نوح عليه السلام
سيرة نوح في القرآن الكريم
قال
اللّه سبحانه:
أ
ـ في سورة الحديد:
(ولقد أرسَلْنا نوحا وإبراهيمَ وَجَعلْنا في ذُرّيّتِهما النبوّة
والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثيرٌ منهُم فاسِقونَ)(الاية: 26).
ب
ـ في سورة العنكبوت:
(ولقد أرسَلْنا نوحا إلى قومِهِ فَلَبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلاّ
خَمسينَ عاما...). (الاية: 14).
ج
ـ في سورة المؤمنون:
(فقالَ يا قومِ اعْبُدوا اللّهَ ما لكُم مِنْ إلهٍ غيرُهُ أَفَلا
تَتَّقُونَ * فقالَ المَلا الّذينَ كَفروا مِن قَومِهِ ما هذا إلاّ
بَشرٌ مثلُكُم يُريدُ أنْ يَتفضَّل عَليكم وَلو شاء اللّهُ لانْزلَ
ملائِكةً ما سَمِعْنا بهذا فيِ آبائنا الاوّلينَ * إنْ هو إلاّ رجُلٌ
بِه جِنَّةٌ فَتَربَّصوا بِهِ حَتّى حِينٍ)(الايات: 23 ـ 25)
د
ـ في سورة الشعراء:
(...
قالَ لُهم أخوهُمْ نوحٌ ألا تَتَّقون * إنّي لكُم رسولٌ أمينٌ *
فَاتَّقوا اللّهَ وأطِيعُونِ)(الايات: 106 ـ 108)
ه ـ في سورة يونس:
(فإن
توَلَّيتُم فما سألتُكُم من أجرٍ إنْ أجْري إلاّ على اللّهِ واُمرْتُ
أن أكونَ مِنَ المُسْلِمينَ)(الاية: 72)
و
ـ في سورة الشعراء أيضا:
(قالوا أنُؤْمِنُ لك واتّبَعكَ الارْذَلُونَ * قالَ وما عِلْمي بِما
كانوا يَعْملَونَ * إنْ حِسابُهُم إلاّ على رَبي لَوْ تَشْعُرونَ *
وَما أنا بِطارِدِ المُؤمِنِينَ * إنْ أنا إلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ*
قالوا لَئِن لم تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكونَنَّ مِنَ
المَرْجُومِينَ)(الايات: 111 ـ 116)
ز
ـ في سورة هود:
(قالَ يا قَومِ أَرَأَيْتُم إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنةٍ مِنْ رَبّي
وَآتاني رَحْمةً مِنْ عِندهِ فَعُمِّيَتْ عَليكم أَنُلْزِمُكُمُوها
وأنتم لها كارِهونَ * ويا قَومِ مَنْ يَنْصُرُني مِنَ اللّهِ إنْ
طَرَدْتُهُم أَفَلا تَذَكَّرُونَ * ولا أقولُ لكم عندي خَزائِنُ
اللّهِ ولا أعْلُم الغَيْبَ ولا أقولُ إنّي مَلَكٌ ولا أقولُ
لِلّذينَ تَزْدَري أعيُنُكم لَنْ يُؤتِيهَمُ اللّهُ خَيْرا اللّهُ
أعلمُ بِما في أنْفُسِهِم إنّي إذا لَمِنَ الظالِمِينَ * قالوا يا
نوحُ قدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
إنْ كُنتَ مِنَ الصّادقِينَ * قالَ إنّما يأتِيكُم بِهِ اللّهُ إنْ
شاء وما أنتُم بِمُعْجِزِينَ) (الايات: 28 و 30 ـ 33)
ح
ـ في سورة نوح:
(قالَ ربِّ إنّي دَعَوْتُ قَومي لَيْلاً وَنهارا * فَلَم يَزدْهُم
دُعائي إلاّ فِرارا * وإنّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لهم
جَعَلوا أَصابِعَهُم في آذانِهِم وَاسْتَغْشَوا ثِيابَهُم وأصَرّوا
واسْتَكْبرَوا اسْتِكْبارا * ثمّ إنّي دَعَوْتُهُم جِهارا * ثّم إنّي
أعْلَنْتُ لهم وأسْرَرْتُ لَهُم إسْرارا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِروا
رَبَّكُم إنَّهُ كانَ غَفّارا * يُرسِلِ السَّماء عليكُم مِدْرارا *
وَيُمْدِدْكُم بِأمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لكم جَنَّاتٍ
