كيف عالج هاشم الاعتفاد بمكّة:
روى
القرطبي عن ابن عباس ما موجزه: أن قريشا كانوا إذا أصابت واحدا منهم
مخمصة جرى هو وعياله إلى موضع معروف، فضربوا على أنفسهم خباء فماتوا،
حتى كان عمرو بن عبد مناف، وكان سيدا في زمانه، وله ابن يقال له أسد،
وكان له تِرْب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه، فقال له: نحن غدا نعتفد،
وتأويله: ذهابهم إلى ذلك الخباء، وموتهم واحدا بعد واحد، قال: فدخل
أسد على اُمّه يبكي، وذكر ما قاله تِربُه، قال: فأرسلت اُم أسد إلى
أولئك بشحمٍ ودقيق، فعاشوا به أياما، ثم إنّ تِربَه أتاه أيضا فقال:
نحن غدا نعتفد، فدخل أسد على أبيه يبكي، وخبّره خبر تِربه، فاشتدّ
ذلك على عمرو بن عبد مناف، فقام خطيبا في قريش وكانوا يطيعون أمره،
فقال: إنكم أحدثتم حدثا تقلّون فيه وتكثر العرب، وتذلّون وتعزّ
العرب، وأنتم أهل حرم اللّه جلّ وعزّ، وأشرف ولد آدم، والناس لكم
تبع، ويكاد هذا الاعتفاد يأتي عليكم، فقالوا: نحن لك تبع، قال:
ابتدئوا بهذا الرجل ـيعني أبا تِرب أسدـ فأغنوه عن الاعتفاد، ففعلوا(38).
ثم
جمع كل بني أب على رحلتين: في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام
للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير، حتى صار فقيرهم
كغنيهم؛ فجاء الاسلام وهم على هذا، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر
مالاً ولا أعزّ من قريش، وهو قول شاعرهم:
والخالطون فقيرهم بغنيّهم
حتى يصير فقيرهم كالكافي
فلم
يزالوا كذلك حتى بعث اللّه رسوله محمّدا(ص).
وفي
كيفية تسيير هاشم الرحلتين لتجارة قريش قال البلاذري:
وكان
هاشم بن عبد مناف صاحب إيلاف قريش الرحلتين، وأوّل من سنّها؛ وذلك
أنه أخذ لهم عصما من ملوك الشام، فتاجروا آمنين، ثم إنّ أخاه عبد شمس
أخذ لهم عصما من صاحب الحبشة، وإليه كان متجرهم، وأخذ لهم المطلب بن
عبد مناف عصما من ملوك اليمن، وأخذ لهم نوفل بن عبد مناف عصما من
ملوك العراق، فألفوا الرحلتين في الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق،
وفي الصيف إلى الشام(39).
وقد
أخبر اللّه عن ذلك وقال في سورة قريش:
(لايلاف قُريش*إيلافهم رحلة الشِّتاءوالصَّيف* فليعبُدوا ربَّ هذا
البيت * الَّذي أطعمهُم من جوعٍ وآمنهُم من خوف).
كانت
العرب تتسابق في إكرام الضيف وإطعامه كسبا للفخر ونشرا للذكر الجميل
في المجتمع العربي، وربما كان المال الذي يبذلونه في هذا السبيل قد
استولوا عليه عن طريق الغزو والسلب والنهب أو من الربا والقمار، وان
هاشما لا يرضى بذلك، ومن ثمّ نعرف انّه كان يريد الانفاق في طلب رضا
اللّه سبحانه، ومن أجل ذلك يطعم الجائعين في سنة القحط والجدب،
ويبدّل تجارته إلى حمل الطعام على الابل، وفي مكة نحر الابل التي كان
يتّجر عليها وصنع منها وممّا عليها طعاما لاهل مكة. والاهمّ من ذلك
أنّه عالج الاعتفاد في قومه أبد الدهر، والاهمّ من ذلك ـأيضاـ أنّه
نظّم قوافل تجارية لقريش إلى أنحاء المعمورة، وكان هو يمتهن ذلك
لنفسه، وبما انّ تسيير القوافل التجارية في الجزيرة العربية في غير
الاشهر الحرم
كان
غير ميسور، لما اعتادت عليه القبائل من الاغارة على كلّ ذي نفس ومال
يتيسّر لهم، قام هاشم هو وإخوته باخذ العهود من ملوك الشام وايران
والحبشة، ومن القبائل العربيّة التي تمرّ على أراضيها قوافل قريش،
فقاموا يتاجرون صيفا إلى الشام وايران، وشتاء إلى اليمن وافريقيا،
ولم يسبق لاحد أن صنع مثله من العرب وغيرهم، مثل حاتم الجواد ومن
دونه أو فوقه.
وإنّ
هاشما بما فعل كان رائد قومه في أمر معاشهم ومعادهم، كما كان
الانبياء الذين اجتباهم اللّه لهداية الناس في أمر معاشهم ومعادهم،
واستطاع أن يجعل من أهل مكة أغنى العرب في عصره ومن بعده.
عبد
المطلب بن هاشم
أ -
في سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري ما موجزه:
سمّته أمّه شيبة لشيبة كانت في رأسه، ولمّا ذهب عمّه المطّلب إلى
المدينة وأخذه من اُمّه فدخل به مكّة وقد أردفه خلفه ولمّا رأتهما
كذلك قريش ظنّت أنّه عبده وقالت عبد المطّلب (40)،
وغلب عليه هذا الاسم. ويبدو أنّه كذلك كان أيضاً تسميته بعض آباء
النبيّ مثل هاشم الذي غلب عليه هذا الاسم بعد أن هشم الثريد لقومه
بمكة في سنة الجدب ونسي اسمه عمرو العلى(41)، وكان
اسم عبد مناف المغيرة وسمّته قريش بعبد مناف(42)،
وسمّت قصيّاً مجمّعاً لانّه جمع قريشا في مكّة(43).
ب ـ
في طبقات ابن سعد:
كان
عبد المطّلب أحسن قريش وجها، وأمدّها جسما، وأحلمها حلما، وأجودها
كفّا، وأبعد النّاس من كل موبقة تُفسد الرجال، وكان يَتَألّهُ ويعظم
الظلم والفجور، ولم يره مَلِك قطّ إلاّ أكرمه وشفّعه، وكان سيّد قريش
حتىّ هلك(44).
ج ـ
في مروج الذهب:
ممن
كان مقرا بالتوحيد، مُثبتا للوعيد، تاركا للتقليد، عبد المطلب بن
هاشم... وكان أوّل من سقى الماء بمكة عذبا(45).
38
راجع: لسان العرب: مادّة عفد، وتفسير القرطبي (20 / 204).
39 أنساب الاشراف (1 / 59).
40 راجع ترجمة عبد المطّلب في سيرة ابن هشام
1/145، وتاريخ الطبري 2/335 - 336 ط.بيروت دار الفكر، وجاء في الشعر
تسميته بشيبة الحمد - كما يأتي في ص 237.
41، 42 و 43 راجع تراجمهم في ما مرّ.
44 طبقات ابن سعد ط. اوربا (1 / 50 ـ 51).
45 مروج الذهب (2 / 103 ـ 104).