المنهج النقلي المحض

ويعتبر الامام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ) رائدا لتلك المدرسة في ذلك الوقت، ومن أقدم شخصياتها، وهذا المنهج يمثله ((أهل الحديث)) الذين لا شأن لهم عدا المحافظة على التراث الروائي ونقله دون التدبّر والتعمّق في مغزاه، وتمييز غثه من سمينه، وصحيحه من سقيمه، ويسمّى هذا الاتجاه في العصور الاخيرة باسم ((السلفية)) وينحو الحنابلة في الفقه هذا المنحى. إنّ هؤلاء حرّموا الرأي والنظر في المسائل الدينية، وعدّوا السؤال بدعة، والكلام والحجاج فيها ابتداعا وانحيازا لاهل الاهواء، وعكفوا على دراسة السنّة دراسة خالية من التعمّق، وسمّوا منهجهم هذا ((اتّباعا)) وغيره ((ابتداعا)).

وقصارى جهد هؤلاء أن يدونّوا الاحاديث الواردة في المسائل الاعتقادية، أو يبوّبوها أو يشرحوا ألفاظها أو يذكروا أسانيدها، كما

فعله الامام البخاري وأحمد بن حنبل وابن خزيمة والبيهقي وابن بطّة، وبلغ بهم الامر إلى أن حرّموا علم الكلام والنظر العقلي في مسائل العقيدة، وأفرد بعضهم رسالة في تحريمه، كما فعل ابن قدامة في رسالته المسمّاة ((رسالة تحريم النظر في علم الكلام)).

قال أحمد بن حنبل: (( لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلاّ وفي قلبه دغل)). وبالغ في ذمّه حتى هُجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتابا في الردّ على المبتدعة، وقال له: ويحك ألست تحكي بدعتهم أوّلا ثمّ تردّ عليهم؟!

ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكّر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث؟

وقال أحمد: علماء الكلام زنادقة!

وقال الزَعفراني: قال الشافعي: حكمي في أصحاب الكلام أن يُضربوا بالجريد ويُطاف بهم في القبايل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة وأخذ في الكلام.

وقد اتّفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، وقالوا: ما سكت عنه الصحابة ـ مع أنّهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الالفاظ من غيرهم ـ إلاّ لعلمهم بما يتولّد منه من الشرّ، ولذلك قال النبي (ص): ((هلك المتنطّعون، هلك المتنطّعون، هلك المتنطّعون)). أي المتعمّقون في البحث والاستقصاء(131).

وهؤلاء كانوا ينحون في العقيدة منحى التجسيم والتشبيه والقول  المطلق بالقدر وسلب الحرية عن الانسان(132).

وهذه الطائفة جوّزت التقليد في العقيدة وحرّمت النظر كما مرّ، يقول الدكتور أحمد محمود صبحي:

((بما أن العقيدة لا يمكن فيها التقليد ولا يجوز، خلافا لعبيد اللّه بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية(133). وكذا للرازي في المحصّل(134).

ورأي جمهور العلماء على عدم جواز التقليد فيه، وأسنده الاستاذ أبو إسحاق في ((شرح الترتيب)) إلى إجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف، وقال إمام الحرمين في ((الشامل)): لم يقل بالتقليد في الاصول إلاّ الحنابلة. ولكن الامام الشوكاني يعتبر التكليف بوجوب النظر في العقائد تكليفا بما لا يطاق، ويقول بعد سرده لاقوال الائمة: فياللّه العجب من هذه المقالة... فإنها جناية على جمهور هذه الامّة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الايمان الحملي... بل حرّم على كثير منهم النظر في ذلك وجعله من الضلالة والجهالة...))(135).

ومن ثمّ، فعلم المنطق أيضا حرام عند هؤلاء، ولا يعتبر منهجا في الوصول إلى المعرفة البشرية، على الرغم من أن علم المنطق من أشهر المقاييس وأقدمها، وهو ما وضعه ارسطوا في كتاب سمّاه أيضا الارغانون وسماه علم الميزان.

وعلم المنطق في رأي أصحاب هذا الاتجاه لا يكفي وحده لصون الفكر عن الخطأ، فإن كثيرا من مفكري الاسلام برعوا في المنطق،

كالكندي والفارابي وابن سينا والامام الغزالي وابن ماجة، وابن طفيل، وابن رشد، ولكن اختلفوا في أفكارهم وآرائهم ونزعاتهم اختلافا جوهريا، فلا يكون المنطق ميزانا بين الحق والباطل!

