دور النقل

ذكرنا سابقا أن العقل في منهج آل البيت (ع) على الرغم من دوره البارز في المعرفة الدينيّة، لا يستقلّ بالمعرفة مالم يهتد بنور الوحي، وهذا ما لا ينكره أحد من المذاهب الاسلامية والمدارس الكلاميّة، وإنما الاختلاف في حدود الاعتماد على النقل، لان النقل (المقصود به الحديث هنا لانّ القرآن الكريم منقول بالتواتر) قد يصل إلينا بشكل حديث متواتر، أي مالا يبقى أيّ مجال للشك فيه، لكثرة الناقلين والرواة، بحيث يطمئن الانسان بصدور الحديث عن النبيّ (ص) أو العترة الطاهرة (ع) أو الصحابة الكرام، وقد لا يصل إلى هذا الحدّ، ويحصل منه ظنّ قوي أو ضعيف، وقد يصل إلى درجة يسمّونه خبر الواحد أي ما رواه شخص واحد وادّعى صدوره راوٍ منفرد، فعند ذلك يحصل منه ظنّ، لا يبتعد عن الشك والجهل كثيرا.

إن منهج أهل البيت (ع)، في هذه الحالة عدم الركون والاعتماد على هذه الرواية، ما لم تنضمّ إليها قرينة ووثيقة تثبت صدقها.

 عدم الاعتماد على خبر الواحد في العقيدة

ويشتدّ الاحتياط عندهم حينما يتعلّق الامر بمسائل العقيدة، فأنّها لاهميتها لا يمكن أن يستدلّ لاثباتها بدليل ضعيف وحجّة واهية، خاصّة أن زماننا يبتعد عن زمن النبي (ص) والسلف الصالح بكثير، فعلينا أن نجتهد ونسعى في الاجتناب عن القول بالظن والخرص ونتمسّك باليقينيات أو ما يقاربها حذرا من الوقوع في الفتن والخلافات الجدليّة التي تشكل أكبر خطر على دين الامّة وعلى وحدتها.

وفي ذلك يقول الشيخ المفيد:

((وأقول: إنّه لا يجب العلم ولا العمل بشي‌ء من أخبار الاحاد ولا يجوز لاحد أن يقطع بخبر الواحد في الدين إلاّ أن يقترن به ما يدل على صدق راويه على البيان، وهذا مذهب جمهور الشيعة وكثير من المعتزلة والمحكّمة وطائفة من المرجّئة وهو خلاف لما عليه متفقّهة العامة وأصحاب الرأي))(174).

وهذا يدلّ على احتياط اتباع آل البيت (ع) في مسائل العقيدة، فإنهم (ع) أمروا أتباعهم بالاحتياط، وقالوا: ((أخوك دينك فاحتط لدينك))، وقالوا: ((أورع الناس من وقف عند الشبهة)).

 خاتمة المطاف

وبذلك نصل إلى نهاية جولتنا في منهج آل البيت (ع) في العقيدة الاسلامية فإنّ منهجهم كما تبيّن في الصفحات السابقة منهج متكامل، ولا يَدَع أداة من أدوات المعرفة إلاّ ويستخدمها في مجالها الخاص، فلا يتعدى مثلا بالتجربة إلى مجال المسائل الالهية، وصفات الباري، لانّها خارجة عن متناول هذه الاداة، ولا يجمد على واحدة من هذه الادوات، مثلا على الاشراق الباطني والذوق الصوفي، ولا يغالي في قيمة واحدة منها كالعقل ولا يجازف في كفائتها لادراك جميع الامور بالاستقلال حتى إذا تعلّق الامر بالمغيّبات وتفاصيل المعاد، ولا يدّعي أن النقل (الوحي) يمكن أن يدرك بدون الاستضاءة بنور العقل، وكذلك لا يبادر إلى قبول كلّ ما جاء في صورة رواية وسنّة ونقل، ما دام لم يتحقق من صحّة انتسابه إلى الرسول (ص) أو إلى الصحابة أو الائمة (ع)، وما لم يقارن بينه وبين سائر النصوص الثابتة وبين الكتاب العزيز، ويعرف الخاصّ من العامّ والناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه والحقيقة من المجاز، وبتمام معنى الكلمة يؤكّد على ((الاجتهاد)) الذي هو بمعنى بذل الجهد واستفراغ الوسع في فهم المراد الشرعي من النصوص، وأخيرا لا يتحاشى النقد والمناظرة والمناقشة إذا خلت من إثارة لعواطف أو إيقاع لعداوة، بل هو دعوة إلى سبيل الرب، وجدال بالتي هي أحسن، وحكمة وموعظة حسنة، كما قال تعالى:

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلاّ وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون* ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الانهار وقالوا الحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه لقد جاءت رسلُ ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة اُورثتموها بما كنتم تعملون) (الاعراف / 42 ـ 43).


174 أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، ص 100، تبريز، ايران، 1370 ش.