رابعا ـ الاسم:

جاء الاسم في المصطلح القرآني بمعنى صفات الشي‌ء وخواصه المبيِّنة لحقيقته.

وبناء على ذلك فإن قوله تعالى: (علَّمَ آدمَ الاسماء كلَّها) أي علَّمه خواصَّ الاشيأ كلّها والعلوم كلّها ما عدا علم الغيب الذي لا يشارك اللّه فيه أحدٌ إلاّ مَنْ خصّه اللّه بتعليمه ما شاء من أنباء الغيب.

ومعنى: (وَهُوَ الذي سَخّرَ البَحْرَ لِتأكُلُوا مِنهُ لَحما طَريّا وتَستَخرجِوا مِنهُ حِلْيَةً تَلبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فيه) (النحل 14) أنّه سخر البحر لنا لننتفع منه وهو من مواضع تعليم آدم (ع)، كما أنّ معنى ما ذكره اللّه قبل هذه وقال:

(والانعام خلقها لَكُم فيها دف‌ْء وَمَنافعُ وَمِنها تأكُلونَ* وَلَكُم فيها جَمالٌ حينَ تُريحونَ وَحينَ تَسْرَحونَ* وَتَحْملُ أَثقالَكُم إلى بَلَدٍ لَم تَكونُوا بالِغيهِ إلاّ بشقِّ الانْفُس إِنَّ رَبِّكم لَرَؤوفٌ رَحيم* والخَيلَ والبِغالَ والحَميرَ لِتَركَبوها وَزِينَة...) (الايات 5 ـ 8).

أنَّه سخَّرها لنا وعلَّمنا كيف ننتفع منها للاكل والدف‌ء والركوب وحمل الاثقال.

وقال في سورة الزخرف:

(والّذي خلق الازواجَ كُلَّها وجعل لَكُم مِنَ الفُلْكِ وَالاَنعامِ ما تَركَبون* لِتَستَووا عَلى ظُهوِره ثُمَّ تَذكروا نِعمةَ رَبِّكم إِذا استَويتُم عليه وتَقُولوا سُبحانَ الذي سَخِّر لَنا هذا وما كُنّا لَهُ مُقرنِين) (الايتان 12 ـ 13).

فكما أنّه هو الذي علَّمنا أن ننتفع ممَّا ذكره في هذه الايات وسخَّرهُ لنا بمقتضى ربوبيته، كذلك فانّه هو الذي أوحى إلى النحل ـ أي ألهمها ـ‍ أن تتّخذ من الجبال بيوتا وتجرس من الزهر النَّور وتعمل العسل، وهو الذي سخّر البحر للاسماك وعلَّمها غريزيا كيف تنتفع منه، وهكذا سخَّر  برحمته الواسعة لكلّ واحد من خلقه ما يحتاج من سائر ما خلق، وعلَّمه خواصَّ الاشياء التي يحتاجها، وبعبارة اُخرى علَّم النحل أسماء ما يحتاجه لادامة حياته، وعلَّم الحيتان أسماء ما تحتاجه لادامة حياتها وسخَّرهُ لها.

أمّا الانسان الذي قال اللّه تعالى عنه عندما أتّم خلقه: (فَتَبَارَكَ اللّهُ أحْسَنُ الخالِقينَ) فقد علَّمه الاسماء كلَّها وقال تعالى في سورة

الجاثية:

(وَسَخَّرَ لَكُم ما في السمواتِ وما في الارضِ جَميعا) (الاية 13).

وقال في سورة لقمان:

(أَلَم تَرَوا أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُم ما في السَمواتِ وما في الارض) (الاية 20).

