مواضع العبرة في تفسير الايات:
كان
فرعون يذبح الذكور من مواليد بني اسرائيل لما بلغه انّه يولد فيهم
ولد يكون هلاكه وهلاك قومه على يده، وشاءت حكمة الربوبيّة ان يربي
فرعون بنفسه ذاك الوليد، وكان ما شاء اللّه ونشأ الوليد في بيت فرعون
حتى بلغ اشدَّه(3)، وخرج من قصر فرعون ذات يوم ودخل
المدينة على غفلة منهم فرأى قبطيا وسبطيا(4)
يقتتلان، فاستغاثه السبطي على القبطي فوكز القبطي وقضى عليه فأتمر
قوم فرعون على قتله فخرج من مصر خائفا يترقب، وسار حتى بلغ مدين
فاستأجره نبىٍّّ اللّه شعيب لرعي ماشيته ثماني سنوات أو عشرا ويزوجه
احدى ابنتيه، واعطاه عصا ورثها من
الانبياء لرعي الماشية(5) فلمّا قضى موسى الاجل سار
بأهله حتى بلغ وادي سيناء، فتراءت له نارٌ في ليلة باردة فسار اليها
ليأتي منها بقبس أو يجد على النار من يرشده الى الطريق، فلما أتاها
نودي: يا موسى اني انا اللّه ربّ العالمين(6) وألقِ
عصاك فلمّا رآها تهتز كانّها جان ولّى مدبرا ولم يُعقّب فناداه
اللّه: يا موسى لا تخف سنعيدها سيرتها الاولى فمدّ يده اليها فعادت
كما كانت عصا من خشب، وقال اللّه له: وادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء
من غير سوء، اذهب بهما في تسع آيات الى فرعون وقومه قال: رب ارسل معي
أخي هارون هو افصح مني لسانا، قال سنشُدُّ عضدك باخيك اذهبا الى
فرعون انه طغى وقولا له قولا لينّا لعلّه يذّكّر أو يخشى فأْتياه
فقولا إنّا رسولا ربّك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذّبهم. وبلّغ
كليم اللّه رسالة اللّه إلى فرعون وملئه وأراهم اللّه على يد موسى
آياته التسع، فكذب فرعون وابى وقال: اجئتنا لتخرجنا من ارضنا بسحرك
يا موسى؟ فلنأتينك بسحر مثله، فجمع السحرة في يوم عيد لهم، فقالوا:
يا موسى إمّا ان تلقي وإما ان نكون اوّل من ألقى قال: بل القوا فلمّا
القوا سحروا اعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم.
وماجت الساحة في اعين الناس بالحيّات الزاحفة، فقال اللّه سبحانه
لموسى: ان الق عصاك فاذا هي تلقف ما يأفكون، فلم يبق في ساحة العرض
الواسعة اثر مما ألقوا، عند ذاك مدّ موسى(ع) يده إلى الثعبان العظيم
الذي ابتلع كلّ تلك الحبال والعصيّ فعاد في يده عصا كما كانت. وادرك
السحرة ان ابتلاع عصا موسى كل تلكم الحبال والعصيّ وافناءها ابد
الدهر ليس من باب السحر بل هو من آيات اللّه الكبرى، فالقي السحرة
سجّدا قالوا: آمنا بربّ العالمين ربّ موسى وهارون، قال فرعون : آمنتم
به قبل ان آذن لكم لاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ولاُصلّبنّكم
قالوا: لا ضير انا الى ربنا منقلبون، وتوالت على فرعون انواع العذاب
من الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم، وكلّما وقع عليهم رجز
قالوا: يا موسى ادع لنا ربّك لئن كشف عنّا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن
معك بني اسرائيل، وكشف اللّه عنهم الرجز بعد الرجز بدعاء موسى واذا
هم ينكثون العهد، فاوحى اللّه الى موسى ان اسر بعبادي فسار بهم ليلاً
الى البحر الاحمر، فاتبعهم فرعون وجنوده وادركوهم صباحا، فقال بنو
اسرائيل: إنّا لمدركون، فأمر اللّه موسى فضرب بعصاه البحر فانفلق عن
اثني عشر طريقا يبسا، فاتبعهم فرعون وجنوده حتى اذا خرج آخر اسرائيلي
من البحر ودخل آخر قبطي فيه اطبقت المياه عليهم اجمعين، فقال فرعون:
آمنت أن لا إله الاّ الذي آمنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين،
فقال له: آلان وقد عصيت من قبل فاليوم ننجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك
آية. وصدق اللّه العظيم فان جسده المحنّط لا يزال في متاحف مصر
معروضا للمشاهدين وكنت ممّن شاهده واعتبر به.
