المشهد الرابع: داود وسليمان(ع)

أ ـ في سورة ((ص)):

(واذكر عبدنا داود ذا الايد انه أواب * إنّا سخّرنا الجبال معه يسبّحن بالعشي والاشراق * والطير محشورةً كل له أوّابٌ * وشددنا ملكه وآتيناه الحكمةَ وفصلَ الخطابِ *..... * يا داود انا جعلناك خليفةً في الارضِ فاحكم بين الناس بالحق.... )(الايات: 17 ـ 20 و 26)

ب ـ في سورة سبأ:

(ولقد آتينا داود منَّا فضلاً يا جبالُ أوّبي معهُ والطَّيرَ وألنَّا لهُ الحديدَ * أن اعمل سابغاتٍ وقدّر في السَّردِ....)(الايتان: 10 و 11)

ج ـ في سورة الانبياء:

(وسخَّرنا مع داوُدَ الجبالَ يُسبّحن والطَّيرَ وكُنَّا فاعلينَ * وعلَّمناهُ صنعةَ لبُوسٍ لَكُم لتُحصنكُم من بأسكُم فهل أنتُم شاكرُونَ)(الايتان: 79 و 80)

د ـ في سورة ((ص)):

(ووهبنا لسليمانَ داودَ نعم العبدُ انه أوّابٌ * قال ربِّ اغفر لي وهب لي مُلكا لا ينبغي لاحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهَّابُ * فسخَّرنا لهُ الرّيحَ تجري بأمرِه رُخاء حيثُ أصاب * والشَّياطين كُلَّ بنَّاء وغوَّاصٍ * وآخرينَ مُقرَّنين في الاصفادِ)

(الايات: 34 ـ 38)

ه‍‍ ـ في سورة النمل:

(ولقد آتينا داوُد وسُليمان علما وقالا الحمدُ للّه الَّذي فضَّلنا على كثيرٍ من عبادِه المؤمنينَ * وورث سُليمانُ داوُدَ وقال يا أيُّها النَّاسُ عُلّمنا منطق الطَّيرِ وأُوتينا من كُلّ شي‌ء إنَّ هذا لهُو الفضلُ المُبينُ * وحُشر لسُليمان جُنُودُهُ من الجنِّ والانسِ والطَّيرِ فهُم يُوزعُونَ * حتَّى إذا أتوا على وادِ النَّملِ قالت نملةٌ يا أيُّها النَّملُ ادخُلُوا مساكنكُم لا يحطمنَّكُم سُليمانُ وجُنُودُهُ وهُم لا يشعُرُونَ * فتبسّم ضاحكا من قولها وقال ربِّ أوزعني أن أشكُر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحا ترضاهُ وأدخلني برحمتِك في عبادِك الصَّالحينَ * وتفقَّد الطَّير فقال ما لي لا أرى الهُدهُدَ أم كان من الغائبينَ * لاُعذّبنَّهُ عذابا شديدا أو لاذبحنَّهُ أوليأتينّي بسُلطانٍ مُبينٍ * فمكث غير بعيدٍ فقال أحطتُ بما لم تُحط‍ به وجئتُك من سبأٍ بنبأٍ يقينٍ * إنّي وجدتُ امرأةً تملكُهُم وأُوتيت من كُلّ شي‌ء ولها عرشٌ عظيمٌ* وجدتُها وقومَها يسجُدُون للشَّمسِ من دُون اللّهِ وزيَّن لهُمُ الشَّيطانُ أعمالهَم فصدَّهُم عن السَّبيلِ فهُم لا يهتدُونَ *... * قال سننظُرُ أصدقت أم كُنت من الكاذبينَ * اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثُمَّ تولَّ عنهُم فانظُر ماذا يرجعُونَ * قالت يا أيُّها الملاُ إنّي أُلقي إليَّ كتابٌ كريمٌ * إنَّهُ من سُليمانَ وإنَّهُ بسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ * أَّلا تعلُوا عليَّ وأتُوني مُسلمينَ * قالت يا أيُّها الملاُ أفتُوني في أمري ما كُنتُ قاطعةً أمرا حتَّى تشهدُونِ * قالُوا نحنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بأسٍ شديدٍ والامرُ إليك فانظُري ماذا تأمُرينَ * قالت إنَّ الملوك إذا دخلُوا قريةً أفسدُوها وجعلُوا أعزَّةَ أهلها أذلَّةً وكذلك يفعلُونَ * وإنّي مُرسلةٌ إليهم بهديّةٍ فناظرةٌ بم يرجعُ المُرسلُونَ * فلمَّا جاء سُليمانَ قال أتُمدُّوننِ بمالٍ فما آتانيَ اللّهُ خيرٌ ممّا آتاكُم بل أنتُم بهديَّتكُم تفرحُونَ * ارجع إليهم فلنأتينَّهُم بجنُودٍ لا قبل لهُم بها ولنُخرجنَّهُم منها أذلَّةً وهُم صاغُرونَ * قال يا أيُّها الملاُ أيُّكُم يأتيني بعرشِها قبل أن يأتُوني مُسلمينَ * قال عفريتٌ من الجنِّ أنا آتيك به قبل أن تقُوم من مقامِك وإنّي عليه لقويُّ أمينٌ * قال الَّذي عندهُ علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتدَّ إليك طرفُك فلمَّا رآهُ مُستقرّا عندهُ قال هذا من فضلِ ربّي ليبلُوني أَأشكُرُ أم أكفُرُ ومن شكر فإنَّما يشكُرُ لنفسِه ومن كفر فإنَّ ربّي غنيُّ كريمٌ * قال نكّرُوا لها عرشَها ننظُر أتهتدي أم تكُونُ من الّذين لا يهتدُونَ * فلمَّا جاءت قيل أهكذا عرشُكِ قالت كأنَّهُ هُو وأُوتينا العلمَ من قبلها وكُنَّا مُسلمينَ * وصدَّها ما كانت تَعبُدُ من دُونِ اللّهِ إنَّها كانت من قومٍ كافرينَ * قيل لها ادخُلي الصَّرحَ فلمَّا رأتهُ حسبتهُ لُجَّةً وكشفت عن ساقيها قال إنَّهُ صرحٌ مُمرَّدٌ من قواريرَ قالت ربِّ إنّي ظلمتُ نفسي وأسلمتُ مع سُليمانَ للّهِ ربِّ العالمينَ)(الايات: 15 ـ 24 و 27 ـ 44).

