حفر بئر زمزم:
في
تاريخ الطبري وسيرة ابن هشام ـ واللفظ له ـ عن ابن اسحاق، روى ذلك عن
الامام عليّ (ع) قال:
قال
عبدُ المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آتٍ فقال: احفر طيبة(46).
قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عنّي، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي
فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر بَرّة(47). قال: قلت:
وما برّة؟ قال: ثم ذهب عنّي، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه،
فجاءني فقال: احفر المضنونة(48). قال: فقلت: وما
المضنونة؟ قال: ثم ذهب عنّي، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه،
فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف(49)
أبدا ولا تُذَمّ(50)، تسقي الحجيج الاعظم، وهي بين
الفرث والدم(51)، عند نقرة الغراب الاعصم، عند
قرية النمل.
قال
ابن إسحاق:
فلمّا بيّن له شأنها، ودلّه على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله
ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولدٌ غيره، فحفر فيها،
فلمّا بدا لعبد المطلب الطيّ كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته،
فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا
فيها حقا فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الامر قد
خُصصتُ به دونكم، وأُعطِيتُه من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنّا غير
تاركيك حتىّ نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أُحاكمكم
إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هُذيم(52)، قال: نعم،
قال: وكانت بأشراف(53) الشام، فركب عبد المطلب
ومعه نفر من بني أبيه من بني عبدمناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر،
قال: والارض إذ ذاك مفاوز قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك
المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى
أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم،
وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلمّا رأى
عبدالمطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا ترون؟
قالوا: ما رأينا إلاّ تبع لرأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن
يحفر كل ّ رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الان من القوة، فكلّما مات
رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخرُكم رجلاً واحدا،
فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا، قالوا: نعم ما أمرت به، فقام
كل واحد منهم
فحفر
حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثم إن عبدالمطلب قال لاصحابه:
واللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الارض ولا نبتغي
لانفسنا لعجز، فعسى اللّه أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا،
فارتحلوا، حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم
فاعلون، تقدّم عبدُالمطلب إلى راحلته فركبها، فلمّا انبعثت به انفجرت
من تحت خفّها عينٌ من ماء عذب، فكبّر عبدُالمطلب وكبّر أصحابه، ثم
نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملاوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من
قريش فقال: هلُمّ إلى الماء، فقد سقانا اللّه، فاشربوا واستقوا،
فجاؤوا فشربوا واستقوا، ثم قالوا: قد واللّه قضى لك علينا يا
عبدالمطلب، واللّه لا نخاصمكم في زمزم أبدا، إن الذي سقاك هذا الماء
بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. فرجع
ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبينها.
قال
ابن إسحاق:
فهذا
الذي بلغني من حديث عليّ بن أبي طالب (رض) في زمزم(54).
وكان
من أمره في حفر بئر زمزم أنّه لما أُمِرَ بذلك في المنام حفرها مع
ابنه البكر والوحيد يومذاك الحارث، فنذر إن تمّ له عشرة من الاولاد
أن يتقرّب إلى اللّه بذبح أحدهم، فلما تمّ له العدد بعبداللّه والد
النبي (ص) قدّمهم إلى فناء الكعبة وأقرع، فصارت القرعة على عبداللّه
وكان أحبّ ولده إليه فقدّمه ليذبحه، فمنعته قريش من ذلك وقالت: إن
فعلت ذلك صارت سُنّة في قومك، ولم يزل الرجل يأتي بولده إلى هاهنا
ليذبحه، فقال: إنّي عاهدت ربّي، وإني موفٍ له بما عاهدته، فقال له
بعضهم: افدِه ! فقام وهو يقول:
عاهدت ربّي وأنا موفٍ عهدَهُ
أخافُ ربّي إنْ تركت وعدَهُ
واللّه لا يحمدُ شيء حمده(55)
ثمّ
أحضر مائة من الابل، فضرب بالقِداح عليها، وعلى عبداللّه، فخرجت على
الابل، فكبّر الناس، وقالوا: قد رضي ربّك ! فقال عبد المطلب:
لا همّ ربّ البَلَدِ الُمحَرَّم
الطّيّبِ المبارَك المعظَّمِ
أنت
الذي أعنتني في زمزم(56)
قال
اليعقوبي:
فضرب
بالقِداح ثلاثا فخرجت على الابل فنحرها فصارت الدية في الابل على ما
سنّ عبد المطّلب.
