أوّلا ـ البداء في اللّغة
للبداء فياللّغة معنيان:
أ ـ
بدا الامر بُدُوّا وبَداء: ظهر ظهورا بيِّنا.
ب ـ
بدا له في الامر كذا: جدّ له فيه رأي، نشأ له فيه رأي.
ثانيا ـ البداء في مصطلح علماء العقائد الاسلامية:
بدا
اللّه في أمرٍ أي ظهر له في ذلك الامر ما كان خافيا على العباد.
وأخطأ من ظنّ أن المقصود من بدأ للّه في بداء جَدَّ له في ذلك الامر
غير الامر الذي كان له قبل البدأ، تعالى اللّه عن ذلك عُلُوّا كبيرا.
ثالثا
ـ البداء في القرآن:
أ ـ
قال اللّه تعالى في سورة الرعد:
(وَيَقولُ الّذينَ كَفرُوا لَولا أُنزِلَ عَليهِ آيةٌ مِنْ رَبِّهِ)
(الايتان 7 و27).
ثمّ
قال تعالى:
(وَما كانَ لِرَسولٍ أنْ يأتَي بآيتةٍ ألاّ بأذنِ اللّهِ لِكُلِّ
أَجْلٍ كتاب* يَمحو اللّهُ ما يَشاء وَيُثْبِتُ وعنده أُمُّ الكِتاب*
وَأنْ ما نُرِينّكَ بَعضَ
الّذي نَعِدُهُم أو نَتَوَفِّيَنَّكَ فَإنَّما عليكَ البَلاغُ وعلينا
الحِساب) (الايات 38 ـ 40).
شرح
الكلمات
1 ـ
آية:
الاية في اللّغة: العلامة الظاهرة كما قال الشاعر:
وفي
كلّ شيء له آيةتدلّ على أنَّه واحد وسُمِّيت معجزات الانبياء آيةً
لانّها علامة على صدقهم وعلى قدرة اللّه الّذي مكّنهم من الاتيان
بتلك المعجزة، مثل عصا موسى وناقة صالح، كما جاءت في الاية (67) من
سورة الشعراء والاية (73) من سورة الاعراف.
وكذلك سمّى القرآن أنواع العذاب الذي أنزله اللّه على الاُمم الكافرة
بالاية والايات، كقوله تعالى في سورة الشعراء عن قوم نوح:
(ثُمَّ أَغرَقنا بَعدُ الباقينَ* إنَّ في ذلكِ لايَة) (الايتان 120 ـ
121).
وعن
قوم هود:
(فَكَذَّبوهُ فَأَهْلَكْناهُم إنَّ في ذلكَ لايَة) (الاية 139).
وعن
قوم فرعون في سورة الاعراف:
(فَأَرسَلنَا عليهِمُ الطّوفانَ وَالجَراد والقُمَّلَ والضَّفادِعَ
وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلات) (الاية 133).
2 ـ
أجل:
الاجل: مدّة الشيء والوقت الذي يحدّد لحلول أَمْرٍ وانتهائه، يقال:
جاء أجله اذا حان موته، وضربت له أجلا: أي وقتا محدَّودا لعمله.
3 ـ
كتاب:
للكتاب معانٍ، مُتَعَدِّدةٌ، والمقصود منها هنا: مقدار مكتوب أو
مقدّر، ويكون معنى (لَكُلِّ أَجَلٍ كِتاب): لوقت إتيان الرسول بآية
زمان مقدّر معيّن.
4 ـ
يمحو:
محاه
في اللّغة: أزاله وأبطله، أو أزال أثره مثل قوله تعالى:
أ ـ
في سورة الاسراء:
(فَمَحَونا آيَةَ اللّيلِ وَجَعَلنْاه آيَةَ النَّهارِ مُبصِرَة)
(الاية 12).
وآية
اللّيل هي اللّيل، ومحو اللّيل: إزالته.
ب ـ
في سورة الشورى:
(وَيَمْحُ اللّهُ الباطِلَ وَيُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِه) (الاية
24).
أي
يذهب بآثار الباطل.
تفسير الايات
أخبر
اللّه سبحانه وتعالى في هذه الايات أن كفار قريش طلبوا من رسول اللّه
(ص) ان يأتيهم بآيات، كما بيَّن طلبهم ذلك في قوله تعالى في سورة
الاسراء:
(وَقالوا لَنْ نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تفْجرَ لَنا مِنَ الارضِ
يَنبُوعا*... أَوْ تُسْقِطَ السَّماء كَما زَعَمْتَ عَليْنا كِسَفا
أَو تَأْتَيِ بِاللّهِ وَالمَلائكَةِ قَبيلا)
(الايتان 90 و92).
وقال
في الاية (38) من سورة الرعد: (وَما كانَ لِرَسولٍ أَن يَأتيَ
بِآيةٍ) مقترحةٍ عليه (إلاّ بَإذْنِ اللّهِ) وأنّ لكل أمرٍ وقتا
محدّدا سجِّل
في كتاب.
