عبدالمطّلب في ميلاد النبيّ (ص):
في
أنساب الاشراف عن خبر ولادة النبي (ص) ما موجزه:
ولمّا حملت آمنة بالنبي رأت في منامها آتيا أتاها، فقال: يا آمنة،
إنك قد حملت بسيّد هذه الاُمة؛ فإذا وقع في الارض فقولي: ((أُعيذُك
بالواحد من شرّ كل حاسد))؛ وسمِّيه أحمد. ويقال إنه قال: سمّيه
محمّدا.
فلما
وضعته، أرسلت إلى عبدالمطّلب أنّه قد وُلِدَ لك غلام. فنهض مسرورا،
ومعه بنوه، حتى أتاه فنظر إليه وحدّثته بما رأت، وبسهولة حمله
وولادته، فأخذه عبدالمطّلب في خرقة فأدخله الكعبة وقال:
الحمدُ للّه الذي أعطاني
هذا الغلام الطيّب الاردانِ
اُعيذه بالبيت ذي الاركانِ
من كل ذي بَغْيٍ وذي شنآنِ
وحاسدٍ مضطرب العنان
وفي
تاريخ ابن عساكر وابن كثير:
أضاف
إليها أبياتا جاء في آخرها:
أنت الذي سُمِّيت في الفرقان في كتب ثابتة المبان
أحمد مكتوب على اللسان(64)
في
هذه الابيات يخبر عبدالمطّلب أنّ حفيده سُمّي في الكتب أحمد.
وفي
طبقات ابن سعد ما موجزه:
إنّ
حليمة مرضعة النبي تخوّفت على رسول اللّه (ص) فقدمت به إلى اُمه
لتردّه وهو ابن خمس سنين فأضلّته في النّاس فالتمسته فلم تجده، فأتت
عبدالمطّلب فأخبرته، فالتمسه عبد المطّلب فلم يجده، فقام عند الكعبة
فقال:
لاهُمّ أدّ راكبي مُحمّدا
أدّهْ إلىٍّّ واصطنع عندي يدا
أنت الذي جعلته لي عَضُدا
لا يبعد الدهرُ به فيبعدا
أنت
الذي سَمَّيْتَهُ مُحمّدا(65)
وهنا
ـ أيضا ـ يصرّح عبدالمطّلب بأنّ اللّه هو الذي سَمّى حفيده
محمّدا(ص).
وفي
مروج الذهب:
وكان
عبدالمطّلب يوصي ولده بصلة الارحام، وإطعام الطعام، ويُرغّبهم
ويُرهّبهم، فعل من يراعي في المتعقّب معادا وبعثا ونشورا، وجعل
السقاية والرفادة إلى ابنه عبدمناف ـ وهو أبو طالب ـ وأوصاه بالنبي
(ص) (66).
وفي
السيرة الحلبية والنبوية:
وكان
ممن حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية، وكان مجاب الدعوة، وكان يقال
له الفياض لجوده، ومطعم طير السماء، لانه كان يرفع من مائدته للطير
والوحوش في رؤوس الجبال، قال: وكان من حلماء قريش وحكمائها.
ونقل
عن سبط ابن الجوزي ما موجزه:
وكان
عبدالمطّلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثّهم على مكارم
الاخلاق، وينهاهم عن دنيئات الاُمور، وكان يقول:
لن
يخرج من الدنيا ظلوم حتى يُنْتَقَم منه وتصيبه عقوبة، إلى أن هلك رجل
ظلوم من أهل الشام لم تُصبه عقوبة فقيل لعبد المطّلب في ذلك ففكّر
وقال: واللّه إنّ وراء هذه الدار دارا يُجزى فيها المحسن بإحسانه
ويعاقب المسيء بإساءته، أي فالظلوم شأنه في الدنيا ذلك حتى إذا خرج
من الدنيا ولم تصبه العقوبة فهي مُعدّة له في الاخرة، وتُؤثَر عنه
سنن جاء القرآن بأكثرها وجاءت السنّة بها؛ منها الوفاء بالنذر،
والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل المؤودة،
وتحريم الخمر والزنى، وأن لا يطوف بالبيت عريان(67).