وقال:
ولمّا قدم إبرهة ملك الحبشة صاحب الفيل مكّة ليهدم الكعبة تهاربت
قريش في رؤوس الجبال، فقال عبد المطلب: لو اجتمعنا فدفعنا هذا الجيش
عن بيت اللّه، فقالت قريش: لا بدّ لنا به ! فأقام عبد المطّلب في
الحرم، وقال: لا أبرح من حرم اللّه، ولا أعوذ بغير اللّه، فأخذ أصحاب
إبرهة إبلاً لعبد المطّلب، وصار عبد المطّلب إلى إبرهة، فلمّا استأذن
عليه قيل له: قد أتاك سيّد العرب، وعظيم قريش، وشريف الناس، فلمّا
دخل عليه أعظمه إبرهة، وجلّ في قلبه لما رأى من جماله، وكماله،
ونبله، فقال لترجمانه: قل له: سل ما بدا لك ! فقال: إبلاً لي أخذها
أصحابك، فقال: لقد رأيتك، فأجللتك، وأعظمتك، وقد تراني حيث نهدم
مكرمتك وشرفك، فلم تسألني الانصراف، وتكلّمني في إبلك؟ فقال عبد
المطّلب: أنا ربّ هذه الابل، ولهذا البيت الذي زعمت أنّك تريد هدمه
ربّ يمنعك منه. فردّ الابل، وداخله ذعر لكلام عبدالمطّلب، فلمّا
انصرف جمع
ولده
ومن معه، ثمّ جاء إلى باب الكعبة، فتعلّق به وقال:
لهمّ
! إنْ تعفُ فإنّهم عيالـك.....(57).
يـا
ربّ انّ العبد يمنع رحْلَهُ فامنع رحالك
لا
يغلبـنَّ صليبهـم ومحالهم أبـدا محـالك
فأرسل اللّه عليهم الطير الابابيل(58).
وفي
البحار ما موجزه:
إنّ
عبد المطّلب أرسل ابنه عبداللّه ليأتيه بخبر الجيش ثم صار إلى البيت
فطاف سبعا ثم صار إلى الصفا والمروة فطاف بهما سبعا، وصعد عبداللّه
جبل أبي قبيس ورأى ما فعل الطير بالجيش فجاء وبشّر أباه بذلك، فخرج
عبد المطّلب وهو يقول: يا أهل مكة اخرجوا إلى العسكر وخذوا غنائمكم.
فأتوا العسكر وهم أمثال الخشب النخرة، وليس من الطير إلاّ ما معه
ثلاثة أحجار في منقاره ويديه يقتل بكلّ حصاة منها واحدا من القوم،
فلمّا أتوا على جميعهم انصرف الطير فلم يُرَ قبل ذلك ولا بعده، فلمّا
هلك القوم بأجمعهم جاء عبدالمطّلب إلى البيت فتعلّق بأستاره وقال:
يا حابس الفيل بذي المغمس حبسته كأنّه مكوّس
في مجلس تزهق فيه الانفس
فانصرف وهو يقول في فرار قريش وجزعهم من الحبشة:
طارت قريش إذ رأت خميسا
فظلت فردا لا أرى أنيسا
ولا أحسّ منهم حسيسا
إلاّ أخا لي ماجدا نفيسا
مسوّدا في أهله رئيسا(59)
وفي
مروج الذهب:
فلمّا صدهم اللّه عزّ وجلّ ـ أي ابرهة وجيشه ـ عن الحرم أنشأ عبد
المطّلب يقول:
إنّ للبيت لَرَبا مانعا
مَن يُرِدْهُ بِأَثامٍ يصطلم
رامه تُبّع فيمن جندت
حمير والحي من آل قدم(60)
فانثنى عنه وفي أوداجه
جارح أمسك منه بالكظم
قلت والاشرم تردى خيله
إن ذا الاشرم غرّ بالحرم
نحن آل اللّه فيما قد مضى
لم يزل ذاك على عهد ابْرَهَمْ
نحن دَمَّرنا ثمودا عَنوة
ثم عادا قبلها ذات الارم
(نعبد اللّه وفينا سُنّة
صلَةُ القربى وايفاء الذمم)
لم
تزل للّه فينا حجّة
يدفع اللّه بها عنا النقم(61)
شرح
الابيات:
أ ـ
الاثام: الاثم وجزاء الاثم.