ولكن موقف هذا الاتّجاه اعتدل كثيرا تجاه علمي المنطق والكلام في العصور المتأخرة، مثلا نشاهد ابن تيمية مضطربا في موقفه عن علم الكلام، فلا يحرّمه تحريما باتّا بل يجوزّه إذا دعت إليه الضرورة، واستند إلى الادلة العقلية والشرعيّة وصار سببا لوضع حدّ لشبه الملاحدة والزنادقة(136).

ولكنه في الوقت نفسه يحرّم علم المنطق ويؤلّف رسالة اسمها ((رسالة الردّ على المنطقيّين)) ويقول أتباعه: نجد ديكارت الفرنسي (1596

ـ 1650 م) اخترع مقياسا للفصل بين الخطأ والصواب بدلا عن المنطق الارسطاطاليسي، وكان يؤكّد على أنّ الانسان لو اتبع في تفكيره المقياس الذي اخترعه خطوة خطوة فإنّه لا مناص سينتهي إلى الصواب وستكون ثمرة السير مع المنهج الديكارتي، اليقين، ولكن انتهى الامل في منهج ديكارت كما انتهى الامل في منطق ارسطو بالنسبة إلى الانسان المعاصر وبقيت المسائل التي بحثت قبل الميلاد كما كانت(137).

وهذا ما دفع جمعا من المفكرين المسلمين القدماء إلى رفض الطريقة العقلية كما هو الحال بالنسبة إلى الامام الغزالي (450 ـ 505 هـ)

في كتابه ((تهافت الفلاسفة)) حيث هدّم في هذا الكتاب آراء الفلاسفة بأدلة عقلية، والتأمّل في كتابه هذا يشهد بأن رأي الامام الغزالي هو:

أن العقل الذي يبني هو العقل الذي يهدم.

والامام الغزالي يثبت أن العقل الانساني في عالم الالهيات والاخلاق لا يتأتى منه إلاّ ظنون لا تصل إلى اليقين. وقد ردّ عليه الفيلسوف الاسلامي ابن رشد الاندلسي (ت: 595 هـ) في كتابه ((تهافت التهافت)). وابن رشد هو الذي يثبت أن العقل الصريح والنقل الصحيح ليس بينهما أيّ تعارض، وهذا ما يبدو من كتابه ((فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال)) والعجيب أنّه في هذا الموقف يلتقي بابن تيمية في كتابه ((موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول)).

فكيف يمكن الجمع بين موقفي ابن تيمية هذين يا ترى؟!

إنّ منهج أهل الحديث لدى السنّة، والاخبارية لدى الشيعة(138) اتّباع ظواهر النصوص الشرعيّة من الايات والروايات ومحاولة اجتناب الرأي والقياس حسب الامكان(139). وينتشر المذهب السلفي أو مذهب أهل الحديث في عصرنا هذا في الجزيرة العربية (بلاد نجد) وتوجد جماعات قليلة منهم في العراق والشام ومصر(140).


131 الدكتور عبد الحليم محمود، التوحيد الخالص، أو الاسلام والعقل، ص 4 ـ 20.

132 الصابوني، أبو عثمان اسماعيل، رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث، (في الرسائل المنيرة).

133 الامدي، الاحكام في أصول الاحكام 4 / 300.

134 الشوكاني، ارشاد الفحول، ص 266 ـ 267.

135 الامام الجويني، الارشاد إلى قواطع الادلة، ص 25؛ الغزالي، إلجام العوام عن علم الكلام، ص 66 ـ 67؛ الدكتور أحمد محمود صبحي، في علم الكلام 1: المقدمة.

136 ابن تيمية، مجموع الفتاوى 3 / 306 ـ 307.

137 الدكتور عبد الحليم محمود، التوحيد الخالص، ص 5 ـ 20.

138 الشيخ المفيد، أوائل المقالات.

139 السيوطي، صون المنطق والكلام عن علمي المنطق والكلام، ص 252؛ الشوكاني، ارشاد الفحول، ص 202؛ علي سامي النشّار، مناهج البحث عند مفكري الاسلام ص 194 ـ 195؛ علي حسين الجابري، الفكر السلفي عند الثناعشرية، ص 154 و167 و204 و240 و424 و439.

140 القاسمي، تاريخ الجهمية والمعتزلة، ص 56 ـ 57.