ـ 3 ـ‍ أسئلة وأجوبة

وفي هذا المقام ترد الاسئلة الاربعة الاتية:

السؤال الاول والثاني: كيف يكون الانسان مختارا في ما يصدر منه من فعل، مع تسلّط الشيطان عليه من حيث لا يراه، واغوائه بما

يوسوس إلى قلبه ويدعوه إلى فعل الشرّ!؟

وكذلك شأن الانسان الذي يعيش في المحيط الفاسد الّذي لا يرى فيه غير الشرّ والفساد أمرا!؟

السؤال الثالث: ماذا يستطيع أن يفعل الانسان الّذي لم تبلغه دعوة الانبياء في بعض الغابات؟

السؤال الرابع: ما ذنب ولد الزِّنا، وما جُبل عليه من حبّ فعل الشَّرِّ بسبب فعل والدَيه!؟

ونجد الجواب عن السؤالين الاوّل، والثاني في ما أوردناه في بحث الميثاق باوّل الكتاب، بأنّ اللّه تبارك وتعالى أَتَمَّ الحجّة على الانسان بما اودع فيهِ مِنْ غريزَةِ البحث عن سبب وجود كلِّ ما رآه والّتي توصله إلى معرفة مُسَبِّب الاسباب، ولذلك قال سبحانه وتعالى في سورة الاعراف / 172: (أنْ تَقولوا يَوْمَ القيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلين). فكما أنّ الانسان لن يغفل عن غريزة الجوع في حال من الاحوال حتى يملا جوفه بالطعام كذلك لن يغفل عن غريزة طلب المعرفة حتى يعرف مُسَبِّبَ الاسباب وفي الجواب عن السؤال الثالث نقول: قال اللّه سبحانه: (لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسا إلاّ وُسْعَها) (البقرة 286).

أمّا السؤال الرابع، فجوابه: إنّ ولد الزّنا ـ أيضا ـ ليس مجبورا على فعل الشرّ، وكلّ ما في الامر أنّ الحالة النفسيّة للوالدين في حال ارتكابها الزّنا وما يريان من نفسهما بأنّهما باشرا بفعلهما خيانة المجتمع وان المجتمع يتقذّر من فعلهما ويحتقرهما ويعاديهما لو اطّلع على فعلهما وأنّهما عند ارتكابهما الرذيلة في حالة معاداة للنزيهين من تلك الفعلة في المجتمع والذين هم أبرار المجتمع وأخياره والمتمسِّكون بفضائل الاخلاق والمعروفون بكل ذلك في المجتمع؛ وعليه فإنّ تلك الحالة النفسيّة العدائيّة منهما للمجتمع وأبراره تؤثِّر على النطفة حين انعقادها وتنتقل بالوراثة إلى ما يتكوّن من تلك النطفة، فأنّه يجبل على حبّ الشرّ والعداء للخيِّرين والمعروفين بالفضيلة في المجتمع، ومن الامثلة على ذلك زياد بن أبيه وولده ابن زياد في ما ارتكباه زمان امارتهما في العراق(121)، وخاصّة ما فعله ابن زياد بعد استشهاد الامام الحسين (ع)، مع جسده الشريف وأجساد المستشهدين معه من آل الرسول (ص) وأنصارهم من التمثيل بهم وحمله رؤوسهم من بلد إلى بلد وسوقه بنات الرسول (ص) سبايا إلى الكوفة وسائر ما عاملهم بها في حين انّه لم يبق بعد استشهاد الامام الحسين (ع) أيّ مقاوم لحكمهم ولم يكن أي مبرِّر له عندئذ في كل ما فعل من ظلم واستهانة بمقامهم في المجتمع عدا حبّه في كسر شوكة أشرف بيت في العرب وأفضله وتوهينهم وحبّه للشرّ وعدائه الجبلِّي الفطري للاكرمين في المجتمع.

وبناء على ذلك يكون حبّ الشرّ والرغبة في إيذأ الخيِّرين والمعروفين بالفضيلة في المجتمع فطريّ في ولد الزّنا على عكس ولد الزواج الحلال والذي ليس من فطرته حبّ الشرّ والرغبة في إيذاء الخيِّرين في المجتمع ولكنّهما مع كلّ ذلك ليسا مجبورين على القيام بكلّ ما يفعلانه ويتركانه من خير وشرّ وانّما مثلهما في ما جُبِلا عليه مثل شابٌ مكتمل الرجولة في الجسد وما يتمتّع به من حيويّة دافقة وشهوة عارمة للجنس مع شيخ هرم ناف على التسعين وتهدّمت قواه، يعاني الفتور وفقدان القوى الجسديّة، منصرف عن الشهوة الجنسية وفي عدم تمكّن الاخير من ارتكاب الزّنا وتوفّر القوى الجنسيّة في الاوّل؛ فإنّ الشابّ القويّ مكتمل الرجولة ـ أيضا ـ غير مجبور على ارتكاب الزّنا في ما إذا ارتكب ذلك ليكون معذورا في ارتكابه الرذيلة، وأمّا إذا تيسّر له ارتكاب الزّنا وخاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى(122) على عكس الشيخ الهرم فإنّه لا يُثاب على تركه الزّنا لانّه لم يترك الزّنا مع قدرته عليه.

وهكذا كلّما تعمّقنا في دراسة أي جانب من جوانب حياة الانسان، وجدناه مختارا في ما يصدر منه من فعل، عدا ما يصدر منه عن غفلة وعدم تنبّه.

***

إلى هنا كان محور البحوث في بيان عقائد الاسلام من آيات القرآن الكريم، وفي ما يأتي ندرس بإذنه تعالى سيرة المبلِّغين عن اللّه من القرآن الكريم أوّلا، وممّا نجد فيه شرحا وبيانا للايات الكريمة في التوراة والانجيل وكتب السيرة.


121 راجع بحث استلحاق زياد في المجلدّ الاوّل من كتاب عبد اللّه بن سبأ للمؤلِّف، وبحث استشهاد الامام الحسين (ع) في المجلّد الثالث من معالم المدرستين.

122 إشارة إلى قوله تعالى في سورة النازعات / 40: (وأمّا مَن خَافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النّفسَ عَنِ الهَوى فإنّ الجنّة هِيَ المَأوى).