وفي
السيرة النبوية:
وأمّا عبدالمطّلب بن هاشم، فكان من حلماء قريش وحكمائها، وكان مجاب
الدعوة محرّما الخمر على نفسه، وهو أول من تحنث بحراء، والمتحنث:
المتعبد الليالي ذوات العدد، كان إذا دخل شهر رمضان صعده وأطعم
المساكين، وكان صعوده للتخلي عن الناس يتفكر في جلال اللّه وعظمته(68).
وفي
تاريخ اليعقوبي وأنساب الاشراف للبلاذري ـ واللفظ للاول ـ بإيجاز:
توالت على قريش سنون مجدبة، حتى ذهب الزرع وقحل الضرع ففزعوا إلى
عبدالمطّلب فقالوا:
قد
سقانا اللّه بك مرة بعد اُخرى فادعُ اللّه أن يسقينا، فخرج
عبدالمطّلب ومعه رسول اللّه (ص) وهو يومئذ مشدود الازار، وقال
عبدالمطّلب: اللّهم سادّ الخلَّة، وكاشف الكُربة، أنت عالِم غير
مُعلَّم، مسؤول غير مُبخَّل، وهؤلاء عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك يشكون
إليك سنيهم التي أقحلت الضرع وأذهبت الزرع، فاسمعنَّ اللّهم وأمطرنَّ
غيثا مريعا مغدقا. فما راموا حتى انفجرت السماء بمائها وكظّ الوادي
بثجّه، وفي ذلك يقول بعض قريش:
بشيبة الحمد أسقى اللّهُ بلدتنا
وقد فقدنا الكرى واجلوّذ المطرُ
منّا من اللّهِ بالميمونِ طائره
وخير من بشّرت يوما به مُضرُ
مُبارك الامرِ يُستسقى الغمامُ به
ما في الانام له عدلٌ ولا خطرُ(69)
وجاء
في البحار:
كان
يوضع لعبد المطلب جدّ رسول اللّه (ص) فراش في ظلّ الكعبة، وكان لا
يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له، وكان رسول اللّه (ص) يأتي حتى
يجلس عليه، فيذهب أعمامه ليؤخروه فيقول جدّه عبدالمطّلب: دعوا ابني،
فيمسح على ظهره ويقول : إنّ لا بني هذا لشأنا(70).
وجاء
في اليعقوبي ـ أيضا ـ:
وأوصى عبد المطّلب إلى ابنه الزبير بالحكومة وأمر الكعبة، وإلى أبي
طالب برسول اللّه(ص) وسقاية زمزم، وقال له: قد خلّفت في أيديكم الشرف
العظيم الذي تطأون به رقاب العرب. وقال لابي طالب:
أُوصيك يا عبدمنافٍ بعدي
بمُفردٍ بعد أبيه فردِ
فارقه وهو ضجيعُ المهد
فكنتَ كالاُمّ له في الوجد
تُدنيه من أحشائها والكبد
فأنت من أرجى بنيّ عندي
لدفع
ضيمٍ أو لشدّ عقد(71)
وروى
في البحار بعده عن الواقدي ما موجزه:
اُوصيك أرجى أهلنا بالرفدي
يابن الذي غيبته في اللحدِ
بالكره منّي ثمّ لا بالعمدي
وخيرة اللّه يشا في العبدِ
ثم
قال عبدالمطّلب: يا أبا طالب إنّني اُلقي إليك بعد وصيتي، قال أبو
طالب: ما هي؟ قال: يا بني اُوصيك بعدي بقرّة عيني محمّد (ص) وأنت
تعلم محلّه منّي، ومقامه لديّ، فأكرمه بأجلّ الكرامة، ويكون عندك
ليله ونهاره وما دمت في الدنيا، اللّه ثم اللّه في حبيبه، ثمّ قال
لاولاده: أكرموا محمّدا (ص)، فسترون منه أمرا عظيما، وسترون آخر أمره
ما أنا أصفه لكم عند بلوغه، فقالوا بأجمعهم: السمع والطاعة يا أبانا
نفديه بأنفسنا وأموالنا، ـ ولم يكن في أعمام النبي (ص) أرفق من أبي
طالب قديما وحديثا في أمر محمّد (ص) ـ، ثم قال: إنَّ نفسي ومالي دونه
فداء، اُنازع معاديه وأنصر مواليه.
