آدم عليه السلام

 

 

قال اللّه تبارك وتعالى:

أ ـ في سورة طه:

(ولقد عَهِدْنا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسيَ وَلَمْ نَجِدْ له عَزْما *... * ثمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عليهِ وَهَدى) (الايتان: 115 و122)

ب ـ في سورة البقرة:

(وَإذْ قالَ ربُّكَ للملائِكةِ إنّي جاعِلٌ في الارضِ خليفةً قالوا أتجْعلُ فيها مَنْ يُفسدُ فيها وَيَسْفِكُ الدماء ونحنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لكَ قالَ إنّي أعْلَمُ ما لا تَعلَمُون * وعَلَّمَ آدَمَ الاسماء كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُم على الملائكةِ فقالَ أَنْبئُوني بأسْماء هؤلاء إنْ كُنتُم صادِقِين * قالوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلاّ ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنتَ العَلِيمُ الحَكِيم * قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُم بأسْمائِهِم فَلَمّا أنْبَأَهُم بأسْمائِهم قالَ أَلمْ أَقُلْ لكُم إنّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والارْضِ وَأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُم تَكْتُمونَ * وإذْ قُلنا للمَلائِكةِ اسْجُدوا لادَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبليسَ أبى واستكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ * وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنتَ وَزَوجُكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنها رَغَدا حَيثُ شئتُما وَلا تَقْرَبا هذهِ الشَّجرَةَ فَتَكونا مِنَ الظالِمينَ * فَأَزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنها فَأَخْرَجَهُما ممّا كانا فيهِ وقُلنا اهْبِطوا بَعْضُكُم لَبعضٍ عَدُوُّ وَلكم في الارْضِ مُسْتَقَرُّ وَمَتاعٌ إلى حِينٍ * فَتَلقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَليهِ إنَّهُ هو التّوّابُ الرَّحِيمُ)(الايات: 30 ـ 37)

ج ـ في سورة آل عمران:

(إنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحا وآلَ إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ عَلى العالَمينَ) (الاية:33)

(أُولئك الّذين آتَيْناهُمُ الكِتابَ وَالحُكْمَ والنبوّة...)(الانعام: 89)

 

شرح الكلمات:

أ ـ اجْتَباهُ:

اجتباه: اختاره واصطفاه لنفسه، وفي مفردات الراغب اجتباء اللّه العبد: تخصيصه إياه بفيض الهي يتحصل له منه أنواع من النعم بلا سعي من العبد، وذلك للانبياء ومن يقاربهم من الصِّدّيقين والشّهداء.

ب ـ تابَ:

التّوبة من العبد: النّدم على المعصية والعزم على تركها، وتدارك ما أمكن تداركه من الاعمال.

ومن الرّبّ:

تاب عليه بالمغفرة ورجع عليه بفضله وقَبِلَ تَوبته.

ج ـ الخليفة:

نقول تتمة لما أوردناه في بحث خلق الملائكة:

جاء من مادة الخليفة في القرآن الكريم بلفظ المفرد والجمع، أو مع ضمير الجمع، وما كان منها بلفظ المفرد كان القصد منها خلافة صفيّ من أصفياء اللّه للّه على وجه الارض، وما كان منها بلفظ الجمع أو مع ضمير الجمع كان القصد منها خلافة ناسٍ متأخّرين لمن سبقوهم على وجه الارض.

فالاول منها جاء في قوله تعالى:

1 ـ في خطابه للملائكة: (إنّي جاعِلٌ في الارْضِ خَلِيفَةً).

2 ـ في خطابه لداود: (يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفةً في الارْض).

ولو كان القصد في الاول أنّ اللّه جاعل في الارض نوع الانسان خليفة، لما كان ثمّةَ وجهٌ لاختصاص داود وتشريفه بجعله خليفةً، في حين أنه كان من ضمن الناس الّذين جعلهم اللّه أبدَ الدّهر خليفته في الارض. وبناء على هذا، فلا بدّ من القول: إنّ القصد في قوله تعالى للملائكة: (إنّي جاعلٌ في الارضِ خليفة) آدم وحده، أو آدم ومن اجتباه من ذريته؛ وهم الذين جعلهم أئمة يهدون الناس.

والثاني منها جاء في قوله تعالى:

1 ـ في ما حكاهُ اللّهُ في سورة الاعراف من خطاب هود لقومه:

(.. وَاذْكُروا إذْ جَعَلَكُم خُلَفاء مِنْ بَعْدِ قَومِ نُوحٍ...)(الاية: 69).

2 ـ وخطاب صالح بعد ذلك لقومه: (وَاذْكُروا إذْ جَعَلكُم خُلَفاء مِنْ بَعْدِ عادٍ...)(الاية: 74)

وكيف يكون أعداء اللّه أمثال: قوم عاد وقوم ثمود ومن قَبلهم قوم نوح ـ‍ ممّن أبادهم اللّه وأفناهم من وجه الارض ـ خلفاء للّه على وجه الارض؟!

