انتشار عبادة الاصنام في مكّة

وموقف آباء الرسول (ص) منها

مرّ بنا في ما سبق أنّ قبيلة جرهم استأذنت هاجر في السُّكنى معها للارتواء من ماء زمزم فأذنت، ولمّا شبّ ابنها تزوج ابنة مضاض الجرهمي فولدت له أولاده، وولي بعد إسماعيل ابنه ثابت حفيد مضاض الجرهمي، وبعد وفاته غلبت جرهم على حكم مكّة وطغوا وبغوا، فحاربتهم خزاعة وتغلّبت عليهم(23)، فحكموا مكة وولوا أمر البيت الحرام، وتدرّج ولد إسماعيل في التفرّق في البلاد عدا بقيّة منهم لم يبرحوا الحرم(24)، وبقيت خزاعة تحكم مكّة وتلي شؤون البيت الحرام كابرا بعد كابر، حتى ولي منهم عمرو بن لحيّ وكان ذا ثروة عظيمة من الابل يكثر الاطعام، فأصبح قوله وفعله كالشرع المتّبع عندهم(25).

وفي سفر لعمرو بن لحيّ إلى مدن الشام رآهم يعبدون الاصنام فسألهم عنها فقالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: ألا تعطونني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنم هبل، فقدم به مكّة وأمر الناس بعبادته وتعظيمه، ثم أشرك الاصنام في تلبية الحجّ وقال في تلبيته:

(لبّيك اللّهمّ لبّيك لا شريك لك، إلاّ شريك هو لك تملكه وما ملك).

يقصد بشريك اللّه الاصنام ـ معاذ اللّه ـ وغيّر عمرو بن لحيّ حنيفية إبراهيم(ع) وشرّع ـ أيضا ـ غير ذلك؛ فهو الذي بحّر البحيرة، والبحيرة: الناقة التي يمنح درّها ـ حليبها ـ للطواغيت والاصنام، وسيّب السوائب؛ والسائبة التي كانوا يُسيّبونها لاصنامهم فلا يحمل عليها شي‌ء(26).

هكذا انتقلت عبادة الاصنام إلى بلد التوحيد، ثمّ تنامى عددها وعلّقوها على جدران الكعبة، ومن مكة انتقلت عبادتها إلى سائر مدن الجزيرة العربية وشتّى قبائلها، واختفت معالم التوحيد من بينهم وحرّفت شريعة إبراهيم الحنيفة، وسوف ندرس موقف آباء النبي (ص) منها بعد الانتهاء من دراسة سيرهم في ما يأتي بإذنه تعالى.

 قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب

بقيت خزاعة تحكم مكّة وتلي أمر البيت حتى بلغ قصي رُشده، فجمع قومه وبعث إلى أخيه من اُمّه درّاج بن ربيعة العذري يستنصره، فأتاه بمن قدر عليه من قومه قضاعة، فاقتتلوا جميعا مع خزاعة وكثرت القتلى من الفريقين، فحكّموا عمرو ابن عوف الكنانىٍّّ، فقضى بأنّ قُصيّا أولى بالبيت وأمر مكّة من خزاعة، فنفى قُصىٍّّ خزاعة من مكّة وولي الحُكم بمكّة وسدانة البيت الحرام، فجمع قبائل قريش من الشعاب ورؤوس الجبال، وقسّم بينهم أبطح مكة وحاراتها وسُمّي لذلك مجمّعا، وقال فيهم الشاعر:

      أبوكم قصي كان يدعى مجمّعا

                             به جمع اللّهُ القبائل من فهر

وبنى لهم بمكة دار الندوة ليجتمعوا فيه ويتشاوروا في أُمورهم، وبنى البيت بنيانا لم يبنه أحد قبله(27)، وكان قصي ينهى عن عبادة الاصنام من دون اللّه.

 اهتمام قصي بأمر الحجّ والحجيج:

أ ـ في طبقات ابن سعد:

فرض قصي على قريش السقاية والرفادة، فقال: يا معشر قريش إنكم جيران اللّه، وأهل بيته، وأهل الحرم، وإنّ الحاجّ ضيفان اللّه وزوّار بيته، وهم أحقّ الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحجّ، حتى يصدروا عنكم، ففعلوا.