قال
الواقديّ: ثمّ إنّ عبدالمطّلب غمض عينيه وفتحهما ونظر قريشا وقال: يا
قوم أليس حقّي عليكم واجبا؟ فقالوا بأجمعهم: نعم حقّك على الكبير
والصغير واجب، فنعم القائد ونعم السائق فينا كنت، فقال عبدالمطّلب:
اُوصيكم بولدي محمّد بن عبداللّه (ص) فأحلّوه محلّ الكرامة فيكم
وبرّوه ولا تجفوه، ولا تستقبلوه بما يكره، فقالوا بأجمعهم: قد سمعنا
منك وأطعناك فيه(72).
وفي
طبقات ابن سعد: لما حضرت عبدالمطّلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول
اللّه(ص) وحياطته(73).
وتوفّي عبدالمطّلب ولرسول اللّه(ص) ثماني سنين، ولعبد المطّلب مائة
وعشرون سنة.
زاد
اللّه جلّ وعلا عبدالمطّلب بسطة في الجسم وسعة في الحلم والكرم؛ أقرّ
بالتوحيد وأثبت الوعيد، وتألّه في الجاهليّة، وامتنع عن عبادة
الاصنام وعن كلّ موبقة تفسد الرجال، وعظّم الظلم والفجور، وهو أول من
تحنّث في غار حراء يتخلّى للعبادة والتفكّر في جلال اللّه، يصعده في
شهر رمضان يطعم فيه المساكين، وهو أوّل من سقى الماء عذبا بمكة، أُمر
في المنام بحفر بئر زمزم فامتثل، وحفره مع بكره الحارث، ونذر إن رزقه
اللّه عشرة أولاد أن يذبح أحدهم في سبيل اللّه اقتداء بأبيه إبراهيم
(ع) في قيامه بذبح ابنه إسماعيل (ع)، فلمّا تموا عشرة قدّمهم إلى
الكعبة، فوقعت القرعة على عبداللّه والد النبي (ص) فمنعته قريش من
ذبحه على أن يقرع بينه وبين عشرة عشرة من الابل ، حتّى خرجت القرعة
على مائة من الابل فنحرها في سبيل اللّه. ولمّا قدم إبرهة مع جيش
الفيل لتهديم بيت اللّه دعا عبدالمطّلب قريشا للقيام بدفع الجيش
الغازي فأبوا وتهاربوا إلى رؤوس الجبال، ولم يغادر عبدالمطّلب البيت
وأنشد يخاطب اللّه:
يا
ربّ إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك...
فلمّا أهلك اللّه إبرهة وجيشه قال عبدالمطّلب في ما أنشد:
إنّ للبيت ربّا مانعا
من يُرده بأثام يصطلم
نحن آل اللّه في ما قد مضى
لم يزل ذاك على عهد ابرهم
لم تزل للّه فينا حجّة
يدفع اللّه بها عنّا النقم
وفي
هذه السنة ولد حفيده خاتم الانبياء (ص) فأخذه وأدخله الكعبة وقال في
ما أنشده:
أنت الذي سُمِّيتَ في الفرقان في كتب ثابتة المثاني
أحمد مكتوب على اللّسان
وكان
عبدالمطّلب مجاب الدعوة؛ إذا انحبس المطر عن قريش طلبوا منه فيدعو
اللّه وينزل عليهم الغيث، وفي آخر مرّة أخرج معه رسول اللّه (ص) وهو
فتى صغير فما راموا حتى انفجرت السماء بالمطر.
وسنَّ عبدالمطّلب سننا أقرّها الاسلام مثل:
أ ـ
الوفاء بالنذر؛ في سورة الانسان / 7، وسورة الحج / 29.
ب ـ
المنع من نكاح المحارم؛ في سورة النساء / 23.
ج ـ
قطع يد السارق؛ في سورة المائدة / 38.
د ـ
النهي عن قتل المؤودة؛ في سورة التكوير / 8، والانعام / 151،
والاسراء /31.
ه
ـ تحريم الخمر؛ في سورة المائدة / 90 و91.
