قريش نفر من آباء النبي (ص).

كان ذلكم بعض أخبار آباء النبي في عصر الفترة.

وقال المسعودي:

(تنازع الناس في عبدالمطلب، فمنهم من رأى أنه كان مؤمنا موحدا، وأنه لم يشرك باللّه عزّوجلّ ولا أحد من آباء النبي (ص) وأنه نقل في الاصلاب الطاهرة، وانه أخبر أنه ولد من نكاح لا من سفاح. ومنهم من رأى أن عبدالمطلب كان مشركا، وغيره من آباء النبي (ص) إلاّ من صح إيمانه، وهذا موضع فيه تنازع بين الامامية والمعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم من الفرق في النص والاختيار، وليس كتابنا هذا موسوما للحِجاج، فنذكر حِجاج كل فريق منهم.

وقد أتينا على قول كل فريق منهم وما أيد به قوله في كتابنا ((المقالات في اُصول الديانات)) وفي كتاب ((الاستبصار)) ووصف أقاويل الناس في الامامة وفي كتاب ((الصفوة)) أيضا)(19).

وسوف نذكر أدلتهم بعد دراستنا لسيرة أبي طالب (ع) مع الرسول في ما يأتي باذنه تعالى:


 7  مروج الذهب (2 / 109).

8  دلائل النبوة للبيهقي، وتفسير الاية في تفسير السيوطي 5 / 99.

9  غمره الظلم حتى غطاه فهو لا يظهر.

10  استفهام عن عدد القائمين للّه بحجته واستقلال له، وقوله: ((وأين أولئك؟)) استفهام عن أمكنتهم وتنبيه على خفائها.

11  الحديث 147 من باب أحاديث نهج البلاغة.

12  البحار 11 / 32، ومسند أحمد 5 / 265 ـ 266.

13  تفسير السيوطي 5 / 99.

14  ابن كثير 4 / 126.

15  القرطبي 16 / 77.

16  تفسير السيوطي 6 / 16.

17  صحيح مسلم، كتاب الفضائل، رقم الحديث 1، ومسند أحمد 4 / 107.

18  مسند أحمد 4 / 107، صحيح الترمذي 13 / 94 أبواب المناقب، الحديث الاول من الباب الاول.

19  مروج الذهب 2 / 108 و109، وان كلامه هذا يدل على ان كتاب اثبات الوصيّة ليس له، وإلاّلذكره مع ما ذكر من مؤلفاته هنا. أضف إلى ذلك ان المسعودي يجرّد في كلامه النبي (ص) عن آله في التصلية كسائر اتباع مدرسة الخلفاء، والتصلية في كتاب اثبات الوصية مقرونة بالال إلاّ  في ما إذا ثبت أنّه ألف إثبات الوصيّة بعد الكتب المذكورة.وقد يكون اثبات الوصية لعلي بن الحسين المسعودي من مشايخ النعماني الذي روى عنه النعماني في كتاب الغيبة ص 188 و241 و312، وسبق أن نقلنا عنه في بحث الوصية من معالم المدرستين ج 1 بعض الاخبار التي اشترك في نقلها صاحب الكتاب مع المصادر المعتمدة والمشهورة.