ب ـ
يَصْطَلِم: اصْطَلَمَهم وصَلَمَهُم الدهر أو الموت أو العدوّ:
استأصلهم وأبادهم.
ج ـ
تُبّع: كان يقال لملوك اليمن التبابعة مثل القياصرة لملوك الروم،
والاكاسرة لملوك الفرس. وكان تُبّع الحميري الذي قصد البيت أحدهم.
د ـ
جارح: ما يصيد من الطير والسباع والكلاب.
ه
ـ الكظم: مخرج النفس من الحلق؛ يقال: أخذ بكظمه.
و ـ
الاشرم، شرمه: شقّه من جانبه، وشرم أنفه أو اذنه: شقه من جانبه، ولعل
المراد بالاشرم مشقوق الاُذن أو الانف.
ويظهر من قول عبد المطّلب أنَّ ابرهة كان كذلك.
ز ـ
تردى، أرداه: أهلكه واسقطه.
ح ـ
غُرَّ: غَرَّهُ غَرّا وغُرورا: خدعه وأطمعه بالباطل فهو مغرور وغرير.
ط ـ
إبرهم: مخفف من إبراهيم لضرورة الشعر.
ي ـ
عنوة، أخَذَ الشيء عنوة أي قسرا.
ك ـ
إيفاء الذمم، الذمم مفرده الذمّة: العهد؛ أي فينا ذريّة ابراهيم،
وصلة الرحم والوفاء بالوعد، أو فينا آل اللّه، وهم الانبياء مثل: هود
وصالح وإبراهيم(ع). ومن الجائز أنّه أراد من فينا كلا القبيلين لانّ
في ذرية إبراهيم آل اللّه وحججه، مثل ما كان ذلك في من سبق من أنبياء
اللّه قبل إبراهيم مثل هود وصالح.
في
هذه الابيات يكرر عبدالمطّلب قولاً كان يلهج به من أنّ للبيت ربا
يمنع من يريده بإثم ويصطلمه، ويُذكّر في هذه الابيات خبر تُبّع
الحميري، وكيف أخفق في ما رامه في شأن البيت. ثمّ يعود إلى ذكر خبر
ابرهة ويقول:
قلت
حين هلكت خيل ابرهة ـ المشقوق الاذن أو الانف ـ عندما أراد أن يهجم
على البيت: إنّ هذا الاشرم قد غُرَّ بالحرم.
وبعد
قوله هذا يخبر أنهم أي هو وسلسلة آبائه من ذرية إسماعيل هم آل اللّه
منذ عهد إبراهيم مثلهم في كونهم آل اللّه مثل هود وصالح، وإنّ آل
اللّه هودا وصالحا هما اللّذان دمّرا قوم عادٍ ذات الارم وبعد عادٍ
قوم ثمود، وقد ذكر اللّه تعالى خبر ابرهة كما جاء في كتابه الكريم
وقال:
(ألم
تر كيف فعل ربُّك بأصحابِ الفيلِ * ألم يجعلْ كَيدَهُم في تضليلٍ *
وأرسل عليهم طيرا أبابيلَ * ترميهم بحجارةٍ من سجِّيل * فجعلُهم
كعصفٍ مأكولٍ).
وأخبر سبحانه عن قوم ثمود ومقابلتهم لصالح من آل اللّه حسب تعبير عبد
المطّلب في سورة هود:
(وإلى ثمُودَ أخاهُم صالحا قال يا قومِ اعبُدوا اللّهَ ما لكُم من
إلهٍ غيرهُ...* قالوا يا صالحُ قد كُنت فينا مرجُوّا قبل هذا أتنهانا
أن نعبُد ما يعبُدُ آباؤنا وإنَّنا لفي شكٍّ مما تدعُونا إليه مُريبٍ
* قال يا قومِ أرأيتُم إن كُنتُ على بيِّنةٍ من ربّي وآتاني منهُ
رحمةً... * فلمّا جاء أمرُنا نجَّينا صالحا والّذين آمنوا معه... *
وأخذ الّذين ظلموا الصَّيحةُ فأصبحوا في ديارهم جاثمين *.... ألا
بُعدا لثمود)(الايات:61ـ63 و66 ـ 68)
وكذلك جاء خبرهم في 27 موردا من القرآن الكريم(62).