وَيَجْعَلْ لكم أنهارا* ما لكم لا تَرْجُون للّهِ وَقارا * وقد
خَلَقَكُم أطْوارا * ألمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللّهُ سَبْعَ
سَماواتٍ طِباقا * وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نورا وَجَعَلَ
الشَّمْسَ سِراجا * واللّهُ أنْبَتَكُم مِنَ الارْضِ نَباتا * ثمّ
يُعِيدُكُم فيها ويُخْرِجُكُم إخراجا * واللّهُ جَعَلَ لكمُ الاَ
رْضَ بِساطا * لِتَسْلُكوا مِنْها سُبُلاً فِجاجا * قالَ نوحٌ رَبِّ
إنَّهُم عَصَوْني واتّبَعوا مَنْ لَمْ يَزدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ
إلاّخَسارا * وَمَكَروا مَكْرا كُبّارا * وقالوا لا تَذرُنَّ
آلهتَكُم ولا تَذَرُنَّ وَدّا ولا سُواعا ولا يَغُوثَ وَيَعُوقَ
وَنَسْرا * وقد أَضَلّوا كثيرا ولا تَزِدِ الظالِميِنَ إلاّ ضَلالاً*
ممّا خَطيئاتِهِم أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارا فَلَمْ يَجِدوا لَهُم
مِنْ دُونِ اللّهِ أنْصارا * وقالَ نوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ على الارْضِ
مِنَ الكافِرِينَ دَيّارا * إنّكَ إنْ تَذَرْهُم يُضِلُّوا عِبِادَكَ
ولا يَلدُوا إلاّ فاجرا كَفّارا * رَبِّ اغْفِرْ لي وَلِوالِدَيّ
وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتَيَ مُؤْمِنا وللمُؤمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ
وَلا تَزِدِ الظالِميِنَ إلاّ تَبارا)(الايات:5ـ28)
ط
ـ في سورة هود أيضا:
(وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُننِا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْني في
الَّذينَ ظَلَموا إنَّهُم مُغْرَقُون* وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وَكُلّما
مَرَّ عليهِ مَلاٌ مِنْ قَومِهِ سَخِروا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا
مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُم كَما تَسْخَرُونَ * فَسوفَ تَعْلَمُون
مَنْ يَأْتِيهِ عذابٌ يُخْزيهِ وَيَحلُّ عَليه عَذابٌ مُقِيمٌ *
حَتّى إذا جاء أمْرُنا وَفارَ التَنُّورُ قُلنا احْمِلْ فيها مِنْ
كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إلاّ مَنْ سَبَقَ عليهِ
القَولُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعهُ إلاّ قَلِيلٌ* وَقالَ
ارْكَبوا فِيها بِسمِ اللّهِ مَجْراها وَمُرْساها إنَّ رَبّي
لَغَفورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْري بِهِم في مَوْجٍ كَالجِبالِ وَنادى
نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا
تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ * قال سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُني مِنَ
الماء قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أمْرِ اللّهِ إلاّ مَنْ رَحِمَ
وَحالَ بَينَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يا
أرْضُ ابْلعِي ماءكِ وَيا سَماء أقْلِعِي وَغِيضَ الماء وقُضِيَ
الامْرُ وَاسْتَوَتْ على الجُوديِّ وَقِيلَ بُعْدا لِلقَوِم
الظّالِمِينَ* وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنّ ابْني مِنْ