وبناء على ذلك فإنّ الربَّ الرحمن قد هدى كل صنف من خلقه إلى الانتفاع بما يحتاجه من سائر الخلق، وجعل الخلق الذي يحتاجه هذا الصنف سخريّا له وذلك بتعليمه تكوينيّا بما وهبه من عقل خواصَّ جميع الاشياء إذا سعى وجاهد في تعلُّمها، وسخَّر له جميع المخلوقات ليتّخذها سخريّا له، فإذا سعى جاهدا لتعلُّم خواصّ الذرّة، تعلَّم خواصَّها، ولمّا كانت ممّا سُخِّر للانسان فقد استطاع أن يفلقها ويستعملها في تحقيق أهدافه. كما علَّمه خواصَّ النار والكهرباء وغيرهما من العلوم الفيزيائية والكيميائية، وسخّرها له ليصنع من اصناف الفلزّات سفينةً فضائيّةً يمتطيها من جانب من الارض إلى جانب آخر.

ولمّا كان هذا الانسان بحاجةٍ إلى من يهديه كيف ينتفع بما سخَّر له من الخلق ولا يستعمل ما علّمه وما سخَّره له في ما يضرُّ به نفسه ويهلك به الحرث والنسل فقد أرسل الربُّ الرحمنُ الانبياء كي يهدوه كيف يعمل في ما علَّمه وسخّره له.

وبناء على ذلك فإنّ من آثار رحمة الربِّ الرَّحمان إرسال الانبيأ وإنزال الكتب وتعليم الناس، وجأ بيان ذلك في سورة الرحمن مع تفسير لفظ الرحمن وجملة: (الرحمنُ على العَرشِ استَوى) حيث قال سبحانه وتعالى في سورة الرحمن:

(الرَّحمنُ* عَلَّمَ القُرآن).

(خَلَقَ الانْسانَ* علَّمَهُ البَيان).

إذا فإن من آثار رحمة الرحمن للانسان تعليمه القرآن خاصّة والبيان عامة.

(إنْ كُلُّ مَنْ في السَمواتِ والارضَ إلاّ آتي الرحمنِ عَبْدا) (مريم 93).

(الشَمْسُ وَالقمرُ بِحُسبان* وَالنجمْ والشجَرُ يَسجُدان).

(والسماء رَفَعَهاـ الربُّ الرحمنُ ـ ووضع الميزان).

(... وَالارضَ وَضعها لِلانام). للانسان.

(فيها فاكِهَةٌ والنَخلُ ذاتُ الاكمام* والحَبُّ ذو العَصفِ والرّيحان* فَبِأَيّ آلاء رَبِّكُما تُكَذِّبان) إلى قوله في آخر السورةَ (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذي الجَلالِ والاكْرام).

وإنَّ الربّ هو الذي:

(يَبسُطُ الرّزقَ لِمَن يَشاء ويَقْدِر) (سبأ 36 و39).

وكلّ ما ذكر من آثار رحمة الرب في الدنيا تعمُّ الناس أجمعين مؤمنين وكافرين. وبناء على ما ذكرناه فالرحمن من صفات الربِّ في الدنيا، وهي تعمُّ الخلائق أجمعين، ثمّ الناس مؤمنين وكافرين.

ولمَّا كان الربُّ يهدي الناس بوسيلة الوحي إلى الرسل فإنّ القرآن يسند الوحي إلى الربّ ويقول:

(... ذلكَ ممّا أَوحى إليك رَبُّكَ مِنَ الحِكمَةَ) (الاسراء 39).

(إتَّبِعْ ما أُوحِيَ إليك مِنْ رَبِّك) (الانعام 106).

وكذلك يسند إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى الرب، كما أخبر عن هود (ع) أنّه قال لقومه:

(يا قَوْمِ لَيْسَ بي سَفاهَةٌ وَلكنِّي رَسُول مِنْ رَبِّ العالَمينَ* أُبَلِّغُكُم رِسالاتِ رَبِّي...) (الاعراف 67 ـ 68).

وعن نوح أنّه قال لقومه:

(يا قومِ لَيسَ بي ضَلالةٌ وَلكنّي رَسولٌ مِنْ رَبِّ العالمينَ* اُبلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي...) (الاعراف 60 ـ 61).

وعن موسى (ع)أنّه قال لفرعون:

(يا فِرعَونُ إنّي رَسولٌ مِنْ رَبِّ العالَمينَ) (الاعراف 104).