و ـ في سورة سبأ:

(ولسُليمانَ الرّيحَ غُدُوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ وأسلنا لهُ عينَ القطرِ ومن الجنِّ من يعملُ بين يديه بإذنِ ربِّه ومن يزغ منهُم عن أمرِنا نُذقهُ من عذابِ السَّعيرِ * يعملُون لهُ ما يشاء من مَحاريبَ وتماثيلَ وجفانٍ كالجوابِ وقُدُورٍ رَاسياتٍ اعملُوا آلَ داوُدَ شُكرا وقليلٌ من عباديَ الشَّكُورُ * فلمَّا قضينا عليه الموتَ ما دلَّهُم على موتِه إَّلا دابّةُ الارض تأكُلُ منسأتهُ فلمَّا خرَّ تبيّنت الجنُّ أن لَو كانُوا يعلمُون الغيب ما لبثُوا في العذابِ المهينِ)(الايات: 12 ـ 14)

 شرح الكلمات:

أ ـ ذا الايد: آد يئيدُ أيدا: اشتد وقوي، وذا الايد صاحب القوة.

ب ـ أوّاب: آب إلى اللّه: رجع عن ذنبه وتاب، فهو آئبٌ وأوّاب. والمعنى هنا: رجع الى مرضاة اللّه.

ج ـ أوّبي: أي رجّعي معه في التسبيح.

د ـ سابغات: سبغ الشي‌ء سبوغا: تم وطال واتسع، وسابغات أي دروعا تامّات الصنع.

ه‍‍ ـ قدّر في السرد: السرد: نسج الدروع، ومعنى قدّر في السرد: انسج الدروع متناسبةً مساميرها وثقوبها فلا تتقلقل ولا تنفصم.

و ـ رُخاء: ليّنة.

ز ـ مقرّنين في الاصفاد: مقرّنين: مشدودين بعضهم ببعض، والاصفاد جمع الصفد، ما يشدّ به. والمعنى: مشدودين بعضهم ببعضٍ في ما شدّوا به.

ح ـ محشورةً: حشرهم: جمعهم وساقهم.

ط ـ يوزعون: وزع الجيش: رتّب فرقه وسوّاهم وصفّهم للحرب.

ي ـ عفريت: أقوى الجانّ واخبثه.

ك ـ صرحٌ ممّردٌ من قوارير: الصرح: البيت المزيّن والبناء العالي، ويعبّر عنه المعاصرون ب‍‍ ((العمارات)). وممرّدٌ: مملّسٌ.

وقوارير: الزجاج. والمعنى: بناء مزينٌ عالٍ ارضه من زجاجٍ املس.

ل ـ لُجّة: اللّجّة وجمعها اللُّجج: الماء الكثير تصطخب امواجه.

م ـ اسلنا له عين القطر: سال المائع: جرى، والقطر: النحاس المذاب. والمعنى: اجرينا له عين النحاس المذاب.

ن ـ يزغ عن امرنا: زاغ عن الطريق: عدل، والمعنى: ومن يخالف من الجنّ امر سليمان نبيّ اللّه نعذّبه.

س ـ السّعير: النار ولهبها.

ع ـ جفان كالجوابي: جفان، جمع جفنة: وعاء كبيرٌ للطعام، والجوابي: حوض كبير. والمعنى: اوعية للطعام كالبئر في سعته.

ف ـ قدور راسيات: قدر راسيةٌ: قدر كبيرةٌ لا يطاق تحويلها من مكانها لكبرها. والراسي: الجبل الثابت الراسخ. ومع كل ذلك الملك والسلطة.

