الكرسيّ:

الكرسيُّ في اللّغة: السرير والعِلم.

روى الطبري والقرطبي وابن كثير عن ابن عباس واللّفظ من الطبري بإيجاز انّه قال كرسيّه عِلْمُهُ.

قال الطبري: كما أخبر عن ملائكته أنّهم قالوا في دعائهم: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَي‌ء رَحْمَةً وَعِلْما فأخبر تعالى ذِكْرُه أنَّ علمه وسع كل شي‌ء، فكذلك قوله وسع كرسيّه السموات والارض، قال: وأصل الكرسي العِلْمُ، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب: كراسة.

ومنه يقال للعلماء الكراسي.

ومنه قول الرّاجز: (حتّى اذا ما احتازها انكرّسا) يعني: علم.

ومنه قول الشاعر:

تحف بهم بيض الوجوه وعصبة‌كراسيّ بالاحداث حين تنوب

يعني بذلك علماء بحوادث الاُمور ـ انتهى ما نقلناه عن الطبري.

ونضيف إلى ما قاله الطبري ونقول بحوله تعالى:

وحكى اللّه عن إبراهيم (ع) انّه قال لقومه:

(وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شي‌ء عِلْما أفلا تَتَذَكَّرون) (الانعام 80).

وعن شعيب (ع) انّه قال لقومه:

(وَسِعَ ربُّنا كُلَّ شي‌ء عِلما) (الاعراف 89).

وعن موسى (ع) أنّه قال للسّامري:

(إنَّما إلهكُمُ اللّهُ الذي لا إله إلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَي‌ء عِلما) (طه 98).

وقال الامام الصادق (ع) السادس من أوصياء الرسول (ص) في جواب من سأله عن قوله تعالى:

(وَسِعَ كُرسِيُّهُ السمواتِ والارض) (البقرة 255).

قال: علمه(82).

وانّ الكرسيَّ جاء في مكان واحد في القرآن الكريم في قوله تعالى:

(يَعلمُ ما بَينَ أَيديهِم وَما خلفهم وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَي‌ء مِن عِلمِه إلاّ بِما شاء وَسِعَ كُرسِيّهُ السَّمواتِ والاَرض...) (البقرة 255).

ومجيئه في هذه الجملة بعد علمه يدلّ على أنّ المقصود من كرسيّه، علمه تعالى. ويكون معنى الجملة عندئذ يعلم ما بَينَ أيديهم وما خَلْفَهُم ولا يحيطون بِشَي‌ء مِن عِلْمِهِ إلاّ بِما شَاء وَسِعَ عِلْمُهُ السّمواتِ والارْض.

وعلى هذا فإنّ معنى بعض الروايات انّ (كلَّ شي‌ء في الكُرسي) أي إنّ كل شي‌ء في علم اللّه.

***

ويتّصل ببحث الاسماء الحسنى ـ أيضا ـ بحث العبودية الذي ندرسه في ما يأتي بحوله تعالى.


82 توحيد الصدوق، ص 327، باب معنى قول اللّه عزَّ وجلَّ: (وسع كرسيّه السموات والارض).