الملحق رقم (2) أصول الكون في القرآن
الكريم
مُقْتبس من مَقال لحافظ محمّد سليم في مجلّة الثقافة
الباكستانية إلاّ إصدار سفارة جمهورية باكستان الاسلامية في
دمشق،
العدد: 26 شباط ـ آذار / 1991 م.
الكون كلمة تعبِّر عمّا هو موجود خارجا عبر الظواهر الطبيعية بما في
ذلك كافَّة الخلق والنجوم والكواكب وتوابعها وما إلى ذلك من ظواهر
أُخرى. ويتألّف الكون، حسب ما هو مبيَّن في موسوعة ماكميلان (Encyclopedia
Macmillan)،
من كل الاجسام التي يمكن التعرّف عليها كالارض والشمس وأجسام
المجموعة الشمسية والمجرّات وما بنيها من أشياء.
كما
يضم الكون الصخور والمعادن والغازات والتراب والحيوانات والكائنات
الانسانية وما إلى ذلك من أجسام ثابتة ومتحرّكه. ويلجأ الفلكيّون إلى
استعمال كلمة ((الكون)) للاشارة إلى الفضاء وكل ما يحويه من أجرام
سماوية. أمّا فيما يتعلّق باتّساع وفساحة الكون فإنّ الارض والشمس
والكواكب ما هي سوى نقاط بالغة الصغر، والشمس هي نجم منفرد ضمن
مجرّاتٍ تضمّ ما يُقارب المائة ألف مليون نجم.
أمّا
الارض والكواكب الاُخرى التي تدور حول الشمس فتشكّل أبعادا دنيويّةً
منتظمة تبدو في منظارنا البشري ضخمة هائلة.
فالارض تبعد عن الشمس بما يُقارب ثلاثة وتسعين مليون ميلا، وهذا
الرقم في منظار البشر يشكّل مسافة هائلة؛ إلاّ أنّه صغير جدّا إذا ما
قورِنَ بالمسافة التي تفصل الشمس عن أبعد الكواكب ضمن المجموعة
الشمسية. فعلى سبيل المثال تقدّر المسافة بين بلوتو والارض بأربعة
أضعاف المسافة بين الارض والشمس أي ما يَقارب 672ر3 مليون ميلا. إنّ
مسافة كهذه إذا ما ضوعفت فإنّها تمثّل الابعاد الاكثر ضخامة لنظامنا
الشمسي.
هناك
نظريات عديدة معلنة حول أصل الكون غير أنّ أحدثها هي التي تُعرف
بنظريّة بغ بانغ (Theory
Bang Big)،
التي تقدّم بها جورج لاميتر عام 1920 م والتي تنصّ على أنّ كل
المادّة والاشعاعات في الكون جاءت نتيجة إنفجار هائل تشكّل الكون
بعده بصورته الفسيحة وما زالت تلك العملية في حالة إستمرار. وحسب هذه
النظرية فإنّ الانفجار حدث قبل حوالي 10 ـ 20 ألف مليون سنة، ونظرا
إلى أنّ درجة الحرارة الاوّلية العالية للهيدروجين والهيليوم كانت
كافية لتشكيل الوفرة الكونية الملحوظة من الهيليوم، فإنّ ذلك يتوافق
بشكل حسن مع القيمة التنبّؤية. وفي نهاية الامر حدث تفاعل لهذه
المادّة ممّا أدّى إلى تشكّل المجّرات. وقد كانت تلك الكتلة الضخمة
موجودة في الكون في الماضي السحيق، ثمّ لسبب ما انفجرت تلك المادّة،
قاذفةً المواد المتفجرّة نحو الخارج كما يحدث عند انفجار القنبلة،
وكان ذلك الانفجار أصل الخلق بالنسبة للكون.
وهناك اكتشاف مدهش آخر لافت للنظر حول الكون يُدعى قانون هوبل حول
توسيع الكون (Universe
Expanding of Law sHubble).
