خلاصة البحث

أوصى إبراهيم (ع) إلى إسماعيل بإقامة دعامة شريعته الحنيفة ((تعمير بيت اللّه الحرام وإقامة مناسك الحجّ)) فأقام بذلك طوال حياته حتى توفي بمكة المكرمة ودفن مع اُمّه هاجر وبعض بنيه في حجر إسماعيل(76)، أمّا إسحاق فقد خصّ اللّه لاولاد ابنه يعقوب (اسرائيل) أحكاما جاءت في شريعة موسى وعيسى عليهما السّلام، وبعد عيسى بن مريم بدأ عصر الفترة من الرسل، حيث لم يبعث اللّه تعالى إلى الناس رسلاً مبشرين ومنذرين، غير أنّه قام بأمر هداية بعض الناس ودعوتهم للعمل بشريعة عيسى أنبياء مثل خالد بن سنان، وحنظلة ممّن كانوا أوصياء على شريعة عيسى، وفي اُمّ القرى وما حولها قام من نسل إسماعيل كابر بعد كابر بإقامة دعامة شريعة إبراهيم الحنيفة وسننه كالاتي أخبارهم:

أ ـ إلياس بن مضر:

أنكر إلياس بن مضر على بني إسماعيل ما غيّروا من سنن آبائهم وردّهم إليها حتى رجعت تامّة إلى أوّلها، وهو أول من أهدى البُدْنَ إلى البيت وأوّل من وضع الركن بعد إبراهيم (ع).

ب ـ خزيمة بن مدركة بن إلياس:

كان خزيمة يقول: قد آن خروج نبيّ من مكّة يُدعى أحمدَ، يدعو إلى اللّه وإلى البرّ والاحسان ومكارم الاخلاق، فاتّبعوه ولا تكذبوا ما جاء به فهو الحقّ.

ج ـ كعب بن لؤي:

كان كعب من ذرية خزيمة يخطب في أيّام الحج ويقول: إنّ السماء والارض والنجوم لم تخلق عبثا، والدار أمامكم ـ أي يوم القيامة أمامكم ـ، ويدعو إلى مكارم الاخلاق وإعظام الحرم، ويخبرهم أنّه يُبعث من الحرم خاتم الانبياء وأنّ بذلك جاء موسى وعيسى عليهما السّلام وينشد:

        على غفلة يأتي النبي محمّد

                         فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها

ويقول: ياليتني شاهد نجوى دعوته.

د ـ قصي:

ولما نشر رئيس خزاعة عبادة الاصنام في الحرم حاربه من هذا النسل قصيّ حتى أخرجهم من مكّة، ونهى عن عبادة الاصنام، وأحيى سنّة إبراهيم في إطعام الضيوف، وخطب قريشا قبل الموسم وقال: يا معشر قريش ! إنكم جيران اللّه وأهل بيته، وأهل الحرم، وإنّ الحاجّ ضيفان اللّه وزوار بيته، وهم أحقّ الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيّام الحج حتى يصدروا عنكم، ولو اتّسع مالي لجميع ذلك لقمت فيه دونكم، فليخرج كل امرئ من ماله خرجا، ففعلوا؛

فجمع من ذلك شيئا كثيرا، فلما جاء أوائل الحاجّ نحر على كلّ طريق من طرق مكّة جزورا، ونحر بمكة وجعل حظيرة وجعل فيها الطعام من الخبز واللحم، وسقى الماء المحلّى بالزبيب وسقى اللبن، وهو أول من أوقد النار بمزدلفة ليراها الناس ليلة النفر من عرفة، وجعل للبيت مفتاحا وحجبة، وجعل بيت ابنه عبد الدار دار الندوة لا تقطع قريشٌ أمرا إلاّ فيها، وأوصى بنيـه عند مـوتـه أن يجتنبوا الخمرة.

ه‍‍ ـ عبدمناف:

وقام من بعده ابنه عبدمناف واسمه المغيرة، وأوصى قريشا بتقوى اللّه جلّ وعلا وصلة الرحم.

و ـ هاشم:

وقام بعده ابنه هاشم، واتبع سنّة قصي في دعوة قريش للقيام بضيافة الحاج، وكان يقول في خطبته: (فاكرموا ضيفه ـ‍ ضيف اللّه ـ وزوار بيته، فوربّ هذه البنية لو كان لي مال يحتمل ذلك لكفيتكموه، وأنا مخرج من طيب مالي وحلاله ما لم يقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام، فمن شاء منكم أن يفعل ذلك فعل، وأسألكم بحرمة هذا البيت أن لا يُخرِج رجل منكم لكرامة زوّار بيت اللّه وتقويتهم إلاّ طيّبا، لم يؤخذ ظلما، ولم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ غصبا)، فكانوا يجتهدون في ذلك ويضعونه في دار الندوة.

إذا فإنّ هاشما شابه فعله فعل الانبياء في العمل في سبيل كسب رضا اللّه تعالى شأنه. وليس في سبيل كسب الحمد والثناء من الناس لنفسه وقومه، كما كان يفعله العربي الجاهلي يومذاك. وكذلك كان فعله في القيام بتنظيم قوافل تجارية لقريش التي كانت تسكن بين جبال جرداء لا ماء فيها ولا زرع يعيش عليه الضرع، ولا سبيل لهم للعيش، كان في فعله ذلك كسائر الانبياء رائد قومه في أمر معاشهم ومعادهم.

ز ـ عبدالمطلب بن هاشم:

أقرّ بالتوحيد، وأثبت الجزاء في الدنيا والاخرة، وتألّه في الجاهلية، وحفر بئر زمزم، ونذر أن ينحر أحد بنيه في سبيل اللّه اقتداء بجدّه إبراهيم كما رأى ذلك، وكان مجاب الدعوة يدعو للمطر فيجيب اللّه دعاءه، وأخبر أن اللّه سمّى الرسول في الكتب السماوية بأحمد، وأنه لم يزل في سلسلة آبائه للّه حجة منذ عهد إبراهيم يدفع به النقم، وسن عبدالمطلب سننا أقرّها الاسلام. وفي تاريخ اليعقوبي عن رسول اللّه انه قال ما موجزه: إنّ اللّه يبعث جدّي عبدالمطّلب امّة واحدة في هيئة الانبياء(77).

وقد وجدنا في سيرته أخذ العهد من ولده وقومه أن ينصروا رسول اللّه(ص) حين يُبعث كما كان يفعل ذلك سائر الانبياء مع أقوامهم.


76  راجع معالم المدرستين، ط. الرابعة (1 / 60 ـ 64).

77  تاريخ اليعقوبي (2 / 12 ـ 14)، وفي البحار (15 / 157)، نقلاً عن الكافي (1/446و447)، عن الامام الصادق: يحشر عبدالمطّلب امّة واحدة، عليه سيماء الانبياء وهيئة الملوك.