الملحق رقم (1)
بدء الخلق وبعض صفات المخلوقين في الروايات
أوّلا ـ روى أحمد وابن سعد وأبو داود والترمذي بسندهم عن رسول اللّه
قال:
(إنّ
اللّه تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فَجاء بنو آدم على
قدر الارض فجأ منهم الاحمر والابيض والاسود وبين ذلك...) الحديث(123).
وروى
ابن سعد عن رسول اللّه (ص) ما موجزه:
(لّما ركب آدم الخطيئة بدت له عورته فكان لا يراها قبل ذلك)(124).
ثانيا ـ ورد عن الامام عليّ في بدء الخلق:
أ ـ
ما رواه المسعودي بسنده عن الامام علي (ع) في كلام اوجز فيه بدء
الخلق وقال (ع):
(...
فسطح الارضَ على ظهر الماء، وأخرج من الماء دخانا فجعله السماء، ثمّ
استجلبهما إلى الطاعة فأذعنتا بالاستجابة، ثمّ أنشأ اللّه الملائكة
من أنوار أبدعها، وأرواح اخترعها، وقَرَنَ بتوحيده نبوّةَ محمد (ص)
فشهرت في السماء قبل بعثته في الارض، فلما خلق اللّه آدم أبَانَ فضله
للملائكة، وأراهم ما خصه به من سابق العلم من حيث عَرّفَه عند
استنبائه إياه أسماء الاشياء، فجعل اللّه آدم محرابا وكعبة وبابا
وقبلة أسجد إليها الابرار والروحانيين الانوار، ثمّ نبه آدم على
مستودعه، وكشف له عن خطر ما ائتمنه عليه، بعدما سماه إماما عند
الملائكة)(125)
ب ـ
ذكر خلق الخلق مفصلا في الخطبة الاولى من نهج البلاغة وقال:
(...
أَنشَأ الخَلْقَ إنشاء، وابتدأَهُ ابتِداء، بِلا رَوِيَّةٍ أَجالَها
وَلا تَجرِبةٍ استفادَها، وَلا حَرَكة أَحدثَها، ولا هَمامَةٍ نَفْسٍ
اضْطَرَبَ فيها أَحالَ
الاَشياء
لاَوقاتها وَلاَمَ بينَ مُختِلفاتِها غرَز وَغَرائِزَها، وأَلزَمَها
أَشباحَها عالِما بها قَبْلَ ابتِدائِها، مُحيطا بِحُدُوِدها
وانتِهائها عَارِفا بقرائِنِها وأَحنائها. ثُمَّ أَنشأَ سُبحانَهُ
فَتْقَ الاَجواء وَشَقَّ الاِرجاء، وَسَكائكَ الهوأ فأَجرى فيها ماء
مُتلاطما تَيّارُهُ مُتَرَاكِما زَخَّارُهُ. حَمَلَهُ
على مَتْنِ الريحِ
العاصِفَةِ، والزَّعْزَعِ القاصِفِةِ. فأَمرَها بِرَدِّهِ وَسَلّطَها
على شَدِّهِ، وَقَرَنَها إلى حَدِّه. الهواء منْ تِحتهِا فَتيقٌ
والماء من فُوْقها دَفيقٌ. ثُمَّ أَنشأَ سُبحانَهُ ريحا اعْتَقَمَ
مَهَبَّها وأَدامَ مُرَبَّها، وأَعصَفَ مَجراها، وأَبعَدَ مَنشأَها،
فأمَرَهَا بِتَصفيقِ الماء الزخاّر وإثارةِ مَوجِ البِحارِ،
فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقاء وَعَصَفَتْ بِهِ عّصْفا بالفضاء
تَرُدُّ أَوَّلَهُ إلى آخِرِهِ وَساجيهُ إلى مائرهِ. حتى عَبَّ
عُبابه. ورمى بالزَّبدَ رُكامَهُ فَرَفعَهُ في هُواء مُنْفَتقٍ وجوٍ
فَسَوَّى مِنهُ سَبْعَ سَمواتٍ جَعَلَ سُفلاهُنَّ مَوْجا مَكفوفا
وَعُلياهُنَّ سَقْفا مَحْفوظا وَسَمْكا مرفوعا بِغير عَمْدٍ يدعمها،
ولا دِسارٍ يَنظمُها ثُمَّ زَيَّنَها بِزينَةِ الكَواكِبِ، وَضياء
الثَّواقِبِ وأَجرى فيها سِراجا مُستَطيرا وَقَمَرا مُنيرا: في
فَلَكٍ دائرٍ، وَسَقْفٍ سائرٍ، وَرَقيمٍ مائرٍ ثُمَّ فَتَقَ ما بينَ
السمواتِ العُلا، فملأَهُنَّ أَطوارا مِن ملائكتِهِ منهم سُجُودٌ لا
يركعون، وَرُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ، وصافُّونَ لا يتزايَلونَ،
وَمُسَبِّحُونَ لا
يَسْأمونَ. لا يغشاهُم نومُ العَين، وَلا سهوُ
العقُولِ، وَلا فَتْرَةُ الايدانِ، وَلا غَفْلَةُ النِّسيانِ.