ص ـ دابّة الارض: حشرة الارضة التي تأكل الخشب.

ق ـ المنسأة: العصا.

 تفسير الايات:

واذكر يا رسول اللّه عبد اللّه داود القوىٍّّ الاوّاب إلى مرضاة اللّه إذ سخّر اللّه له الجبال تسبّح بتسبيحه صباحا ومساء والطيور مجتمعه عليه تسبّح معه، وقوّى ملكه بالهيبة والجنود وآتاه النبوّة والاصابة في الامور والقول البيّن الذي فيه فيصل الامور، وليّن في يده الحديد ليعمل منه دروعا متقنة النسيج، وهو أول من صنع الدروع للحروب.

ووهب اللّه له ابنه سليمان وكان اوّابا لمرضاة اللّه وإنّ سليمان قال: ربّ اغفر لي وامنحني ملكا لا يكون مثله لاحدٍ من بعدي فسخّر اللّه الريح تطيعه وتجري بامره حيث شاء، وجعل له جنودا من الجنّ والانس والطير وعلّمه منطق غير الانسان، وسخّر له الجنّة تبني له ما أراد وتغوص في البحر وتستخرج له اللؤلؤ وبعضهم مقيّدون في الاغلال، وانّه مرّ بجيشه على وادي النمل فسمع نملة تنذر النمل وتقول: يا ايّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بذلك؛ فشكر سليمان ما انعم اللّه عليه وعلى والديه، وتفقّد الطير ولم يرَ الهدهد بين الطير فوق رأسه فقال لاُعذّبنّه أو لاذبحنّه او يأتيني بعذر بيِّن لغيبته فلم يمكث زمانا طويلاً اذ جاءه الهدهد يخبره عن سبأ وهم أهل اليمن، وقال:

وجدت امرأة تملكهم ولها سرير ملك عظيم وهي وقومها يسجدون للشمس ولا يسجدون للّه، قال سليمان: سننظر في قولك اصدقت ام انت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه اليهم وابتعد عنهم وانظر ماذا يقولون، وكان فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم ألاّ تعلوا عليّ واتوني مسلمين.

يدلّنا هذا الكتاب على أنّ الاسلام كان اسما للشرائع السابقة، وان البسملة كانت مستعملة في شرائعهم، ولمّا تلقّت الملكة بلقيس الكتاب استشارت قومها في ما تجيب به سليمان فقالوا: نحن اصحاب شجاعة وشوكة وجنود والامر اليك بعد ذلك، قالت: إنّ الملوك إذا دخلوا بلدة أفسدوها وجعلوا أعزّة اهلها اذلّة وسأُرسل إلى سليمان بهديّة وأنظر ماذا يكون الجواب، وقال سليمان للرسل الذين حملوا إليه الهدايا ما آتاني اللّه خير مما آتاكم وردّها إليهم وقال: فلنأتينّهم بجنود لا طاقة لهم بها ولنخرجنّهم من بلدهم اذلاّء. ثم خاطب من حضره من جنوده وقال: من يأتيني بعرشها؟ قال عفريت مارد قويّ من الجنّ: أنا آتيك بعرشها قبل ان تقوم من مجلسك،  وكان مدّة جلوسه نصف يوم، وقال الذي عنده علم من الكتاب ـ الكتب المنزلة ـ قيل كان ذلك الشخص وزيره آصف بن برخيا: انا آتيك به قبل ان تحّرك اجفانك فلما أحضرها أمامه شكر اللّه على ما انعم عليه وقال: غيّروا هيئة عرشها لنختبر عقلها، ثم سألوها وقالوا لها: أهذا عرشك؟ قالت: كأنّه هو. ثم قيل لها: ادخلي القصر وكانت ارضه من زجاج ابيض تحته ماء فظنّته ماء وكشفت عن ساقها في مشيها فأخبروها بانه من زجاج املس تحته ماء، واسلمت بلقيس بعد مُشاهدتها ما يعجز البشر عن الاتيان بمثله.

وكذلك اجرى اللّه لسليمان (ع) عين النحاس المذاب وكانتِ الجنّة تعمل له ما يشاء من ابنية رفيعة وتماثيل من جذوع الشجر وامثاله، واوعية للطعام كبيرة عميقة كالبئر وقدور كبيرة لا يطاق تحويلها لكبرها. وصعد ذات يوم سطح قصره واتّكأ على عصاه مشرفا على عمل العاملين له من الجنّ الدائبة في ما سخّرها لعمله فأماته اللّه كذلك وبقي ايّاما بهيئة الواقف المشاهد للاعمال، والجنّة دائبة في عمل ما سخّرها له ولا تعلم بموت سليمان حتى اكلت الارضة عصاه التي كانت من خشب، فسقط جسده من السطح الى الارض. وبذلك علم أنّ الجنّة لو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا بعد موته في

العذاب المهين الشاقّ !