أصول منهج أهل البيت (ع) في دراسة
العقيدة الاسلاميّة
من
أهمّ المباحث في العقيدة، البحث عن مصادرها. ومصادر العقيدة كما
ذكرنا سابقا تنحصر في الكتاب والسنّة، ولكن الفارق الاساس هنا بين
منهج أهل البيت وغيرهم، أنهم يظلون أوفياء لهذه المصادر، ولا يؤثرون
عليها هوى ولا عصبيّة، وإنّما يراعون في استقاء العقيدة عن هذين
المصدرين الاصول العامّة للاجتهاد المأثورة عن النبي (ص) وعن القرآن
الكريم، ومن ذلك:
1 ـ
لا يقدّمون الاجتهاد على النصّ، إذا كان النصّ خاليا عن المعارض، أو
أن المعارض لا يقوى على مقاومة النصّ، بخلاف بعض أرباب الاهواء
والمذاهب، فإنّهم يريدون أن يتخلّصوا من بعض النصوص بتأويلات واهية
ومبرّرات ضعيفة سنوافيك بنماذج منها، ونبّه إلى ذلك أمير المؤمنين
علي (ع) في كلامه للحارث بن حوط: ((... إنك لم تعرف الحق فتعرف من
أتاه ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه))(156).
2 ـ
ويمكن استخلاص أصل آخر من ذلك وهو: ((أنّ أتباع أهل البيت (ع) لا
يقدّمون على النص والرواية شيئا، حينما يكون النص متواترا قطعيا))،
وهذا أصل هام في العقيدة الاسلامية، فإنّ الظنون والاهوام لا مجال
لها في العقيدة، وهذا ما يجب أن ينتبه إليه الاتجاه السلفي الذي يقبل
الروايات الضعيفة وأخبار الاحاد في العقيدة، ويدافع عنها دفاع
المستميت، ويكفّر عليها المسلمين. فعليه أن ينتبه أن في الروايات
صدقا وكذبا، وعامّا وخاصّا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما(157).
وسيوافيك مزيد من الشرح والابانة عن هذا الموضوع.
3 ـ
العقائد الاسلامية تنقسم إلى قسمين: ضروري ونظري.
والضروري مالا ينكره أحدا إلاّ خرج من الدين، لبداهة اندراجه في
الدين كالتوحيد والنبّوة والمعاد. والنظري ما يحتاج إلى الفحص
والبرهان والشاهد والدليل، ويمكن أن يختلف فيه أرباب المذاهب وأصحاب
الاراء. ومنكر الضروري يكفَّر ولا يمكن تكفير منكر النظري.
4 ـ
عدم القول في العقيدة بالقياس والاستحسان.
5 ـ
الايمان بموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، بشرط
مراعاة توفر الاوصاف فيهما، ولا يعامل الظن كالقطع، ولا يؤخذ
بالمنقول الضعيف ولا بخبر الواحد مكان الصحيح المتواتر.
6 ـ
وجوب الاجتناب عن الاجتهادات وعدم استخدام التعابير التي تعدّ من
((البدعة)).
7 ـ
عصمة الانبياء والائمة الاثني عشر (ع) بالادلّة القطعية،
فإذا صحّ عنهم شيء وجب الايمان به، والمجتهد قد يصيب
وقد يخطىء، ولكنه إذا راعى شروط الاجتهاد وبذل جهده واستفرغ وسعه
فهو معذور.
8 ـ
يوجد في الامة من يسمى ((مُحدَّثا)) و((ملهما))، ومن يرى
الرؤيا الصحيحة ويهتدي إلى الحقائق، ولكن كلّ ذلك
يحتاج إلى الاثبات، وله مجاله في العقيدة، والعمل لا يعدو عنه بوجه
من الوجوه.
9 ـ
المناظرة والنقاش في العقيدة إذا كانا بقصد الافهام والتفهم
المقترن بالادب والتقوى فهو أمر مرغوب فيه، ولكن على
المءر أن لا يقول ما لا يعلم، وإذا وصلا إلى المراء واللّجاج ورافقا
المنكرات القولية والخلقية فهو أمر قبيح يجب الاجتناب عنه صونا
للعقيدة.
10
ـ ((البدعة)) ما يخترع باسم الدين دون أن يكون منه، أو يكون له
أصل في الشريعة، وقد يسمّى شيء بدعة وليس ببدعة عند
الامعان والتدقيق، وقد يسمى أمرٌ سنة وليس الامر كذلك فيجب التثبت
أولا ثمّ الافتاء(158).
11 ـ
وجوب التدقيق والتمعّن في ((التكفير)) وما لم يثبت كفر
أحد بإقراره أو بقيام البيّنة عليه بحيث لا يمكن
تطرّق شبهة عليه فلا يجوز الحكم بتكفيره، لان التكفير موجب للحدّ
الشرعي، والقاعدة في الحد الشرعي: (( ان الحدود تدرأ بالشبهات))، وإن
التكفير من أعظم الذنوب إلاّ أن يكون بحق(159).
12 ـ
وجوب ردّ الخلافات إلى الكتاب والسنّة والعترة كما أمر
به رسول اللّه (ص) امتثالا لقوله تعالى: (ولو ردوه
إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا
فضل اللّه عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلاّ قليلا) (النساء / 83).
13 ـ
منهجهم في الصفات: أن اللّه عزّ وجلّ حيّ لنفسه لا بحياة
وأنّه قادر لنفسه وعالم لنفسه لا بالمعنى الذي ذهب
إليه المشبهة من أصحاب الصفات والاحوال المبتدعات، كما أبدعه أبو
هاشم الجبائي وفارق به سائر أهل التوحيد وارتكب أشنع من مقال أهل
الصفات. وهذا مذهب الامامية كافّة والمعتزلة ـ إلاّ من سمّيناه ـ
وأكثر المرجئة وجمهور الزيدية وجماعة من أصحاب الحديث والحكمة(160)،
فهم بذلك بين أهل الاثبات والتعطيل.
14 ـ
يعترفون بالحسن والقبح العقليين وأن العقل يدرك حسن
بعض الاشياء وقبحها بالضرورة.
156 نهج البلاغة، الحكمة: 262.
157 نهج البلاغة، الخطبة: 210.
158 الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي (ت:
436 هـ): رسائل الشريف المرتضى، رسالة الحدود والحقائق.
159 تكفير القائلين بانّ للّه تعالى صفات كان
موصوفا بمفاهيمها وبذلك بالغوا في الاثبات إلى حدّ التشبيه.
160 الشيخ المفيد، أوائل المقالات: 18.