واستثنى منه في الاية بعدها وقال: (يَمحوا اللّهُ ما يَشاء) من ذلك
الكتاب ما كان مكتوبا فيه من رزق وأجَل وسعادة وشقاء وغيرها
(وَيُثْبِتُ مايَشأ) ممّا لم يكن مكتوبا في ذلك الكتاب (وَعنده اُمُّ
الكتاب) أي أصل الكتاب وهو اللّوح المحفوظ الذي لا يتغيَّر ما فيه
ولا يبدل.
وبناء على ذلك قال بعدها: (وَإن ما نُريَنَّكَ بَعضَ الّذي
نَعِدُهُم) من العذاب في حياتك (أوْ نَتَوفَّيَنَّك) قبل ذلك
(فَإنَّما عليكَ البَلاغ) فحسب... ويدلّ على ما ذكرناه ما رواه
الطبري والقرطبي وابن كثير في تفسير الاية وقالوا ما موجزه:
إنّ
الخليفة عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت ويقول: اللّهمّ ان كنت كتبتني
في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب
فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت،
وعندك أُمُّ الكتاب.
وروي
عن الصحابي ابن مسعود أنّه كان يقول:
اللّهمّ إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في
الاشقياء فامحني من الاشقياء وأكتبني في السعداء، فإنّك تمحو ما تشاء
وتثبت، وعندك أُمُّ الكتاب.
وروي
عن أبي وائل أنّه كان يكثر أن يدعو: اللّهم إن كنت كتبتنا أشقياء
فامح وأكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنّك تمحو ما
تشاء وتثبت وعِنْدَكَ أُمُّ الكتاب(87).
وفي
البحار: وإن كنت من الاشقياء فامحني من الاشقياء واكتبني من
السّعداء، فإنّك قلت في كتابك المنزّل، على نبيّك صلواتك عليه وآله:
(يَمْحُو اللّهَ ما يَشَاء وَيُثْبِتْ وَعِنْدهُ أُمُّ الكِتَاب)))(88).
واستدلّ القرطبي ـ أيضا ـ على هذا التأويل بما روى عن صحيحي البخاري
ومسلم انّ رسول اللّه (ص) قال:
(مَن
سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزقِهِ وَيُنْسأَلَهَ في أَثَرِهِ ـ
أَجَلهِ ـ فَلْيصلْ رَحِمَه).
وفي
رواية: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمُدَّ اللّهُ في عُمُرِه وَيَبْسُطَ
لَهَ رِزْقَهُ فَلْيَتَّقِ اللّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَه)(89).
ونقل
عن ابن عبَاس أنّه قال في جواب من سأله وقال: كيف يزاد في العمر
والاجل؟ قال اللّه عزّ وجلّ: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مَسَمَّىً عِنْدَه) فالاجل الاوّل أجل
العبد من حين ولادته إلى حين موته، والاجل الثاني ـ يعني المسّمى
عنده ـ من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البرزخ لا يعلمه إلاّ اللّه،
فإذا اتَّقى العبد ربّه ووصل رَحِمَه، زاده اللّه في أجل عمره الاوّل
من أجل البرزخ ما شاء، وإذا عصى وقطع رَحِمَه، نقصه اللّه من أجل
عمره في الدنيا ما شاء، فيزيده من أجل البرزخ... الحديث(90).
وأضاف ابن كثير على هذا الاستدلال وقال ما موجزه:
وقد
يستأنس لهذا القول ما رواه أحمد والنسائي وابن ماجة عن النبي (ص)
أنّه قال:
(إنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنب يُصيبُهُ وَلا يَردُّ
القدر إلاّ الدُّعاء ولا يَزيدُ في العُمْرِ إلاّ البِرّ)(91).
وقال: وفي حديث آخر:
(إنَّ الدُّعاء وَالقَضاء لَيَعْتَلِجان بينَ السَّماء والارض)(92).
كان
ما ذكرناه وجها واحدا مما ذكروه في تأويل هذه الاية وذكروا معها
وجوها اُخر في تأويل الاية مثل قولهم:
إنّ
المراد محو حكم وإثبات آخر، أي نسخ الاحكام، والصواب في القول، انّه
يعمّ الجميع وهذا ما اختاره القرطبي ـ أيضا ـ وقال:
(..
الاية عامّة في جميع الاشياء وهو إلاّ ظهر واللّه أعلم)(93).
وروى
الطبري والسيوطي عن ابن عباس في قوله تعالى (يَمْحُو اللّهُ ما يَشاء
وَيُثبْتُ وعنده اُمُّ الكِتابِ) قال: يُقَدِّرُ اللّهُ أَمر
السَّنَةِ في لَيلِة القَدرِ إلاّ السعادَةَ والشَقاء(94).
يمحو
اللّه ما يشاء ويثبت قال: من أحد الكتابين هما كتابان يمحو اللّه من
احدهما ويثبت وعنده أُمُّ الكتاب أي حملة الكتاب(95).