أَهْلي وَإنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ * قالَ
يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِك إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالحٍ فَلا
تَسألْنِ ما لَيْسَ لَكَ بهِ عِلْمٌ إنّي أَعِظُكَ أنْ تَكونَ مِنَ
الجاهِلِينَ * قالَ رَبِّ إنّي أَعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيسَ
لي بِهِ علْمٌ وَإلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْني أَكُنْ مِنَ
الخاسِرينَ* قيلَ يا نُوحُ اهْبطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَليكَ
وَعلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُم ثمّ يَمَسّهُم
مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ)(الايات: 37 ـ 48)
ي
ـ في سورة الصافات:
(وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَه هُمُ الباقِينَ * وَتَرَكْنا عَليهِ في
الاخِرِينَ * سَلامٌ على نُوحٍ في العالَمِينَ * إنّا كذلكَ نَجْزِي
الُمحْسِنِينَ * إنّهُ مِنْ عِبادِنا المُؤمِنينَ)(الايات:77ـ81)
ك
ـ في سورة هود أيضا:
(تِلكَ مِنْ أنْباء الغَيْبِ نُوحِيها إليكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها
أنتَ ولا قَومُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ
للمُتَّقِينَ)(الاية: 49)
شرح الكلمات:
أ
ـ فَعُمّيت عليكم:
عمّيت الاخبار والامُور عنه وعليه: خفيت والتبست، وعمّي عليه طريقه:
إذا التبس عليه.
ب ـ
بمعجزين:
من
معانيه: أعجز فلان: سبق فلم يدرك. وهذا المعنى يناسب المقام.
ج
ـ استَغْشوا ثِيابَهم:
استغشى ثوبه، وبثوبه: تغطى به كي يسمع ولا يرى.
د
ـ مِدْرارا:
درّت
السماء أو السحابة: نزل منها المطر غزيرا متتابعا.
ه ـ وقارا:
الوقار: السكون والحلم والعظمة، ويناسب المقام معنى العظمة.
و
ـ أطْوارا:
الطَّور: الحال والهيئة وجمعه أطوار.
ز
ـ طباقا:
طابَقَ بين شيئين طِباقا: جعلها على حذوٍ واحد أو جعل أحدهما فوق
الاخر.
ح
ـ فِجاجا:
الفَجّ: الطريق الواسع وجمعه فِجاج.
ط
ـ تبارا:
تبر
تبارا: هلك.
ي
ـ بِأعيُننا:
أي
مَكلُوءا بحفظنا ورعايتنا.
ك
ـ التنّور:
من
معانيه مفجر الماء، وفي ترجمة نوح بمخطوطة ابن عساكر الورقة329/ألف:
(وكان التنّور في زاوية من مسجد الكوفة).
ل ـ
غِيضَ: غاضَ الماء غَيْضا: نزل في الارض وغاب فيها.
م
ـ الجُوديّ:
قيل:
اختلفوا في محلّه هل هو في جزيرة ابن عمر أم في نواحي الموصل أو في
الغريّ قريبا من نهر الفرات وعلى ربوة النجف أم في غيرها؟ فقد جاء في
قاموس الكتاب المقدس: إنّ سفينة نوح استوت على جبل أرارات الواقع بين
نهر أرس وبحر وان. وفي مادة الجودي من معجم البلدان: الجودي جبل مطلّ
على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي من دجلة من اعمال الموصل؛ عليه
استوت سفينة نوح(ع).
وجاء
في تفسير (واستوت على الجودي) من تفسير الطبري وابن كثير والسيوطي في
رواية: انه في جزيرة ابن عمر، وفي اُخرى انّه في الموصل(27)،
وفي روضة الكافي: (وهو فرات الكوفة)، وقال المجلسي في شرحه بمرآة
العقول: لعلّ في الاصل: قريب الكوفة، فصحّف(28).