فكانوا يُخرجون كلّ عام من أموالهم خرجا يترافدون ذلك فيدفعونه إليه، فيصنع الطعام للناس أيام منى وبمكة، ويصنع حياضا للماء من أدم فيسقي فيها بمكة ومنى وعرفة، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الاسلام، ثم جروا في الاسلام على ذلك إلى اليوم(28).

ب ـ في تاريخ اليعقوبي:

جمع قصي قريشا حول البيت وحضر الحجّ، فقال لقريش: قد حضر الحج، ولا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام، فليخرج كل انسان منكم من ماله خرجا ! ففعلوا، فجمع من ذلك شيئا كثيرا، فلمّا جاء أوائل الحجّ نحر على كلّ طريق من طرق مكة جزورا، ونحر بمكة، وجعل حظيرة، فجعل فيها الطعام من الخبز واللحم، وسقى الماء واللبن، وغدا على البيت فجعل له مفتاحا وحجبة(29).

وفي أنساب الاشراف:

وقال: لو اتّسع مالي لجميع ذلك لقمت فيه دونكم(30).

ج ـ في السيرة الحلبية ما موجزه:

لما حضر الحج قال ـ قصي ـ لقريش: قد حضر الحج، وقد سمعت العرب بما صنعتم وهم لكم معظمون، ولا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام، فليخرج كل انسان منكم من ماله خرجا ففعلوا، فجمع من ذلك شيئا كثيرا، فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورا ونحر بمكة، وجعل الثريد واللحم وسقى الماء الُمحلّى بالزبيب وسقى اللبن، وهو أوّل من أوقد النار بمزدلفة ليراها الناس من عرفة ليلة النفر، وحاز قصيّ شرف مكة كلّه فكان بيده السقاية والرفادة والحجابة والندوة واللواء والقيادة، وكان عبد الدار أكبر أولاد قصىٍّّ وعبد مناف أشرفهم؛ أي أنّه شرف في زمان أبيه قصي وذهب شرفه كل مذهب، وكان يليه في الشرف أخوه المطلب وكان يقال لهما البدران، وكانت قريش تسمي عبد مناف الفيّاض لكثرة جوده، فقال قصي لابنه عبد الدار: أما واللّه يا بني لاُلحقنّك بالقوم ـيعني أخويه عبد مناف والمطلب‌ـ وان كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له؛ أي بسبب الحجابة للبيت، ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلاّ أنت بيدك؛ أي وهذا هو المراد باللواء، ولا يشرب رجل بمكة إلاّمن سقايتك؛ وهذا هو المراد بالسقاية، ولا يأكل أحد من أهل الموسم إلاّمن طعامك؛ أي وهذا هو المراد بالرفادة، ولا تقطع قريش أمرا من اُمورها إلاّ في دارك ـ يعني دار الندوة ـ، ولا يكون أحد قائد القوم إلاّ أنت وذلك بسبب القيادة، ولما احتضر قال لاولاده: اجتنبوا الخمرة(31).

سبق أن درسنا في سيرة إبراهيم(ع) ظاهرتين من خصائص سنّته:

أ ـ تعميره البيت الحرام ونداؤه بالحج واقامة شعائره.

ب ـ اهتمامه باطعام الضيف واكرامه، ونجد في ذريته قصيّا ومن نذكر خبره في ما يأتي يقومون بالامرين معا، وهكذا يكون أوصياء الرسل والانبياء في إحيائهم سنن الرسول الذي يحفظون شريعته ويبلّغونها للناس، أمّا تسميته ولديه بعبد المناف وعبد العزى فسوف ندرس أمرهما في ذكر سيرة عبد المطلب إن شاء اللّه تعالى.


23  راجع: تاريخ ابن كثير ط. الاُولى (2 / 184 ـ 185).

24  تاريخ اليعقوبي (1 / 222 ـ 238).

25  تاريخ ابن كثير (2 / 187).

26  تاريخ ابن كثير (2 / 187 ـ 189)، وموجزه في أنساب الاشراف للبلاذري (1 / 34).

27  تاريخ اليعقوبي (1 / 238 ـ 240).

28  طبقات ابن سعد ط. أوربا (1 / 41 ـ 42).

29  تاريخ اليعقوبي (1 / 239 ـ 241)، ط. بيروت 1379 ه‍‍.

30  أنساب الاشراف (1 / 52).

31  السيرة الحلبية (1 / 13)، وبعضه بهامشه في السيرة النبوية لزيني دحلان.