طريقة الخلق:

شرح القرآن الكريم طريقة خلق الكون في مواضع مختلفة.

غير أنّ الايات الاتية يمكن أن تقدّم تلخيصا موجزا للظواهر التي تشمل الطريقة الاساسية لخلق الكون.

(أَوَلَم يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ والارضَ كانَتا رتْقا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ المَاء كُلَّ شَي‌ء حيّ).

(الانبياء / 30)

وتتحدّث الاية الثانية عن تشكّل السّموات بعد خلق الارض وتعكس عملية التتالي في عملية الخلق:

(ثُمَّ استوى إلى السَّماء وهي دُخان فقالَ لَها وللارضِ ائتيا طوعا أو كرها قالَتا أتينا طائعين).

(فصّلت / 11)

تكشف الاية الاُولى الحقائق التالية:

1 ـ أنّ المادّة التي دخلت في خلق الكون كانت ذات كينونة واحدة.

2 ـ أنّ الكون بأكمله كان مترابطا كقطعة واحدة.

الحقائق قبل 1400 سنة، في الوقت الذي لم يكن فيه أي أثر لايّة بحوثٍ علمية.

كما يكشف القرآن الكريم أيضا عن الحقائق المذكورة في نظرية هوبل حول توسّع الكون، في الاية الكريمة التي تقول: (والسَّماء

بنيناها بأيدٍ وإِنّا لَمُوسِعُون) (الذاريات / 47).

وعندما نحاول فهم التوسّع الكوني على ضوء المعرفة الحديثة، نعرف أنّ الهيدروجين الموجود في الشَمس في حالة تحوّل مستمر إلى عنصر الهيليوم بفعل الانصهار النّووي، وأنّ الغبار النجمي (Stardust) والذي هو عبارة عن كتل من النجوم تبدو بالغة الصِّغر وكأنّها ذرّات غبار، ما هو إلا وقودا نوويّا عالي الدرجة.

وهكذا فإنّ الكون بأكمله مؤلّف أو مبنيّ من قدرة أو طاقة محمّلة وهي في حالة توسّع مستمر. وترتكز هذه النتائج على الافتراض الذي يقول بأنّ الانتقال أو التحوّل الاحمر (Shift Red) ناتج عن تأثير دوبلر على الضوء من الاجسام المتراجعة مع إمكانية قياس سرعة التراجع.

وحول رحابة وتوسّع الكون نجد في القرآن الكريم كلمة على جانب كبير من الاهمية في هذا المجال وهي كلمة ((العالمين)) التي تظهر عشرات المرّات في القرآن الكريم كما في الايات التالية:

(ولكنَّ اللّهَ ذو فضلٍ على العَالَمين).

(البقرة / 251)

(قُلْ إنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للّهِ رَبِّ العَالَمين) (الانعام / 163)

(أَلا لَهُ الخَلْقُ والامْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ العَالَمين)

(الاعراف / 54).

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين) (الانبياء / 107)

3 ـ أنّ الانفصال حدث بشكل منتظم كي ينتج عنه القوانين الفيزيائية وترتيب المادّة. وليس الامر مرتبطا بالنظام الذي يميِّز مجموعتنا الشمسية والكواكب الداخلة في مجرّتنا فحسب، بل أنّ المجرّات هي جزء في نظام أعلى. وبدلا من تناثر المجرّات بصورة عشوائية في أرجاء الكون، فإنّها مرتّبة على شكل مجموعات، وضمن تلك المجموعات تدور المجرّات حول كتلها المركزية المشتركة.

وقد نقل ابن كثير بعض التفسيرات المبكِّرة للاية، حيث ورد أنّ السَّماء كانت قطعة واحدة متكاملة، وقام اللّه عزّ وجلّ بتقسيمها إلى

سبع سموات، وأنّ الارض كانت كذلك قطعة واحدة وأنّ اللّه عزّ وجلّ قسمها إلى سبعة أراضي. بينما أوضح بعضهم أنّ الارض والسَّماء كانتا كلاًّ واحدا وأنّهما انفصلا عن بعضهما بواسطة الغلاف الجوّي.