وقد
كتب في جواب سؤالي عن هذا الموضوع الاُستاذ الباحث السيّد سامي
البدري وقال:
(جاء
في التوراة المترجمة إلى العربية أنّ سفينة نوح (ع) استقرّت على جبال
(أراراط)، وقال في قاموس الكتاب المقدّس: هذا اللفظ العبري مأخوذ من
الاصل الاكادي (أورارطو) وانه اُطلق على بلاد جبلية تقع شمالي شور
(أي في شمال العراق) على أحد جبالها استقرّ فلك نوح).
أقول: كلمة (أورارطو) الاكادية تتألف من مقطعين هما:
1 ـ
(أور) ومعناه مدينة مثل (أورشليم) أي مدينة السلام، و(أور
الكلدانيّين) أي مدينة الكلدانيين، و(أوربيل) أي مدينة بعل.
2 ـ
(أرطو) أو(أردو) وقد جاء هذا اللفظ بمعان عديدة؛ منها كونه اسما لنهر
الفرات، ومنها كونه اسما قديما لمدينة بابل.
وفي
ضوء ذلك تكون كلمة (أورارطو) معناها الاكدي مدينة الفرات، مدينة
بابل.
ويؤيد ما ذهبنا إليه أنّ الترجمة الارامية للتوراة العبرية في عهد
المسيح(ع) المتداولة لدى اليهود اليوم باسم (ترجوم أونقليوس) ترجمت
(أراراط) إلى (قردو) و(قردون) وعنها أخذت التوراة السريانية.
وقد
ذكر علماء الاشوريات أنّ (قردو) اسم اُطلق على بلاد بابل في
حدود(1500 ق. م) من قبل الكشيين الذين حكموا بابل قرابة أربعمائة
سنة.
وعلى
ذلك يكون المراد من جبال أراراط هي جبال بابل أو جبال الفرات، وهي
مجموعة مرتفعات صخريّة وجبال صغيرة متناثرة تبدأ من ربوات النجف
الثلاث وتستمر إلى الشمال الغربي على جهة بحر النجف والحبّانيّة
وتعرف بـ(الطارات)، وأكثرها ارتفاعا هي ربوة النجف التي تعرف بجبل
(كوفان) في الازمنة القديمة.
وما
جاء في رواية روضة الكافي: (استوت على الجودي وهو فرات الكوفة)
يؤيّده كون (جودي) و(جودا) اسما لفرات الكوفة، كشف عنها التراث
المسماري مؤخّرا، وقد ذكرنا ذلك مُفصّلاً في بحثنا عن طوفان نوح(ع)(29).
قال
المؤلف:
ويؤيّد ذلك أنّ أراضي ما بين النهرين ـ الفرات ودجلة ـ والتي كانت
تسمّى بأراضي السواد لاتصال خضرة الزرع والنخيل فيها من الحيرة ـ
النجف اليوم ـ إلى المدائن ـ بغداد اليوم ـ حتى مصبّ النهرين في
البحر كانت منذ عصر آدم (ع) حتى عصر العبّاسيّين من أفضل الاراضي
لسكنى البشر، خلافا للجبال في شمال العراق ذات الثلوج في شتائها
الطويل.
وتقتضي الحكمة أن ترسو السفينة في مكان صالح لسكنى البشر الذين عدموا
جميع وسائل العيش.