وحسب
هذه النظرية فإنّ توسّع الكون عملية مستمرّة وأنّ هذا
التوسّع موحّد الخواص أي أنّ خصائصه متساوية في كل الاتجاهات.
وتبيّن هذه النظرية أنّ الضوء القادم من المجرّات البعيدة خاضع لما
يُعرف بالنقلة الحمراء (Shift
Red)،
أي الانزياح الشامل نحو أطوال موجات أكثر سعة لخطوط الطّيف المتعلّقة
بالاجسام السماوية. وينجم ذلك عن ارتداد المجرّات عنّا.
وقد
ظهر مؤخّرا أنّ العلماء كشفوا النِّقاب عن مجرّات عملاقة تبدو أكبر
حجما بكثير من المجرّة التي تُعرف باسم درب اللَّبَّانة (Milky
Way).
وتبعد تلك المجرّات عن أرضنا عشر بلايين من السنين الضوئية. وقد تمّ
التعرّف على هذه المجرّات للمرّة الاُولى، وربّما ساعدت العلماء على
تحديد فيما إذا كان الكون في حالة من التوسّع اللاّنهائي أو أنّه
محتوم عليه أن يتداعى نحو الداخل.
أمّا
القرآن الكريم ـ وهو خاتمة الرِّسالات من جانب الخالق ـ فإنّه يكشف
بوضوح كامل عن حقائق أساسية حول خلق الكون، وهو يشرح أنّ كل ما في
الكون ناجم عن عملية الخلق التي قام بها الخالق عز وجلّ.
وقد
خلق اللّه الشمس والقمر والسموات والارض وما بين ذلك بتقدير وتناسب.
وحول ذلك يبيّن القرآن الكريم بقوله:
(بَديعُ السَّمواتِ والارْضِ وإذا قَضَى أمْرَا فإنّما يَقُولُ لَهُ
كُنْ فَيَكُون).
(البقرة / 117).
وتشير هذه الاية الكريمة إلى أنّ اللّه هو خالق السموات والارض.
وكلمة بديع تدلّ على وجود شيء من العدم. وفي كتابه ((المفردات))
يبيّن العلاّمة راغب بأنّ كلمة بدع تعني تكوين شيء ما دون الحاجة
إلى مادّة أو نموذج. وعندما تستخدم كلمة بديع كصفة من صفات اللّه
الحُسنى فإنّها تعني أنّ اللّه عزّ وجلّ هو الذي خلق الاشياء من
العدم. والقرآن الكريم يقول في موضع آخر:
(وَهَُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ والارْضَ بالحَقِّ وَيَوْمَ
يَقُولُ كُنْ فَيَكُون).
(الانعام / 73).
ويقول العلاّمة راغب أنّ كلمة الحق تستعمل للاشارة إلى شيء جديد لا
مثال له. لكنّها عندما ترتبط بوصف الخالق فإنّها تعني خلق
شيء
جديدٍ من العدم: (هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ والارْضَ) كذلك يشير
القرآن الكريم إلى خلق الظواهر الكونيَّة والفيزيائية بقوله:
(وَهُوَ الَّذي خَلَقَ اللَّيلَ والنَّهارَ والشَّمس والقَمَر) وفي
موضع آخر: (هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالقَمَرَ نُورَا
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَاب ما
خَلَقَ ذلكَ إلاّ بَالحَقِّ يُفَصِّلُ الاياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون)
(يونس / 5).
كما
يبيّن اللّه عظمة خلقه بقوله:
(أَوَلَم يَرَوا أنّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ والارضَ ولَم
يَعْيَ بخلقهنَّ بقادِرٍ على أن يُحيي الموتَى).
(الاحقاف / 33)
إنّ
الايات الكريمة التي تمّ ذكرها توضّح أنّ اللّه عزّ وجلّ خلق هذا
العالم المحسوس بتقدير وميزان وهو قادر على أن يعيد خلقه، وأنّ أمره
هو الاصل في خلق المادّة والطّاقة وكل القوانين الفيزيائية والقوى
التي تتحكّم بحركتها.