ب ـ
قال سبحانه وتعالى في سورة يونس:
(فَلولا كانَت قَريةٌ آمَنَتْ فَنفعَها إِيمانُها إلاّ قَومَ يُونسَ
لّما آمَنوا كَشَفنا عَنهم عَذابَ الخِزي في الحَياةِ الدُّنيا
وَمَتَّعناهُم إلى حِين) (الاية98).
شرح
الكلمات
أ ـ
كَشَفْنَا:
كشف
عنه الغمّ: أزاله، وكشف العذاب: أزاله.
ب ـ
الخِزْيُ:
خَزيَ خِزْيا: هان وافتضح.
ج ـ
حين:
الحين: الوقت والمدّة من غير تحديد في معناه بِقِلَّةٍ أو كَثْرَة.
تفسير الاية
قصة
يونس بايجاز كما في تفسير الاية بتفسير الطبري والقرطبي ومجمع
البيان(96): أنّ قوم يونس كانوا بنينوى من أرض
الموصل وكانوا يعبدون الاصنام، فأرسل اللّه إليهم يونس (ع) يدعوهم
إلى الاسلام وترك ما هم عليه فأبوا، وتبعه منهم عابد وشيخ من بقية
علمائهم وكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم والعالم ينهاه
ويقول له: لا تدعُ عليهم فانّ اللّه يستجيب لك ولا يحبّ هلاك عباده.
فقبل يونس قول العابد فأخبر اللّه تعالى أنّه يأتيهم العذاب في شهر
كذا في يوم كذا فاخبرهم يونس بذلك فلما قرب الوقت خرج يونس من بينهم
مع العابد وبقي العالم فيهم وقال قومه:
لم
نجرّب ـ يونس ـ عليه كذبا فانظروا فإنْ باتَ فيكم الليلة فليس بشيء
وإن لم يبت فَاعلموا أنَّ العذاب مصبحكم فلما كان في جوف
اللّيل خرج
يونس من بين اظهرهم ولما علموا ذلك ورأوا آثار العذاب وأيقنوا
بالهلاك ذهبوا إلى العالم فقال لهم: افزعوا إلى اللّه فانّه يرحمكم
ويرد العذاب عنكم، فاخرجوا إلى المفازة وفرّقوا بين النساء والاولاد
وبين سائر الحيوان وأولادها ثمّ ابكوا وادعوا، ففعلوا. خرجوا إلى
الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ولبسوا المسوح وأظهروا
الايمان والتوبة وأخلصوا النيّة وفرّقوا بين كل والدة وولدها من
الناس والانعام، فحنَّ بعضها إلى بعض وعلت أصواتها واختلطت أصواتها
بأصواتهم وتضرّعوا إلى اللّه عزّ وجلّ وقالوا آمنّا بما جاء به يونس،
فرحمهم ربّهم واستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعدما اظلهم، بعد أن
بلغ من توبتهم إلى اللّه، رَدّوا المظالم بينهم حتى أن كان الرجل
ليأتي الحجر وقد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه ويرده وكذلك محا اللّه
العذاب عن قوم يونس بعد ان تابوا وكذلك يَمحُو اللّهُ ما يشاء
وَيُثْبِتُ وعنده اُمُّ الكِتابِ.
ج ـ
قال سبحانه وتعالى في سورة الاعراف:
(وَواعَدْنا موسى ثَلاثينَ لَيلَةً وَأَتْمَمناها بِعَشرٍ فَتَمَّ
ميقاتُ رَبِّهِ أربَعينَ ليلة) (الاية 142).
وقال
في سورة البقرة:
(وَإذْ واعَدْنا موسى أَربعينَ لَيلةً ثُمَّ اتَّخَذتُم العِجْلَ
مِنْ بَعدهِ وَأنْتمُ ظالِمون) (الاية 51).
87 أخرج الاحاديث الثلاثة الطبري بتفسير الاية،
وأبو وائل شفيق بن سلمة الاسدي الكوفي. قال في ترجمته بتهذيب
التهذيب: ثقة مخضرم، أدرك عهد الصحابة والتابعين، مات في خلافة عمر
بن عبد العزيز، وله مائة سنة، أخرج له جميع أصحاب الصِّحاح والسنن
(10 / 354).
88 البحار (98 / 162).
89 صحيح البخاري (3 / 34) كتاب الادب، باب 12 و13،
وصحيح مسلم ص 1982 الحديث 20 و21 من باب صلة الرحم، ومسند أحمد 3 /
156 و247 و266 و5 / 76.
90 تفسير القرطبي (9 / 329 ـ 331).
91 والرواية في سنن ابن ماجة، المقدّمة، باب 10،
الحديث 90.
92 تفسير ابن كثير (2 / 519).
93 تفسير القرطبي (9 / 329).
94 تفسير الطبري (13 / 111) والسيوطي واللفظ
للطبري.
95 تفسير السيوطي (4 / 65) عن ابن جرير الطبري
والحاكم قال وصحّحه.
96 مجمع البيان (3 / 135)، القرطبي (8 / 384)،
الطبري (11 / 118)، والدرّ المنثور (3 / 317).