المنهج العقلي المحض:
يتميز هذا المذهب باعتماده على العقل البشري كأداة للمعرفة، وهم
أصحاب مدرسة الرأي في الفكر الاسلامي، وفي العقيدة يمثلهم
((المعتزلة))، وقد بدأ هذا المنهج من عصر مبكّر من تاريخ الاسلام،
ويعتبر المؤسس الاول لهذه المدرسة ((واصل بن عطاء)) (80 ـ 131هـ)
وزميله ((عمرو بن عبيد)) (80 ـ 144 هـ) المعاصر للمنصور الدوانيقي،
ثمّ من روّادها أحمد بن أبي دؤاد وزير المأمون العباسي والقاضي عبد
الجبار بن أحمد الهمذاني (ت: 415 هـ) ومن أكابرهم النظّام وأبو
الهذيل العلاّف والجاحظ والجُبائيّان.
هذا
الاتجاه يعطي العقل البشري قيمة كبرى ودورا مهما في معرفة اللّه
سبحانه وصفاته، والشريعة الاسلامية في رؤيتهم لا يتمّ إدراكها
وتطبيقها إلاّ بالعقل الانساني.
ولكن
لا يوجد لهذا المذهب في عصرنا الحاضر أتباع وأنصار بهذا الاسم، وإنما
دخلت عناصر من فكرهم في المذهب الزيدي والاباضي.
وبإمكاننا أن نقول إنّ هؤلاء مشتركون مع المعتزلة في عدّة مواقف
فكرية، وتلتقي ـ المعتزلة ـ أيضا بالشيعة الاثني عشرية والاسماعيلية
في بعض الجوانب، وأهل الحديث يطلقون على المعتزلة لقب ((القدرية))
لقولهم بحريّة الارادة الانسانية.
ومن
أهمّ كتبهم التي جاءت فيها عقائدهم، كتاب ((شرح الاصول الخمسة))
للقاضي عبد الجبار المعتزلي و((رسائل العدل والتوحيد))
تأليف جماعة من زعماء المعتزلة، كالحسن البصري والقاسم الرسّي وعبد
الجبار بن أحمد.
كان
المعتزلة إذا واجهوا آيات قرآنية أو سنّة مروية على خلاف معتقداتهم
يؤوّلونها، ولذلك يعتبرون من أتباع مدرسة ((التأويل))، وفي نفس الوقت
قدّموا خدمات كبيرة للاسلام وتصدّوا للهجوم الفكري العنيف المضاد
للاسلام في العهد العباسي الاول. وقد مال إليهم بعض الخلفاء كالمأمون
والمعتصم، ولكن سرعان ما انقلب الامر عليهم في عهد المتوكل، وتتابع
صدور أحكام الكفر والضلال والتفسيق عليهم، كما كانوا يؤذون مخالفيهم
في عهد سيطرتهم على البلاط العباسي، ويعذّبون من لا يرى رأيهم.
ومن
أراد التفصيل فليرجع إلى المؤلفات الحديثة والقديمة في هذا المجال(141).
وكان
للمعتزلة خمسة أصول يعرفون بها:
1 ـ
التوحيد، بمعنى تنزيه اللّه سبحانه عن صفات المخلوقين، وعدم إمكان
رؤيته بالابصار مطلقا.
2 ـ
العدل، بمعنى أنّه سبحانه لا يظلم عباده ولا يجبر خلقه على المعصية.
3 ـ
المنزلة بين المنزلتين، أي ان مرتكب المعصية الكبيرة لا مؤمن ولا
كافر بل فاسق.
4 ـ
الوعد والوعيد، بمعنى أنّه يجب الوفاء على اللّه في وعده بالجنّة
للمؤمنين وفي وعيده بالنار للكافرين.
5 ـ
الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي وجوب مخالفة الحكّام الظلمة إذا
لم يرتدعوا عن ظلمهم(142).
مكانة
المذهب الاشعري والمذهب الماتريدي بين المناهج
المذهب الاشعري ـ ويمثله اليوم غالبية أهل السنّة في العالم ـ مذهب
معتدل بين المعتزلة وأهل الحديث، فإن الشيخ أبا الحسن الاشعري (ت:
324 هـ) كان في بداية أمره معتزليا وعاش على هذا المذهب قرابة أربعين
سنة، ونحو سنة (300 هـ) أعلن على منبر الجامع بالبصرة براءته من
الاعتزال، ورجوعه إلى مذهب السنّة والجماعة، وأراد أن يسلك في
الجمهور مسلكا وسطا على الظاهر بين الطريقة العقلية للمعتزلة وطريقة
أهل الحديث، وأراد أن ينتصر لاهل الحديث ولكن بنفس أسلوب المعتزلة،
أعني بالاستدلال العقلي والبرهنة.
وبسبب ذلك نفاه المعتزلة عنهم ورفضه أهل الحديث، وهم إلى الان
يؤاخذونه بملاحظات أساسية يعدّونها انحرافا جذريا في العقيدة، حتى إن
بعض المتطرفين منهم يكفّرونه.
كان
رجل آخر معاصرا للاشعري يريد أن ينتهج نفس المنهج دون أن يكون بينهما
صلة ولا علاقة، وهو أبو منصور الماتريفي السمرقندي (ت: 333 هـ) وهو
أيضا إمام لطائفة من أهل السنّة في العقيدة، وأحيانا توجد بين آراء
الزعيمين اختلافات أنهاها بعضٌ إلى أحد عشر فارقا أساسيا(143).
وأهم
ميزات مدرسة الاشعري أنّه كثيرا ما يتجنّب عن تأويل ظواهر الايات
والروايات ويحاول أن يهرب عن الوقوع في مهاوي التشبيه والتجسيم
بالقول ((بلا كيف)) في صفات الباري، وعن مهاوي الجبر في مسألة القدر
بقوله ((بالكسب)) وإن كان منهجه هذا يعتبر لدى فريق آخر من العلماء
عجزا وقصورا عن حلّ المسائل الفكرية والاعتقادية. وتدريجيا استطاع
المذهب الاشعري الصمود أمام حملات أهل الحديث وانتشر في العالم
الاسلامي(144).
141 زهدي حسن جار اللّه، المعتزلة، ط 2 ، بيروت،
دار الاهلية للنشر والتوزيع 1974 م.
142 القاسم الرسي، رسائل العدل والتوحيد ونفي
التشبيه عن اللّه الواحد الحميد 1 / 105.
143 راجع في ذلك المصادر التالية: محمد أبو زهرة،
تاريخ المذاهب الاسلامية، قسم الاشاعرة والماتريدية، الشيخ جعفر
السبحاني: الملل والنحل، 1، 2، 4، والفرد بل، الفرق الاسلامية في
الشمال الافريقي: 118 ـ 130، أحمد محمود صبحي، في علم الكلام1.
144 السبكي، طبقات الشافعية 3 / 391؛ اليافعي،
مرآة الجنان 3 / 343؛ ابن كثير، البداية والنهاية 14 / 76.