ثم
أخبر عبدالمطّلب في قوله: وعادا قبلها ذات الارم، إنّ عادا الّذين
دمّرهم اللّه كانوا قبل قوم ثمود، وطابق قوله هذا ما جاء في سورة
الاعراف (الايات 65 ـ 74) وسورة هود (الايات: 50 ـ 68) وسور اُخرى
كذلك(63).
وطابق إخباره بأنّ عادا كانت ذات الارم كقوله تعالى في سورة الفجر:
(ألم
تر كيف فعلَ ربّك بعادٍ * إرمَ ذاتِ العمادِ * الّتي لم يُخلق مثلُها
في البلادِ* وثَموُدَ الّذين جابوُا الصَّخرَ بالوادِ)(الايات: 6 ـ
9)
وهكذا يطابق شعر عبدالمطّلب ما جاء في الذكر الحكيم من أخبار
الانبياء والاُمم البائدة.
وفي
قوله في ما يصف به آباءه ويجمعهم في الوصف مع أنبياء اللّه في
الاتّصاف بالاخلاق الحميدة مثل: صلة الرحم والوفاء بالوعد، فقد وجدنا
صدق قوله في ما مرّ بنا من سيرة آبائه.
وفي
قوله: إنّهم آل اللّه منذ عهد إبراهيم وإنّهم يعبدون اللّه وإنّه لم
يزل فيهم أي في الّذين يصفهم بأنّهم آل اللّه حجّة اللّه الذي يدفع
اللّه به النقم.
أما
كونهم يعبدون اللّه فانّ مفهومه أنّهم لا يعبدون غيره، وقد وجدنا صدق
قوله في أنّا لم نجد في آباء النبي إلى إسماعيل من سجد لصنم قط، أو
قرّب قربانا لصنم قطّ، أو لبّى لصنم في الحج أو حلف بصنم أو أثنى على
صنم في بيت شعر أو قول، ورأينا أنّهم في كل هذه الموارد يسجدون للّه،
ويقربون القرابين للّه، كما فعل عبدالمطّلب في فداء ابنه عبداللّه،
ويحلفون باللّه وحده ويثنون عليه وحده؛ إذا قد صدق عبدالمطّلب في
قوله: إنّهم يعبدون اللّه.
أمّا
انّه لم يزل للّه فيهم حجّة: فإمّا أن يكون اللّه ربّ العالمين قد
ترك مجاوري بيته في مكة والتي يسميها اُمّ القُرى، ترك من يسكن في
اُم القرى وما حولها، وترك الوافدين من انحاء الجزيرة العربية لحج
بيته الحرام، تركهم جميعا أكثر من خمسمائة سنة هملاً ولم يجعل في ما
بينهم من يجدون عنده شريعة الاسلام، حاشا للّه ربّ العالمين من ذلك
كما شرحنا ذلك في بحوث الربوبية في ما سبق من هذا الكتاب؛ وإمّا أن
يكون اللّه ربّ العالمين لم يترك الاجيال المتعاقبة في أكثر من
خمسمائة سنة في اُمّ القُرى وما حولها هملاً بل جعل بينهم من إذا
اراد أحدهم أن يتعلّم منه أحكام دينه استطاع، مصداقا لقوله تعالى: (
والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلنَا) إذا كان اللّه قد جعل في
اُولئكم البشر من يُتمّ بهم الحجّة على اُولئكم الاجيال، فمن يكون
ذلك الهادي إلى دين اللّه غير عبدالمطّلب وسلسلة آبائه إلى عهد
إبراهيم(ع)؟ إي وربّي ربّ العالمين، جعل فيهم من ذرّيّة إبراهيم حججا
للّه أتمّ بهم الحجّة على عباده اُولئكم ودفع اللّه بهم النقم عنهم،
وصدق عبدالمطّلب في قوله:
نحن آل اللّه في ما قد مضى
لم يزل ذاك على عهد ابرهم
لم تزل للّه فينا حجّة
يدفع اللّه بها عنّا النقم
وفي