وبعد
ان جاوز اللّه ببني اسرائيل البحر واغرق عدوهم وساروا في صحراء سيناء
مرّوا على قوم يعبدون اصناما لهم، فقالوا: يا موسى اجعل لنا الها كما
لهم آلهة، قال: انكم قوم تجهلون ان هؤلاء باطل عملهم، اغير اللّه
اطلب لكم الها وهو فضّلكم على العالمين ـ في عصرهم ـ؟ بارسال
الانبياء منهم وفيهم، واتم عليهم أنواع النعم ظلل عليهم الغمام
يحميهم حر الشمس واطعمهم المنّ والسلوى، ولكنّهم عصوا امر اللّه
عندما امرهم ان يدخلوا الباب سُجّدا شكرا للّه ويقولوا: حطّ ذنوبنا
حطّا، فدخلوا الباب من ادبارهم وقالوا: حنطة حمراء و ـ ايضا ـ عصى
امر اللّه منهم سكان القرية جيران البحر الذين نهاهم اللّه عن صيد
السمك يوم السبت حين تأتيهم الاسماك ظاهرة على الماء، فعصوا امره
واصطادوها يوم السبت فمسخهم اللّه قردة خاسئين، وبعد ان ملك بنو
اسرائيل امرهم في سيناء واصبحوا مجتمعا انسانيا واحتاجوا شريعة
لمجتمعهم واعد اللّه نبيه موسى جانب جبل الطور الايمن ان يؤتيه
التوراة بعد ثلاثين ليلة، وذهب لمناجاة ربّه وخلف في قومه اخاه هارون
وأكمل رب العالمين موعده مع موسى بعشر ليالٍ فتمّ ميقات ربّ العالمين
أربعين ليلة، ففتنهم السامري واضلّهم وجمع منهم حُليّ الذهب التي
كانوا قد استعاروها من قوم فرعون وأذابها وصنع لهم منها مجسّمة
كالعجل والقى في فيه من تراب موطئ حافر فرس جبرائيل، وكان قد تمثّل
بصورة انسان راكب على فرس عندما هبط على موسى.
وبسبب ذلك كان يخرج من فم مجسمة العجل صوت يشبه خوار العجل وكان ذلك
كل ما امتازت به تلكم المجسّمة، كذلك سوّلت للسامري نفسه وأغرته
بذلك، فقال له موسى (ع): اذهب طريدا في البراري ان مسّك أحد تأخذك
واياه الحمى.
فتقول لامساس لا تمسّوني ولك بعد ذلك موعد يوم القيامة بعذاب اللّه،
وانظر الى إلهك الذي عكفت على عبادته لنحرّقنه بالنار ثم نذريه في
البحر، إن إلهكم اللّه جل وعلا.
وبعد
فناء العجل المعبود وهرب السامري الى البراري ادرك عُبّاد العجل من
بني اسرائيل خطأهم، واستسلموا لامر اللّه ليقتلهم المؤمنون الذين لم
يعبدوا العجل منهم، وكان ذلك توبتهم من حوبتهم، وبعد مباشرتهم بذلك
تقبّل اللّه توبتهم بشفاعة نبيهم موسى (ع)، وايضا لم يقبل بنو
اسرائيل من موسى انه كليم اللّه وانّه جاءهم منه بالتوراة، وطلبوا
منه ان يشهدوا ذلك ويروه بأنفسهم، فاختار منهم سبعين رجلاً وذهب بهم
لجبل الطور، ولما سمعوا كلام اللّه قالوا: ارنا اللّه جهرة فأخذتهم
الزلزلة وهلكوا، فخشي موسى ان لا يصدقه بنو اسرائيل ان أخبرهم بذلك،
فتضرّع الى اللّه واستجاب اللّه دعاءه وأحياهم.
وأيضا قال لهم موسى (ع): يا قوم ادخلوا الارض المقدّسة التي كتبها
اللّه لكم، قالوا: يا موسى ان فيها قوما جبّارين ولن ندخلها ابدا حتى
يخرجوا منها فاذهب انت وربّك وقاتلا انا هاهنا قاعدون، وقال لهم كالب
ويوشع: ادخلوا عليهم الباب فانكم غالبون، وقال موسى: ربّ اني لا املك
الاّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، فقال اللّه سبحانه:
فانّها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض فلا تأس على القوم
الفاسقين. فتاهوا فيها اربعين سنة يسيرون في برد الليل إلى الصباح
فاذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه، وتوفي في التيه هارون ثم موسى
عليهما السّلام وسار بهم وصيّ موسى يوشع وحارب الجبارين الذين كانوا
في بلاد الشام ودخلها مع بني اسرائيل. ووالى اللّه ارسال الانبياء من
اوصياء شريعة موسى الى بني اسرائيل، وانتهى العهد الى نبيّ اللّه
داود وسليمان كما نقرأ خبرهما في ما ياتي بإذنه تعالى.
3 بلغ اشده: اكتمل وبلغ قوته.
4 السبطي من اسباط بني اسرائيل، والقبطي من أهل مصر
.
5 جاء ذلك في الروايات.
6 جمعنا بين سياق الايات في سورة القصص والنمل
والاعراف وطه والشعراء .