وفي إنزال الكتب يقول:

(واتلُ ما اُوحِيَ إليك مِنْ كِتابِ رَبِّك) (الكهف 27).

(تَنزيلُ الكِتاب لا رَيبَ فيهِ مِنْ رَبِّ العالَمين) (السجدة 2).

(إنّهُ لَقُرآنٌ كَريمٌ* ... تَنْزيلٌ مِنْ رَبِّ العالَمين) (الواقعة 77 و80).

ويسند الامر إلى الربّ، قال تعالى:

(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالقِسطِ، وَأَقيموا وُجوهَكم عند كُلِّ مَسجِد) (الاعراف 29).

ومن ثمَّ تكون الطاعة لاوامر الرب.

كما أخبر اللّه تعالى عن خاتم الانبياء والمؤمنين وقال:

(آمَنَ الرسولُ بِما أُنزِلَ إليه مِنْ رَبِّهِ والمؤمِنون... قالُوا سَمِعْنا وَأَطعنا غُفرانَكَ رَبَّنا...) (البقرة 285).

ولمّا كانت الرسل هي التي تبلِّغ أوامر الربّ فقد أمر اللّه سبحانه وتعالى بطاعتهم وقال:

(أَطيعوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم) (محمّد 33).

وكذلك تكون المعصية معصيةً لاوامر الربّ كما قال سبحانه:

(فَسَجدوا إلاّ إِبليسَ كانَ مِنَ الجِنّ ففسق عن أمرِ رَبِّه) (الكهف 50).

وقال عزَّ من قائل:

(فَعَقَروا الناقَةَ وَعَتَوا عَن أَمر رَبِّهم) (الاعراف 77).

وأحيانا يسقط لفظ الامر كما قال سبحانه وتعالى:

(وَعَصى آدَمُ رَبَّه فَغَوى) (طه 121).

ولّما كانت الرسل تبلِّغ أوامر الرب فإنَّ معصيتهم تعتبر معصية للرب كما أخبر اللّه عن فرعون وقومه ومن كان قبلهم، وقال:

(فَعَصَوا رَسولَ رَبِّهم) (الحاقة 10).

وبعد المعصية قد يتوب العبد ويستغفر رَبَّه فيتوب عليه كما أخبر عن ذلك سبحانه وقال:

(الّذينَ يَقولونَ رَبَّنا آمنَّا فاغفِر لَنا ذُنوبَنا) (آل عمران 16).

(وَما كانَ قَولُهُم إلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنا أغفِرْ لَنا ذُنوبَنا) (آل عمران 147).

(رَبّنا اغفِر لَنا ذُنوبَنا وَكَفِّر عَنّا سَيّئاتِنا) (آل عمران 193).

وقال في سورة القصص يحكي عن موسى أنّه قال:

(... رَبِّ إنّي ظَلمتُ نَفسي فاغفِر لي فَغَفَرَ لَه) (الاية 16).

ومن ثمّ فإنَّ من صفات الربّ: الغفور والغفار كما قال سبحانه وتعالى في سورة الاعراف:

(وَالّذينَ عَمِلوا السيِّئاتِ ثُمَّ تابوا مِنْ بَعدِها وَآمَنوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِها لَغَفورٌ رَحيم) (الاية 153).

وحكى في سورة نوح (ع) أنّه قال لقومه:

(فَقْلتُ أستَغفِروا رَبَّكم إنَّه كانَ غَفَّارا) (الاية 10).

وقال سبحانه وتعالى في سورة البقرة:

(فَتلقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّه كلماتٍ فَتابَ عليه إنَّهُ هُوَ التَوَّابُ الرّحيم) (الاية 37).

أمّا من لم يستدرك المعصية بالتوبة فإنَّ الربَّ سيجازيه على عمله كما قال سبحانه وتعالى في سورة البيِّنة:

(إنَّ الّذينَ كَفَروا... في نارِ جَهنَّم... إنّ الّذينَ آمنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ... جَزاؤهُم عند رَبِّهم جَنّاتُ عَدْنٍ... ذلِكَ لَمِن خَشيَ رَبَّه) (الايات 6 ـ 8).