و ـ
تحريم الزنى؛ في سورة الفرقان / 68، والممتحنة / 12، والاسراء/32.
ز ـ
ألاّ يطوف بالبيت عريان؛ أمر الرسول (ص) أن ينادي بذلك ابن عمّه
عليّ(ع) عندما بعثه في السنة التاسعة للهجرة لقراءة الايات الاُولى
من سورة براءة على الحجّاج.
ح ـ
صلة الارحام؛ في سورة النساء / 1.
ط ـ
إطعام الطعام؛ في سورة المائدة / 89، والبلد / 14، والحاقة / 34.
ي ـ
ترك الظلم؛ في سورة إبراهيم / 22. وآيات كثيرة اُخرى.
وتحنث في حراء يعبد اللّه، وفعله بعده حفيده خاتم الانبياء، وكان
يدعو إلى الاعتقاد بيوم الجزاء في الاخرة.
وفي
البحار بسنده عن الامام جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده، عن عليّ بن
أبي طالب (ع)، عن النبي (ص) أنّه قال في وصيته له: يا عليّ إنّ
عبدالمطّلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الاسلام:
حرّم نساء الاباء على الابناء، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: (ولا تَنْكِحوا
ما نكح آباؤُكُم من النساء)، ووجد كنزا فأخرج منه الخمس وتصدّق به،
فأنزل اللّه عزّ وجلّ: (واعْلَموا أَنَّ ما غَنِمْتُم من شيء فأنَّ
للّهِ خُمُسَهُ) الاية، ولما حفر زمزم سمّـاها سقاية الحاجّ، فأنزل
اللّه عزّ وجلّ: (أجعلتُم سقاية الحاجِّ وعمارة المسجد الحرام كمن
آمن باللّهِ واليومِ الاخر) الاية، وسنّ في القتل مائة من الابل
فأجرى اللّه عزّ وجلّ ذلك في الاسلام، ولم يكن للطّواف عدد عند قريش
فسنّ فيهم عبدالمطّلب سبعة أشواط، فأجرى اللّه ذلك في الاسلام، يا
عليّ إنّ عبدالمطّلب كان لا يستقسم بالازلام، ولا يعبد الاصنام، ولا
يأكل ما ذُبِحَ على النصب، ويقول: أنا على دين أبي إبراهيم(ع)(74).
وفي
انبعاث الماء من تحت خُفّ راحلته كرامة أكرمه اللّه بها كما أكرم جده
إسماعيل من قبل بجري ماء زمزم له، ومثل هذه الكرامة أكرمها لحفيده
النبي (ص) لما تفجر الماء من حول سهمه في غزوة تبوك(75).
لا
ينافي ما جاء في هذا الحديث: إنّ عبدالمطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن
أجراها اللّه في الاسلام مع ما سبق ذكرنا له، فإنّ إثبات الشيء لا
ينفي ما عداه.
64 أنساب الاشراف (1 / 80 ـ 81)، ويختلف لفظه مع لفظ
طبقات ابن سعد (1 / 103)، وتاريخ ابن عساكر (1 / 69)، وابن كثير (2 /
264 ـ 265)، وراجع: الدلائل للبيهقي (1/51).
65 طبقات ابن سعد ط. أوربا (1 / 70 ـ 71). ويختلف
لفظ الخبر عن هذا في أنساب الاشراف (1 / 82)، وراجع: سبل الهدى (1 /
390).
66 مروج الذهب (2 / 108 ـ 109).
67 السيرة الحلبية (1 / 4)، والنبوية (1 / 21).
68 السيرة النبوية (1 / 20)، وقريب منه في أنساب
الاشراف (1 / 84).
69 إلى هنا جاء الخبر في أنساب الاشراف (1 / 82 ـ
85) متفرقا، وأوردنا لفظ اليعقوبي في تاريخه (2 / 12 ـ 13).
70 البحار (15 / 144 و146 و150).
71 تاريخ اليعقوبي (2 / 13).
72 البحار (15 / 152 ـ 153).
73 طبقات ابن سعد (1 / 118).
74 البحار (15 / 127)، نقلاً عن الخصال (1 / 150).
75 البحار (21 / 235)، عن الخرائج ص 189 في باب
غزوة تبوك.