المنهج الذوقي
من
هنا ننقل الحديث إلى اتجاه آخر متمايز، يضع المسائل الكلامية على
طاولة البحث والنقاش ويسلك فيها المسالك الرمزي الذوقي الخاص
بالصوفية، وهو مسلك يختلف تماما عن مسلك الفلاسفة والمتكلمين القائم
على العقليات ثمّ السمعيات. ويعتبر الحلاّج (ت: 309
هـ)
مؤسسا لهذه المدرسة في بغداد، والامام الغزالي من أكبر روّاد هذه
الطريقة، فهو يقول في كتابه ((إلجام العوام عن علم الكلام)) إن هذه
طريق ((الخاصّة)) وما دونها طريق ((العامّة)) ومن لا يفترق عنهم سوى
أنّه يعرف ((الادلّة)) وليس الاستدلال(145).
وقد
أفرد بعض الباحثين كتابا خاصا في منهج الامام الغزالي والصوفية في
دراسة العقيدة الاسلامية(146).
وقد
نبّه على منهجه الدكتور صبحي قائلا:
((وإذا كان الغزالي قد حرّم النظر في حقيقة الذات الالهية على العامة
وذلك ما لا ينكره أحدٌ عليه، فانّه أدرج ضمن العوام الادباء
والنحاة
والمحدّثين والفقهاء والمتكلمين، وجعل التأويل مقصودا على الراسخين
في العلم، وهم في نظره الاولياء الغارقون في بحار
المعرفة، المتجردون عن دنيا الشهوات، وهي عبارة تعدّ
قرينة لصحّة دعوى من رأى من الباحثين للغزالي معتقدا خاصّا في الحكمة
الاشراقية وفي الفيض، وفي نظرية المطاع مغايرا لمعتقده العامّ الذي
أصبح به في نظر جمهور المسلمين حجة الاسلام)).
ويتساءل الدكتور صبحي:
((هل
الراسخون في العلم هم الصوفيّة دون الفقهاء والمفسرين والمتكّلمين؟!
وإذا كان الشر قد ثار منذ فشت صناعة الكلام، ألاّ يفتح هذا الاستثناء
المجال للصوفيّة أن يكون لهم وحدهم السبيل إلى الشطحيات والدعاوى؟!
ونظريات التصوّف الفلسفي كالفيض والاشراق وأصولها الاجنبّية واضحة،
وشرورها على العقيدة الاسلامية ليست بأهون من شرور المتكلمين))(147).
ولكن
مع ذلك كلّه فقد تركوا تراثا ضخما في العقيدة الاسلامية على النهج
الصوفي ومن أمثلة ذلك كتاب ((الفتوحات المكيّة))(148).
المنهج
العلمي التجريبي
هذا
منهج حديث في الفكر الاسلامي، وقد تبع فيه بعضُ العلماء المسلمين في
القرن الاخير روّادَ الفكر الاوروبي المعاصر، ويوجد
أتباعه في مصر الحديثة وفي الهند والعراق، وجميع البلدان الاسلامية
التي احتك أهلها بالاستعمار الغربي وبالتيّارات الفكرية الوافدة من
الغرب إلى العالم الاسلامي.
ولهم
رأي خاصّ في أدوات المعرفة البشرية، ومن ميزاتهم الاعتماد التامّ على
الاساليب الحسيّة والتجريبية، ورفض المنهج العقلي القديم والمنطق
الارسطاطاليسي رفضا باتا، وحاولوا البحث عن المعارف الالهية
و(الميتافيزيقا) والدين بأساليب العلوم العملية والتجربة الميدانية(149).
ومن
آثار هذا المذهب الكلامي تفسير المعجزات تفسيرا مادّيا وتفسير
النبوّة بالنبوغ والعبقرية البشرية، وقد أفرد بعض الباحثين دراسته
لهذا الاتجاه(150) وتوجد أمثال هذه الاراء في
آثار السيد أحمد خان الهندي(151) وهو ممن يقترب
إلى هذا الاتجاه وإن لم يكن بامكاننا أن نعدّه من أتباع هذه المدرسة،
وسبب تقاربه إلى هذا المنهج أنّه بطرحه آراء العلماء المحدثين
الغربيين في تفسير القرآن وحشد تفسيره بها يحاول أن يثبت أن القرآن
موافق تماما للمكشفات الحديثة، ولا يعدو أحمد خان الهندي أيضا القول
بأن القرآن ينطبق تماما مع معطيات العلوم الحديثة، دون أن يضع لهذه
النظرية حدّا أو إطارا، ويبيّن الموضوع والمنهج والمرمى في المسائل
الدينية والدراسات العلمية الحديثة(152).
145 إلجام العوام عن علم الكلام ص 66 ـ 67.
146 الدكتور سليمان دنيا، الحقيقة في نظر الغزالي.
147 الدكتور أحمد محمود صبحي؛ في علم الكلام 2 /
604 ـ 606.
148 راجع في ذلك: الشعراني، عبد الوهاب بن أحمد،
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الاكابر، وسميح عاطف الزين، الصوفية
في نظر الاسلام، ط 3، دار الكتاب اللبناني، 1405 هـ/ 1985 م.
149 الدكتور عبد الحليم محمود، التوحيد الخالص، أو
الاسلام والعقل، المقدمّة.
150 الدكتور عبد الرزاق نوفل، المسلمون والعلم
الحديث. فريد وجدي، الاسلام في عصر العلم.
151 ترجمة تفسير القرآن 1 / 6 ـ 25.
152 راجع: محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم،
الاجزاء العشر الاولى 11 ـ 14؛ اقبال اللاهوري، إحياء الفكر الديني
في الاسلام، مترجم إلى الفارسية بقلم أحمد آرام: 147 ـ 151؛ السيد
جمال الدين الاسد آبادي، العروة الوثقى 7 / 383، روما، ايطاليا.