وَمِنْهُمْ أُمَناء عَلى وَحيْهِ وَألْسِنَةٌ إلى رُسُلِهِ،
وَمختلفونَ بِقضائهِ وَأَمرِهِ، وَمنْهُم الحَفَظَةُ لِعبادِهِ،
والسَّدَنَةُ لابوابِ جنانِهِ. ومنهمُ الثَّابِتَةُ في الارضينَ
السُّفلى أَقدامُهُم، والمارِقَةُ مِنَ السَّماء العُليا
أَعْناقُهُم، والخارِجَةُ مِنَ الاقطارِ أَرْكانُهُم، والمُناسِبَةُ
لِقَوَائم العرْشِ أَكتافُهُم. ناكِسَةٌ دُونَهُ أَبصارُهُم
مُتَلَفِّعُونَ تحتهُ بأَجنحَتِهم، مَضْرُوبَةٌ بَينهُم وبينَ مَنْ
دُونَهُمْ حُجُبُ العِزَّةِ، وأَستارُ القُدْرَةِ. لا يَتَوَهَّمُونَ
رَبَّهُم بِالتصوير، ولا يُجرونَ عَليهِ صِفاتِ المَصنُوعينَ، ولا
يَحِدّونَهُ بِالاماكِنِ، ولا يُشيرونَ إليه بِالنظائِرِ.
ثُمَّ جَمَعَ سُبْحانَهُ مِن حَزْنِ الارْضِ وسَهلِها، وَعَذْبِها
وَسَبْخِها تُرْبَةً سَنَّها بِالماء حتّى خَلَصَتْ. وَلاطَهَا
بالبَلَّةِ حَتّى لَزُبَتْ فَجَعَلَ مِنْها صُورَةً ذاتَ أَحناء
وَوُصولٍ وأَعضاء وَفصولٍ: أَجْمَدَها حَتّى استَمْسكت واصلَدَها حتى
صَلْصَلَت لِوقتٍ معدودٍ، وأَمدٍ معلومٍ، ثُمَّ نَفَخَ فيها مِنْ
روحهِ فَمَثُلَت إنسانا ذا أَذهانٍ يُجيلُها، وَفِكرٍ يَتصَرَّفُ
بِها، وَجَوارِحَ يَخْتَدِمُها، وأَدواتٍ يُقَلِّبُها، وَمَعْرِفَةٍ
يفْرُقُ بها بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ والاذواقِ واَلمشامِّ،
والالوانِ وَالاجْناسِ، معجونا بِطينَةِ الالوانِ المُختَلِفَة
وَالاشباهِ المؤتِلفةِ، والاضدادِ المتعادِيَةِ والاخلاطِ
المُتباينةِ، من الحَرِّ وَالبَردِ، والبَلَّةِ وَالجُمُودِ،
وَاستَأَدى اللّه سُبْحانَهُ الملائِكَةَ وديعتَهُ لديهم وعهدَ
وَصِيَّتِه إلَيهِم، في الاذعانِ بالسُّجودِ لَهُ، والخُشُوعٍ
لتَكرِمَتِه، فَقَالَ سُبْحانَهُ:
(اُسْجُدُوا لاَِّدَمَ) فَسَجَدُوا إلا إبليسَ اعتَرَتْهُ الحَميَّةُ
وغلبت عليهِ الشَّقوةُ وتَعَزَّزَ بِخِلْقَهِ النَّارِ وَاستهونَ
خَلقَ الصَّلصالِ، فأَعطَاهُ اللّه النَّظْرَةَ استِحقاقا
للسُّخطَةِ.... الخطبة.