تفسير الايات
(30):
إنّ
بني آدم تكاثروا على مر السنين، ويظهر أنّهم انتشروا في الارض الخصبة
المجاورة لنهري الفرات ودجلة وفروعهما المتشعّبة منهما، وتقدّمت
حضارتهم في عصر نوح (ع) ولم تكن تكفيهم ما نزلت من أحكام الاسلام
للانسان البدائي في عصر آدم (ع) ولا ما نزل على إدريس (ع) مكمّلاً
لما يحتاجه الانسان الريفي في عصره، فبعث اللّه نوحا (ع) إلى قومه
بشريعة تشمل جميع التشريعات التي يحتاجها الانسان الحضري في عصره،
وكان البشر في عصره تدرّجوا إلى عبادة الاصنام: ودّ وسواع ويَغوث
ويعوق ونسر، وكانت تلكم الاصنام في بدايتها تماثيل صنعوها لخمسة
صلحاء كانوا بين آدم ونوح، ثم استدرجهم الشيطان إلى التبرك بها ثم
إلى عبادتها واتّخاذها آلهة لهم دون اللّه، فمكث نوح بينهم ألف سنة
إلاّ خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة اللّه والعمل بأحكام الاسلام ونبذ
تلك الاصنام، فازدادوا بغيا وطغيانا وآذوا نبيّهم ولم يؤمنوا به.
فأخذهم اللّه بحبس المطر عنهم، وكذلك اقتضت حكمة ربّ العالمين أن
يأخذ الامم بعد تكذيبهم رسله بالبأساء والضرّاء لعلّهم يتضرّعون إلى
ربّهم، فطلب نوح(ع) منهم أن يستغفروا ربّهم وبشّرهم انّهم إن فعلوا
ذلك أرسل اللّه عليهم من السماء مطرا غزيرا، ولكنهم اصرّوا واستكبروا
وازدادوا أذىً لنوح (ع)، وكان أحدهم يأتي بولده إلى نوح (ع) ويقول
له: إن عشت بعدي لاتؤمن بهذا المجنون، وأخيرا استحقّوا العذاب المهلك
فعاقبهم اللّه أوّلاً بعقم نسائهم، وأمر نوحا بصنع السفينة فأتمّ
صنعها بتعليم اللّه إيّاه، وفار التنّور وكانت علامة لقيام الطوفان.
وكان التنور كما ذكره ابن عساكر في ـ محل ـ زاوية مسجد الكوفة(31)،
وأركب في السفينة المؤمنين به وما أمره اللّه أن يُركب فيها من
الدوابّ، ثمّ انفجر الماء من الارض وسال من السماء وجرت السفينة بهم
في أمواج كالجبال، ولم يركب مع نوح ابنه، فهاجت بنوح شفقة الابوّة
التي لا يخلو منها أيّ بشر، ونادى ابنه وقال: (يا بُنيّ اركب معنا
ولا تكن معَ الكافِرين * قال سَآوي إلى جَبلٍ يَعْصِمُني مِنَ الماء
قالَ لا عاصِمَ اليومَ مِن أمر اللّه إلاّ مَنْ رَحِمَ وحالَ بينهُما
الموجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِين* فنادى نوحٌ ربَّه فَقالَ رَبِّ
إنَّ ابني مِنْ أهلي وإنَّ وَعدَك الحقُّ وأنتَ أحكُم الحاكِمِين*
قال يا نوح إنّهُ ليسَ مِن أهلِكَ إنّهُ عَمَلٌ غَيرُ صالحٍ فَلا
تَسألْنِ ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْم).
ولمّا علم نوح من خطاب اللّه ما لم يكن يعلم، بأنّ ابنه استحقّ
العذاب بسوء فعله قال: (رَبّ إنِّي أعوذُ بِكَ أنْ أسألكَ ما لَيسَ
لي بهِ علِم...)، ثم أهلكَ اللّه من لم يركب من الانسان والحيوان في
السفينة بعد ذلك وانقطع المطر وغِيضَ الماء ونزل من السفينة بأرض
بابل(32) من كان ركب فيها من انسان وما أركب فيها
نوح من حيوان، ومن بقي من البشر بعد نوح إلى اليوم هم من أولاده
الثلاثة: سام وحام ويافث. ولم تكن قريش تعرف خبر نوح وكان خبره
بالنسبة لهم من أنباء الغيب التي أوحى اللّه بها إلى خاتم
أنبيائه(ص).