وقد تبنّى الدكتور موريس بوكيل في الاونة الاخيرة موقفا قريبا جدّا من موقف العلماء المسلمين حول تفسير تشكّل الكون على ضوء الايات القرآنية الكريمة. فهو يشير إلى ((فكرة تفكّك الكل إلى أجزاء عديدة بمعنى أنّ عملية الانفصال من كتلة أحادية رئيسية

التحمت عناصرها في بداية الامر (كانت رتقا).وكلمة فتق تعني الانفصال أو التفكّك والانتشار، بينما تعني كلمة (رتق) الارتباط والالتحام من أجل تكوين كل متجانس)).

وطبقا للنظرية العلمية المعاصرة فإنّ ما يعرف بالانفجار الكوني (Bang Big) كان قد وقع نتيجة حدث تحفيزي واحد في وقت واحد وفي درجة حرارة عالية بشكل استثنائي. ويفترض بأنّه في تلك الاثناء من الانفجار كان الكون بأكمله عبارة عن جزء واحد في نقطة واحدة حدث فيها الانقسام. غير أنّ القوانين الفيزيائية لم تحدث نتيجة ذلك الانفجار. وهنا نجد أنّ هذه النظرية مشابهة من حيث معلوماتها للمعلومات الواردة في القرآن الكريم.

وممّا يدعو إلى الدهشة والغرابة أن نجد بأنّ القرآن الكريم كشف عن هذه (إِنِّي أنا اللّهُ رَبُّ العَالَمين) (القصص / 28)

إنّ الايات الانفة الذكر تشير إلى أنّ اللّه هو السيِّد والخالق والحافظ والمنظِّم للعالم بمعناه الواسع. فكلمة العالمين تضيف مفهوم التعدّد للكون.

وهناك بلايين من المجموعات الكواكبيّة وأنّ كل مجموعة من تلك المجرّات تضّم بلايين النجوم والكواكب. ولو أنّ نجما واحدا من بين 000ر100 من المائة ألف ميليون نجم الموجودة في ما يعرف بدرب اللَّبَّانة كان يضمّ كوكبا مثل كوكبنا الارضي، فسيعني ذلك وجود مليون كوكب يمكنه الاتّصال مع الارض. وعلى ضوء علم الكون الحديث يمكن التوقّع بحدوث اتّصالات ناشطة مع الكواكب الاُخرى في المستقبل المنظور.

لقد قدّم الدكتور موريس بوكيل معلومات علمية تتعلّق بضخامة الكون وسعته. فعلى سبيل المثال تحتاج أشعة الشمس كي تصل إلى بلوتو ما يُقارب الست ساعات رغم أنّ السرعة في تلك الرحلة تزيد على 000ر186 ميلا في الثانية. وبناء على ذلك فإنّ الضؤ القادم من النجوم التي تقع في نطاق عالمنا السماوي قد يستغرق بلايين السنين كي يصل إلينا.

إنّ هذا التحليل الموجز لعالم الطبيعة ربّما يساعدنا على فهم معنى الاية الكريمة: (والسَّماء بَنَيْناها بأيْدٍ وإِنّا لَموسِعُون) (الذاريات / 47).

وفي الحديث عن الرَّماد والدُّخان في بداية تاريخ الكون، يكشف القرآن الكريم عن ذلك بقوله : (ثُمَّ استوى إلى السّماء وهي دُخان).

إنّ وجود ((الدُّخان)) في بداية الكون يشير إلى الحالة الغازيّة للمادّة المكونّة له. وفي العلم الحديث يطرح الباحثون فكرة الغيمة السديميّة (Nebula) التي كان عليها الكون في مراحله الاُولى.

وعندما نقرأ الايتين الكريمتين: (وَجَعَلْنا في الارضِ رَوَاسِيَ أن تَمِيدَ بِهِم وَجَعَلْنا فِيها فِجاجَا سُبُلا لَعَلَّهُم يَهْتَدُون) و(ثُمَّ استوى إلى السَّماء وهِيَ دُخان)، ندرك بأنّ عملية تشكّل الكون جأت نتيجة تكاثف الغيوم السديميّة الاوّلية ثمّ انفصالها. وهذا ما يكشف عنه القرآن بوضوح عندما يشير إلى العمليات التي أحدثت الالتحام ثمّ الانفصال الذي كان في الاساس ((دُخانا)) سماويّا. وهذا ما يحاول العلم الحديث شرحه حول أصل الكون.

ترجمة: فاروق مشهور