موقفهم من المناظرات الكلاميّة
مرّ
بنا فيما سبق أن هناك اتجاها متطرفا ينهى عن المناقشة والمناظرة
والجدل في الدين بتاتا، وهناك منهج معتدل يفصّل ويفرّق بين أقسام
المناظرة. إنّ منهج آل البيت (ع) في هذا أيضا منهج وسط، وهو ـ تبعا
للكتاب العزيز ـ يُفرّق بين قسمين من الجدال:
1 ـ
الجدال الحسن.
2 ـ
الجدال القبيح.
يقول
تعالى: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي
أحسن إن ربك هو أعلم بمن ظل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) (النحل /
125).
وفي
ذلك يقول الشيخ المفيد:
((وقد أمر الصادقون (ع) جماعة من أشياعهم بالكفّ والامساك عن إظهار
الحقّ، والمباطنة والستر له عن أعداء الدين، والمظاهرة لهم بما يزيل
الريب عنهم في خلافهم، وكان ذلك هو الاصلح لهم. وأمروا طائفة أخرى من
شيعتهم بمكالمة الخصوم ومظاهرتهم ودعائهم إلى الحق، لعلمهم بأنّه لا
ضرر عليهم في ذلك))(168).
والمقصود من الصادقين في كلامه، هم الائمة المنصوصون من العترة
النبويّة الذين شهد اللّه بطهارتهم في كتابه، وبرّأهم عن الذنوب
والمعاصي بقوله:
(إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)
(الاحزاب / 33).
وأمر
الامة بتقوى اللّه وملازمتهم وعدم مفارقتهم في العقيدة والعمل بقوله:
(يا
أيها الذين آمنوا اتّقوا اللّه وكونوا مع الصادقين) (التوبة / 119).
وهم
الائمة الذين نصّ عليهم رسول اللّه (ص) وكلّ إمام منهم كان ينصّ على
الامام التالي، حتى اثني عشر إماما، وقد جاء التنويه عليهم وعلى
عددهم وعلى أوّلهم في السنّة المطهّرة، ومن أرادها فليرجع إلى
مظانّها(169).
وجوب
النظر في معرفة اللّه
وممّا يؤكد ملازمة العقل والشرع في منهج أهل البيت (ع) ما جاء عن
محمد بن علي بن بابويه (الشيخ الصدوق)، وهذا نصه:
((وأمّا استدلال إبراهيم الخليل (ع) بنظره إلى الزهرة ثمّ إلى القمر
ثمّ إلى الشمس وقوله لمّا أفلت: (يا قوم إنّي بريء ممّا تشركون)
فانّه (ع) كان نبيّا ملهما مبعوثا مرسلا بإلهام اللّه عزّ وجلّ
إيّاه، وذلك قوله عزّ وجلّ: (وتلك حجتتنا آتيناها إبراهيم على قومه)،
وليس كلّ أحد كإبراهيم (ع) ولو استغنى في معرفة التوحيد بالنظر عن
تعليم اللّه عزّ وجلّ وتعريفه لما أنزل عزّ وجلّ ما أنزل من قوله:
(فاعلم أنّه لا إله إلاّ اللّه)(170).
يقصد
ابن بابويه أن العقل لا يستطيع أن يتوصّل إلى معرفة اللّه بصورة
تامّة دون مساعدة السمع (الوحي) علما بان هذا لا يعني أن النتائج
التي يتوصل إليها العقل فاقدة للاعتبار.
وكذلك الشيخ المفيد يقول بأن العقل محتاج إلى الوحي في مقدّماته
ونتائجه(171). وفي الوقت نفسه يدعم الشيخ المفيد
استعمال العقل في فهم العقيدة الاسلامية ويقول: ((فامّا النهي عن
الكلام في اللّه عزّ وجلّ فانما يختصّ بالنهي عن الكلام في تشبيهه
بخلقه وتجويزه في حكمه))(172).
ويحتج على المخالفين لاستعمال العقل والنظر، ويصفهم بضعف الرأي
ويقول: ((في العدول عن النظر المصير إلى التقليد المذموم باتفاق
الكلمة))(173).
168 المفيد، تصحيح الاعتقاد ص 66.
169 ابن عيّاش الجوهري، مقتضب الاثر في النص على
عدد الائمة الاثني عشر، ابن طولون الدمشقي، الشذرات الذهبية في أئمة
الاثنا عشرية، المفيد: المسائل الجارودية، ص 45 ـ 46، المؤتمر الالفي
لذكرى الشيخ المفيد، قم، 1413 هـ، وراجع: الحر العاملي، محمد بن
الحسن، اثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، تحقيق أبو طالب تجليل، 1401
هـ.
170 التوحيد، ص 292. والايات: الانعام / 78 و83
ومحمد / 19.
171 أوائل المقالات، ص 11 ـ 12.
172 تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد، ص 26 ـ 27.
173 تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد، ص 28، مطبوع
مع أوائل المقالات، تبريز، 1370 هـ.