كان
ذلك موجز أخبار نوح في تفسير الايات الكريمة وبعض ما جاء من خبره في
مصادر الدراسات الاسلامية. وفي ما يأتي نذكر بحوله تعالى بقية أخبار
نوح في مصادر الدراسات الاسلامية:
أخبار نوح في مصادر الدراسات الاسلامية:
في
تاريخ اليعقوبي ما موجزه:
أوحى
اللّه عزّ وجلّ إلى نوح في أيام جدّه أخنوخ، وهو إدريس النبيّ، وقبل
أن يرفع اللّه إدريس أمره أن ينذر قومه وينهاهم عن المعاصي التي
كانوا يركبونها، ويحذّرهم العذاب، فأقام على عبادة اللّه تعالى
والدعاء لقومه.
ثم
ذكر اليعقوبي وغيره تفصيل ما أوردنا موجزه في تفسير الايات الانفة
وقال اليعقوبي:
وعاش
نوح، بعد خروجه من السفينة، ثلاثمائة وستين سنة، ولما حضرت وفاة نوح
اجتمع إليه بنوه الثلاثة: سام وحام ويافث وبنوهم، فأوصاهم، وأمرهم
بعبادة اللّه تعالى، وأمر ساما أن يدخل السفينة إذا مات، ولا يشعر به
أحد، ويستخرج جسد آدم إلى وسط الارض، في المكان المقدّس ، وقال له:
يا سام؛ إنك إذا خرجت أنت وملكيزدق بعث اللّه معكما مَلَكا من
الملائكة يدلّكما على الطريق، ويُريكما وسط الارض، فلا تعلمنّ أحدا
ما تصنع، فإن هذا الامر وصيّة آدم التي أوصى بها بنيه، وأوصى بها
بعضهم بعضا، حتى انتهى ذلك إليك، فإذا بلغتما المكان الذي يُريكما
المَلَك، فضع فيه جسد آدم، ثم مُرْ ملكيزدق أن لا يفارقه، ولا يكون
له عمل إلاّ عبادة اللّه سبحانه(33).
ودفن
نوح (ع) في المكان الذي توفّي فيه في العراق لِما جاء عن رسول
اللّه(ص): (وَما قُبِضَ نَبيّ إلاّ دُفِنَ حيثُ يُقْبَضُ)(34)
وبناء على ذلك يكون مدفن آدم (ع) ـأيضاـ حيث قُبِض.
27 تفسير الطبري 12/29-.3، وتفسير ابن كثير
446-447، والدر المنثور 3/331، 334-335.
28 روضة الكافي، الحديث 421، وراجع: البحار 11/
303 و313 و333 و338.
29 للاُستاذ البدري دراسات مفصّلة عن بشارات
الانبياء في التراث الشرقي القديم.
30 في تفسير آيات أخبار الانبياء ندرس بإذنه تعالى
ما لها صلة ببحوثنا الاتية.
31 راجع: ترجمة نوح في تاريخ ابن عساكر، مصوّرة
المجمع العلمي الاسلامي، الورقة 329 / ألف.
32 قال الحموي في مادة بابل من معجم البلدان ما
موجزه:بابل اسم ناحية منها الكوفة والحلة، وكان قد نزلها نوح هو ومن
خرج معه من السفينة لطلب الدفء، وهو أوّل من عمّرها فأقاموا بها
وتناسلوا فيها وكثروا من بعد نوح وملّكوا عليهم ملوكا وابتنوا بها
المدائن، واتّصلت مساكنهم بدجلة والفرات إلى أن بلغوا من دجلة إلى
أسفل كسكر ومن الفرات إلى ما وراء الكوفة، وموضعهم هو الذي يقال له
السواد، وكانت ملوكهم تنزل بابل.
33 تاريخ اليعقوبي (1 / 13 و 16)، ط. بيروت 1379
ه.
34 سيرة ابن هشام (4 / 343)، وسنن ابن ماجة ح
1628، وفتح الباري (1 / 529)، وكنز العمّال 18763.