ـ 2 ـ‍ روايات من أئمة أهل البيت (ع) في القضاء والقدر 

أوّلا: عن أوّل أئمّة أهل البيت عليّ بن أبي طالب (ع) روي في توحيد الصدوق بسنده إلى الامام الحسن (ع)، وفي تاريخ ابن عساكر بسنده إلى ابن عبّاس واللفظ للاوّل قال:

دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين (ع)، فقال: أخبرْنا عَنْ خروجنا إلى أهلِ الشامِ أبقضاء من اللّهِ وقدرٍ؟ فقال له أميرُ المؤمنين (ع): أجَلْ يا شيخ، فواللّهِ ما عَلَوتٌم تَلعةً ولا هبطتم بطنَ وادٍ إلاّ بِقضاء من اللّهِ وقدرٍ فقال الشيخ: عند اللّهِ أحتسبُ عنائي(110) يا أمير المؤمنين، فقال: مهلا يا شيخُ، لعلّكَ تظنُّ قضاء حتما وَقَدَرا لازِما(111) لَوْ كانَ كذِلك لبطلَ الثِّوابُ والعِقابُ والامرُ والنَهيُ والزَّجرُ، ولَسَقَطَ معنى الوعيد والوعد، ولم يكنْ على مُسي‌ء لائمَةٌ وَلا لمُحسنٍ مَحمَدَةٌ، ولَكانَ المحسِنُ أُولى بِالّلائمَةِ من المذنبِ وَالمذْنب أولى بالاحسانِ من المُحسنِ(112) تلكَ مقالةُ عبدَةِ الاوثانِ وخُصَماء الرَّحمنِ وقدريّة هذهِ الاُمّةِ ومجوسيها. يا شيخُ إنّ اللّهَ عزَّ وجلَّ كلّفَ تخييرا، وَنَهى تَحذيرا، وأعطى على القليلِ كثيرا، ولم يُعْصَ مغلوبا، ولم يُطَعْ مُكرَها، ولم يَخلُق السمواتِ والارض وما بينهما باطلا ذلك ظنُّ الّذين كفروا فويلٌ للّذين كفروا من النّار(113).

قال: فنهض الشيخ وهو يقول:

((أنت الامامُ الّذي نَرْجوا بطاعته‌يوم النّجاة من الرَّحمنِ غُفرانا))

((أوضَحْتَ منْ ديِننا ما كان مُلْتَبساجزاك ربّك عنّا فيه إحسانا))

((فَلَيْسَ مَعْذِرَةً في فِعْل فاحِشَة‌ٍقَدْ كُنْتُ راكبها فسقا وَعِصْيانا))(114)

ثانيا: عن السادس من أئمة أهل البيت (ع)، الامام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (ع): إنَّ الناسَ في القَدَرِ عَلى ثلاثةِ اَوجهٍ: رَجلٌ يزعمُ أنّ اللّهَ عَزّ وَجلّ أَجبَرَ الناسَ على المعاصي فهذا قد ظلمَ اللّهَ في حُكمِه فهو كافر.

ورجلٌ يزعمُ أنّ الامْرَ مفوّضٌ إليهم فهذا قد أوهنَ اللّهَ في سلطانِهِ فهو كافر.

ورجل يزعمُ أنَّ اللّهَ كَلّفَ العِبادَ ما يطيقون ولم يكلِّفُهم مالا يُطيقونَ وإذا أحسنَ حَمِدَ اللّه وإذا أساء استغفر اللّهَ فهذا مسلمٌ بالغ(115)

ثالثا: وعن الثامن من أئمة أهلِ البيت الامام أبي الحسن الرضا (ع) قال:

أ ـ إِنَّ اللّهَ عزَّ وجلَّ لم يُطَعْ بإكراهٍ، ولم يُعْص بغَلَبَةٍ، وَلَم يُهْمِل العبادَ في مُلكه، هو المالِكُ لما ملّكهم والقادرُ على ماأقدرَهم عليه فإن ائتَمَرَ العبادُ بطاعته لم يكن اللّه منها صادّا، ولا منها مانعا وان ائتَمَرُوا بمعصيته فشاء أنْ يحولَ بينهم وبين ذلِك فَعَلَ وإنْ لم يَحُلْ وفعلوه فليسَ هو الذي أدخلهم فيه(116).

يعني أن الانسان الّذي اطاع اللّه لم يكن مجبرا على الطاعة، والانسان الذي عصاه لم يغلب مشيئة اللّه بل اللّه شاء أنْ يكون العبد مختارا في فعله.

ب ـ قال:

قال اللّه تبارك وتعالى:

يا ابنَ آدمَ بمشيئتي كنتَ أَنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوَّتي أدَّيتَ إليَّ فرائضي، وبِنعمتي قويتَ على معصيتي، جعلتُك سميعا بصيرا قويّا، ما أصابك من حسنةٍ فَمِنَ اللّهِ وما أصابك من سَيِّئَةٍ فمنْ نفسك(117).