ج ـ
روى المجلسي في البحار في انّه (ع) ذكر تفصيل خلق الملائكة وقال (ع):
وملائكة خلقتهم وأسكنتهم سماواتك، فليس فيهم فترة، ولا عندهم غفلة،
ولا فيهم معصية هم أعلم خلقك بك. وأخوف خلقك منك، وأقرب خلقك إليك،
وأعملهم بطاعتك ولا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة
الابدان، لم يسكنوا الاصلاب ولم تضمّهم الارحام، ولم تخلقهم من ماء
مهين، أنشأتهم إنشاء فأسكنتهم سماواتك وأكرمتهم بجوارك وائتمنتهم على
وحيك، وجَنَّبتَهم الافات، ووقيتهم البليّات وطهَّرتهم من الذنوب،
ولولا تقويتك لم يقووا، ولولا تثبيتك لم يثبتوا، ولولا رحمتك لم
يطيعوا، ولولا أنت لم يكونوا، أما إنّهم على مكانتهم منك وطواعيتهم
إيّاك ومنزلتهم عندك وقلّة غفلتهم عن أمرك لو عاينوا ما خفي عنهم منك
لاحتقروا أعمالهم، ولازروا على أنفسهم، ولعلموا أنّهم لم يعبدوك حقّ
عبادتك، سبحانك خالقا ومعبودا ما أحسن بلاءك عند خلقك(126).
شرح
الكلمات
أ ـ
الرَوِيَّة:
النظر والتفكير.
ب ـ
هَمامة النفس:
أَهَمَّهُ الامر اذا اقلقه وأحزَنَهُ.
ج ـ
أَحالَها:
حوّلها من العدم إلى الوجود في اوقاتها.
د ـ
لاَمَ:
لاَمَ بين الشيئين: جمع بينهما ووافق كما قرن النفس الروحانية بالجسد
المادّي في الانسان.
هـ ـ
غَرَّزَ الغَرائزَ:
الغرائز جمع الغريزة: الطبيعة وغرّز، الغرائز: اودع في كل مخلوق
طبيعته.
و ـ
ألْزَمَها أشْباحَها:
شَبَحَ الشيء: بدا غير جليّ والشبح ما بدا لك شخصه غير جليّ من بعد
وشَبَح الشَيء: ظلُّه وخياله، يقال: هم اشباح بلا ارواح.
والزم الغرائز أشباحها أي ألزم صاحب الطبيعة طبيعته فهي تلازمه ولا
يكون الشجاء مثلا: جبانا.
ز ـ
عارِفا بقرائنها وأحنائها:
القرائن جمع القرين المصاحب والاحناء جمع الحنو: الجانب وما اعوّج من
كل شيء، جسدا كان او غير جسد والحِنو عندئذ كناية عما خفي من الشيء
وأحناء الامور: مشتبهاتها ويكون المعنى عارفا بجميع ما يقترن بالخلق
ويخفى فيهم من طبائع وصفات.
ح ـ
انشأ سبحانه فتق الاجواء وشقّ الارجاء وسكاسك الهواء فتق الشيء:
شَقَّه.
والارجاء: جمع رَجأ: الجانب.
وَسَكائك جمع سُكاكة مثل ذَوائب: الهواء الملاقي عنان السماء
والمعنى: خلق الفضاء المنبسط والهواء الذي علا الفضاء في جميع جوانب
هذا الكون.
ط ـ
فاجرى منها ماء متلاطما، تيارّه متراكما زخّاره.
والزخّار: شديد الجري والامتداد والارتفاع، والمعنى أجرى في الفضاء
ماء يضرب بعض موجه بَعْضَا الاخر راكبا بعضهُ، فوق بعض الاخر الشديد
الجري.
ي ـ
حَمَلَهُ على مَتْنِ الرِّيحِ العاصِفَةِ والزَّعْزَعِ: زَعْزَعَهُ:
حَرّكه بشدةٍ والزَعزَع: من الريح: الشَّديدة والقاصِفَةِ، قصف
الرعد: اشتدّ صوته.
ك ـ
فَأمرَها بردِّهِ، وسلّطها على شَدِّهِ وقرنَها إلى حدِّه: أي أمر
الريح بردّ الماء من الهبوط وسلط الريح على شد وثاقه كأنّه سبحانه
اوثق الماء بالريح وقرنها إلى حدّه اي جعل الماء مماسّا لسطح الريح.