وبناء على ما ذكرناه يكون القصد في قول هود (ع) لقومه: (جَعَلكُم خُلفاء مِنْ بَعْدِ قَومِ نُوحٍ): جعلكم خلفاء قوم نوح في الارض. وفي قول صالح لقومه: (جَعلكُم خُلفاء مِنْ بَعْدِ عادٍ): جعلكم خلفأهم في الارض من بعدهم.

وكذلك الامر مع القسم الثالث الذي جاء مع ضمير الجمع، مثل قوله تعالى في حكاية قول يونس لقومه في سورة الاعراف: (عَسى ربُّكُمُ أنْ يُهلِكَ عدُوَّكم وَيسْتَخلِفَكم في الارْضِ...)(الاية: 129)

فإنّ القصد: يستخلفهم اللّه في الارض بدلاً من أعدائهم.

د ـ الاسماء:

للاسم في لغة العرب معنيان:

1 ـ اللفظ الذي يدلُّ على مُسمّى به يُميّز ويُعرَف؛ مثل: مكّة علما للبلد الذي فيه الكعبة بيت اللّه الحرام، وأسماء الاشخاص في عصرنا، كيوسف وفيصل وعباس... الخ.

2 ـ اللفظ الذي يدلّ على حقيقة المسمّى أو صفته؛ مثل: (اسم) في قوله تعالى: (سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الاعْلى)(الاعلى: 1)

إذ ليس معنى (اسم ربك) هاهنا لفظ ربك، فيكون المعنى: سبِّح لفظ ربك، وإنما معناه صفة ربك فيكون المعنى: سبح صفة ربك، أي: نزّه ربوبيةَ ربِّكَ الاعلى عمّا لا يليق بذكره.

ومن هذا الباب قوله تعالى: (وعلّمَ آدَمَ الاسماء كُلَّها)، وليس معنى الاسمأ التي علّمها اللّه لادمَ خليفته أسماء عواصم البلدان: بغداد، وطهران، ولندن. وأعضاء جسد الانسان: العين، والرأس، والرّقبة. وأسماء الفواكه: التين، والزيتون والرمان، والاحجار: الياقوت، والدر، والزبرجد، والمعادن: الذهب، والفضة والنُّحاس، والحديد... إلى ما لا يحصى من الالفاظ التي سَمّى البشر بها الاشياء بلغاتهم، وإنما القصد أنّه علّمه ـ بصفته خليفة اللّه في الارض‌ـ صفات الاشياء وحقائقها. وسيأتي تمام البحث في بحث وللّه الاسماء الحسنى إن شاء اللّه تعالى.

ه‍‍ ـ نُسبّح بحمدك:

سبّح تسبيحا: نزّه اللّه أو قال: سبحان اللّه؛ أي: التنزيه للّه.

و ـ نقدّس:

قدّس للّه تقديسا: طهّرَ نفسه له، وصلّى له وعظّمه وكبّره، ونزّهه عمّا لا يليق بِأُلوهِيَّته.

 

تفسير الايات:

إنّ اللّه قَبِلَ توبة آدم، واجتباه واصطفاه لوحيه، كما اصطفى سائر أنبيائه لهداية الناس.

وفي طبقات ابن سعد ومسند أحمد ـ واللفظ للاول ـ:

سئل رسول اللّه (ص) عن آدم، أنبيّا كان أو مَلَكا؟ قال: بل نبيّ مكلّم.

عن أبي ذر قال: قلت للنبي (ص): أي الانبياء أول؟

قال: آدم، قلت: أَوَنبيّا كان؟ قال: نعم. قال: قلت: فكم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر جمّا غفيرا(13).

وكان مما جاء في شريعته من المناسك: الحج، والطواف حول بيت اللّه الحرام، والجمعة.

وفي طبقات ابن سعد:

أنّ رسول اللّه (ص) قال: يوم الجمعة سيّد الايّام وأعظمها عند اللّه، خلق اللّه فيه آدم، وأهبط فيه آدم إلى الارض، وفيه توفّى اللّه آدم(14).

كان آدم(ع) نبيا آتاه اللّه الكتاب والحكم لهداية البشر الذين كانوا في زمانه، وهم زوجته وذريته. ولم يكن من الرسل المبشّرين والمنذرين من اُولي العزم؛ ودفن في أرض العراق التي توفي فيها، كما جاء عن رسول اللّه (ص)، وأوصى في حياته إلى ابنه شيث بحفظ شريعته وحملها إلى الناس من بعده، كالاتي خبره بإذنه تعالى.

 


 

13  طبقات ابن سعد. ط. بيروت 1376، 1 / 32 و34، وط. أوربا 10 و12، ومسند أحمد 5/178

و179 و5 / 265 ـ 266، وتاريخ الطبري ط.اوربا 1 / 152، وقد مرّ بنا الحديث في مصادر اُخرى بألفاظ‍ أخرى.

 

14  طبقات ابن سعد ط. أوربا 1 / 8، وط. بيروت 1 / 30.