وفي رواية عملت بالمعاصي بقوتي التي جعلتها فيك(118).

وعن الامام أبي عبد اللّه الصادق (ع) قال:

أ ـ لا جبرَ ولا تفويض ولكِن أمرٌ بين أَمْرَين قال: قلت: وما أَمر بين أَمْرَين؟ قال: مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فَلَم يَنْتَهِ فتركتَه ففعلَ تلك المعصيَة، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية(119).

ب ـ ما استطعت أنْ تلوم العبد عليه فهو منه ومالم تستطع ان تلوم العبد عليه فهو من فعل اللّه.

يقول اللّه للعبدَ لِمَ عَصَيْتَ؟ لِمَ فَسَقْتَ؟ لم شَرِبتَ الخَمر؟ لِمَ زنيت؟ فهذا فعْل العَبِد، ولا يقول له لِمَ مَرِضْتَ؟، لِمَ قَصُرْتَ؟ لِمَ ابيَضَضْتَ؟ لِمَ اسودَدْت؟ لانّه من فعلِ اللّه تعالى(120).

 شرح الروايات

إنّ للجبر والتفويض جانبين:

أ ـ ما كان منهما من صفات اللّه.

ب ـ ما كان منهما من صفات الانسان.

فما كان منهما من صفات اللّه فينبغي أخذه منه بوساطة الانبياء، وأوصياء الانبياء عن الانبياء، وما كان من صفات الانسان فان قولنا: افعل هذا اولا افعله دليل على أنا نَفْعَل ما نفعله باختيارنا، وقد عرفنا مِمّا سبقَ أنَّ سَير الانسان في حياته لا يشابه سير الذرّة والكواكب والمجّرات المسخّرات بأمر اللّه في كلّ حركاتها وما يصدر منها من آثار.

ولم يفوض اللّه إليه أمر نفسه وكلّ ما سخّر له ليفعل ما يشاء كما يَحبُّ، وكما تهوى نفسه، بل إنّ اللّه أرشده بوساطة أنبيائه كيف يؤمن بقلبه بالحقّ، وهداه إلى الصالح النافع في ما يفعله بجوارحه، والضّارِّ منه، فاذا اتبع هدى اللّه، وسار على الطريق المستقيم خطوة أخذ اللّه بيده وسار به عشر خطوات ثُمَّ جزاه بآثار عمله في الدنيا والاخرة سبعمائة مرّة اضعاف عمله واللّه يضاعف لمن يشاء بحكمته ووفق سُنَّتِه.

وقلنا في المثل الذي ضربناه في ما سبق، بانّ اللّه أدْخَلَ الانسانَ المؤمن والكافر في هذا العالم في مطعم له من نوع (سلف سرويس) كما قال سبحانه في سورة الاسراء / 20: (كُلاًّ نُمِدُّ هؤلاء وَهؤلاء مِنْ عَطَاء رَبِّك وَما كان عَطاء رَبِّكَ مَحظورا).

فلولا إمداد اللّه عبيده بكل ما يملكون من طاقات فكرية وجسديّة، وما سَخَّرَ لهم في هذا العالم لما استطاع المؤمن أن يعمل عملا صالحا، ولا الضالّ الكافر أن يعمل عملا ضارّا فاسدا، ولو سلبهم لحظة واحدة اي جزء ممّا منحهم من الرؤية والعقل وَالصحة و... و... لما استطاعوا أن يفعلوا شيئا، إذا فإنّ الانسان يفعل ما يفعل بما منحه اللّه بمحض اختياره، وبناء على ما بَيّنّاهُ، أنّ الانسان لم يفوّض إليه الامر في هذا العالم، ولم يجبر على فعلٍ بل هو أمر بين الامرين، وهذه هي مشيئة اللّه وسنّته في أمر أفعال العباد، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلا.


110 أي ان كان خروجنا وجهادنا بقضائه تعالى وقدره لم نستحق أجرا فرجائي ان يكون عنائي عند اللّه محسوبا في عداد أعمال من يتفضل عليهم بفضله يوم القيامة.

111 بالمعنى الذي زعمته الجبرية.

112 لانّهما في أصل الفعل سيان، اذ ليس بقدرتهما وارادتهما مع أن المحسن يمدحه الناس وهو يرى ذلك حقا له وليس كذلك فليستحق اللائمة دون المذنب، والمذنب يذمه الناس وهو يرى ذلك حقا عليه وليس كذلك فليستحق الاحسان كي ينجبر تحمّله لاذى ذم الناس دون المحسن.

113 كما في سورة ص: 27.

114 توحيد الصدوق (380) وترجمة الامام علي (ع) في تاريخ ابن عساكر (3 / 231) تحقيق الشيخ المحمودي.

115 توحيد الصدوق 2 360 ـ 361.

116 توحيد الصدوق 361.

117 توحيد الصدوق 328 / 340، 344، 362 والكافي 1 / 160.

118 التوحيد ص 362.

119 الكافي 1 / 160 والتوحيد ص 362.

120 الطرائف.