ل ـ
الهواء من تحته فتيق، والماء من فوقها دفيق فتق الشيء: شقه فهو فتيق
ودفق الماء: صبّه فهو دقيق والمعنى:
الهواء تحت الماء منبسط والماء فوق الهواء مصبوب.
م ـ
أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مَهَبَّها وَأدامَ مِرَبَّها وأغصفَ مجراها
وَأبْعَدَ مَنْشأَها.
اعتقم: الريح العقيم التي لا تلقح سحابا وَلا شجرا أي جعل هبوب الريح
لتحريك الماء حسب.
ومِرّبها: أرَيَّت الريح: دامت اي ادام هبوبها بلا توقف.
وَأعْصَفَ: عصفت الريح اشتد هبوبها والمعنى جعل سبحانه جريان الريح
شديدا.
س ـ
فأمرها بتصفيق الزخّار واثارة موج البحار:
صَفَقَ الشَّيء: ضربه ضربا يسمع له صوت وصفّقة مبالغة في الضرب
والاثارة. اثارهُ إثارةً: هيَّجه ونشره فمخضته مخض السقاء
للماء.
ع ـ
وعصفت بها عصفا بالفضاء تَرُدَّ أوّلَهُ إلى آخره وساجيه إلى مائره
حَتّى عبّ عبابه ورمى بالزبد ركامه:
مخض
السقاء التي فيها اللبن حركه تحريكا شديدا ليخرج الزبد من اللبن.
ساجيهِ: الساجي، الساكن والمائر الذي يذهب ويجيء او المتحرك وعبّ
عبابه: ارتفع اعالاه، وركامه ما تراكم مِنْهُ بَعْضُهُ على بعض
المعنى عصفت الريح الماء بالفضاء ومخضته كما يُمْخَضُ اللبن بالسقاء
ورمته بالفضاء تَرُدُّ أوَّلَهُ إلى آخره وساكنه إلى متحركه حتى
ارتفع اعلاه ورمى بالزبد ما تراكم منه.
ف ـ
فرفعه في هواء منفتق وجوّ منفهق فسوّى منهن سبع سموات.
منفهق: مفتوح واسع والمعنى: رفع زَبَدَ الماء في هواء مفتوقٍ وجوٍّ
واسعٍ وسوى سبحانه من ذلك الركام سبع سماوات.
ص ـ
جعل سفلاهن موجا مكفوفا وعلياهنّ سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا بغير عمد
يدعمها ولا دِسارٍ ينظمها.
المكفوف: الممنوع من السيلان، والسَّمْك: السّقف المرتفع والدِّسار
جمع الدُسر: المسامير أو الخيوط تشد بها الواح السفينة من ليف ونحوه
والمعنى جعل اللّه سبحانه الدنيا من أوّل أمره موجا ممنوعا من
السيلان وعليا السموات: سقف: محفوظا عاليا بلا عمد ولا مسامير يشد
بعضها إلى بعض.
ق ـ
ثمَّ زيَّنَها بِزينَةٍ الكَواكبِ وَضياء الثَّواقبِ وأجرى فيها
سِراجا مُستَطيرا وَقَمرا منيرا.
الثواقب: جمع الثاقب المنير المشرق والمستطير منتشر الضياء والمقصود
منه الشمس.
ر ـ
في فلك دائر وسقف سائر ورقيم مائر:
الرقيم: المرقوم: المكتوب والمائر: المتحرك أسْمَى مدار الكواكب
ومنطقة سيرها من السماء فَلَكا والمعنى: جعل الشمس سراجا منيرا في
فلكها أيْ مدارها في الجو والقمر كوكبا منيرا في فلكه اي مداره في
الجوّ وسقف سائر ولعلَّ المعنى ان الشمس والقمر مع فلكيهما في سقف
سائر اي في المجرّة التي تحويهما وتسير بهما في مجراها.
123 سنن الترمذي (11 / 26) ج 1 من تفسير سورة
البقرة وسنن أبي داود كتاب السنّة باب 16 ومسند أحمد (4 / 400 و4006)
وطبقات ابن سعد ط ـ اروبا (1 ق 1 / 605) واللفظ للترمذي.
124 طبقات ابن سعد ط ـ اروبا ج 1 / ق 1 / 10.
125 مروج الذهب (1 / 43).
126 البحار (59 / 175 ـ 176) نقلا عن تفسير القمّي
(583)