اُسلوب عبدالمطّلب في ما أنشده من شعر، وخاصّة في هذه الابيات التي
أنشدها في مقام المباهاة على خصمه الهالك إبرهة وجيشه ما تميّز به من
فضائل ومكارم، عمّا كان دأب شعر العرب في الغابر والحاضر فلم يفتخر
بأبيه هاشم وما قام به من إطعام عامّة أهل مكّة في سنة القحط بما
حمّل جماله من الطعام من الشام بدل تحميله إيّاها المال الذي يتاجر
به، ونحر تلك الجمال؛ وذلك ما لم يفعله أيُّ عربي قبله لا حاتم
الطائي ولا من بعده ومن قبله، ولا قرأنا ذلك في أخبار الاُمم، ثم
قيامه بمعالجة أمر الاعتفاد كي لا يستسلم بيت بأسره للموت جوعا، ثم
قيامه بتعليم قريش التجارة إلى أنحاء البلاد المعمورة يومذاك، لم
يُباه عبد المطّلب بذكر شيء من ذاك وكلّ ذلك ممّا انحصر فعله بأبيه
هاشم من بين جميع البشر، وعدم التباهي بمثل هذه الاُمور من خدمة
الخلق من صفات أنبياء اللّه وحججه في خلقه؛ فانّهم لا يمنّون على
الناس بما يجودون به وما يخدمونهم في أمر معاشهم، وإنّما يخبرونهم
بما خصّهم اللّه به وجعلهم سبيل هداية للناس، وهذا ما فعله
عبدالمطّلب عندما قال: (نحن آل اللّه في ما قد مضى)... الابيات.
46 طاب طيبة: زكا وطهر وجاد وحسن ولذّ.
47 البرّة بمعنى البرّ.
48 قيل لها مضنونة: لانّها ضنّ بها على غير
المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق. والمضنونة: الشيء النفيس.
49 لا تنزف: لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها.
50 لا تذم: أي لا توجد قليلة الماء؛ تقول: أذمت
البئر: إذا وجدتها قليلة الماء.
51 بين الفرث والدم محلّ ذبح القربان للالهة
وبالقرب منه كانت قرية للنمل، فلمّا أصبح عبد المطلب وذهب إلى بيت
اللّه جاء غراب أعصم فنقر الارض في ذلك الموضع فعرف عبد المطلب مكان
بئر زمزم.
52 كذا في الطبري، وفي سائر الاُصول: سعد بن هذيم
وهو تحريف لان هذيما لم يكن أباه، وإنما كفله بعد أبيه فاُضيف إليه.
53 أشراف الشام: ما ارتفع من أرضه.
54 سيرة ابن هشام (1 / 154 ـ 156) مطبعة حجازي
بالقاهرة 1356 ه.
55 تاريخ اليعقوبي (1 / 251).
56 مروج الذهب (2 / 104).
57 أوجزت هنا لفظ اليعقوبي في تاريخه (1 / 250 ـ
254)، وجاء الخبر بالفاظ اخرى في كل من سيرة ابن هشام (1 / 54 ـ
168)، وطبقات ابن سعد ط. أوربا (1 / 28 ـ 56).
58 مروج الذهب (2 / 105)، وسيرة ابن هشام (1 /
51).
59 البحار (15 / 132)، نقلاً عن مجالس الشيخ
المفيد وأمالي ابن الشيخ الطوسي (ص49و50)، وذي المغمس: موضع قرب مكة
في طريق الطائف؛ معجم البلدان، وكوّسه: كبّه على رأسه أو قلبه وجعل
أعلاه أسفله، وتكوّس الرجل: تنكّس، والخميس: الجيش.
60 وفي نسخة من آل قرم.
61 مروج الذهب (2 / 106).
62 راجع: مادّة ثمود من المعجم المفهرس لالفاظ
القرآن الكريم.
63 راجع: مادّة عاد من المعجم المفهرس لالفاظ
القرآن الكريم.