وجزاء الربّ للاعمال قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الاخرة، وقد يكون في كليهما، ويسند القرآن جميعها إلى الرب، كما قال اللّه

سبحانه وتعالى في سورة سبأ:

(لَقَدْ كانَ لِسَبَأٍ في مَسْكَنِهِم آيةٌ جَنتَّانِ عن يَمينٍ وشِمالٍ كُلوا مِنْ رِزقِ رَبّكُم وأشكُروا لَهُ بَلدَةٌ طيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفورٌ* فَأَعرَضوا فَأرسَلنا عليهِم سَيلَ العَرم وَبَدَّلناهُم بِجَنَّتيهِم جنَّتينِ ذَواتَي اُكُلٍ خَمْطٍ وَأثْلٍ وَشَي‌ء مِن سِدْرٍ قَليل* ذلِكَ جَزَيناهُم بِما كَفَروا وَهَل نُجازي إلا الكَفور) (الايات 15 ـ 17).

وأمَّا الجزاء فيكون بعد الحشر والحساب يوم القيامة، ويسند القرآن الحشر والحساب إلى الربِّ ويقول في سورة الحجر:

(إنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحشرهُم) (الاية 25).

وقال سبحانه في سورة الانعام:

(ما فرَّطْنا في الكِتابِ مِنِ شَي‌ء ثُمَّ إلى رَبِّهِم يُحشَرون) (الاية 38).

وقال سبحانه وتعالى في سورة الشعراء:

(إنّ حِسابُهُم إلاّ عَلى رَبّي لَو تَشعُرون) (الاية 113).

وبعد الحساب إمّا ان يكون من المؤمنين الذين تتداركهم رحمة اللّه، كما قال سبحانه وتعالى في سورة مريم:

(يَومَ نَحشُرُ المُتَّقينَ إلى الرّحمنِ وَفْدا) (الاية 85).

وتختص رحمة الربِّ يومئذٍ بالمؤمنين ولذلك يسمَّى: (الرّحيم) ويأتي (الرّحيم) في الذّكر بعد (الرّحمن) كما قال سبحانه:

(الحَمدُ للّهِ رِبِّ العالَمين* الرّحمنِ الرَّحيم) (الفاتحة 2 ـ 3).

لانّ فعل الرحمن يعمُّ مَنْ في هذا العالم وما فيه وفعل الرحيم يخصُّ المؤمنين يوم القيامة. وان لم يكن من المؤمنين وحقَّت عليه كلمة العذاب يوم القِيامة؛ فقد اخبر اللّه سبحانه عن امره في سورة النبأ فقال:

(إنَّ جَهنّمَ كانَت مِرصادا* للطاغينَ مَآبا*... جَزاء وفاقا*... إنَّ لِلمتّقينَ مَفازا* حدائقَ وَأعنابا*... جَزاء من رَبِّكَ عَطاء حِسابا) (الايات 21 ـ 36).

ومن ثمّ يسمَّى الربُّ: (مالِكِ يومِ الدِّين) كما قال سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة:

(الحَمدُ للّهِ رَبِّ العالَمينَ* الرّحمنِ الرّحيم* مالِكِ يَومِ الدّين) (الايات 2 ـ 4).

وبناء على ما ذكرنا فإن الربَّ هو الرحمن وهو الرحيم وهو التوَّاب وهو الغفَّار وهو الرزَّاق.

نتيجة البحث:

في سورة الاعلى بيّن القرآن انّ ربَّ الخلق هو الذي خلقهم ثمّ سوّاهم أي هيّأهم لقبول الهداية ثمّ قدّر حياة كل واحد من الخلق ثمّ هداهم، وأخيرا ضرب مثلا بمرعى الحيوان ممّا خلق وقال ما معناه أنّ الربّ هو الذي أخرج مرعى الحيوانات وربّاه حتى بلغ درجة كماله حيث جعله غثاء أحوى نباتا يابسا بعد أن كان شديد الخضرة، وفي سورة الرّحمن التي جاءت آياتها كلّها في وصف الربوبيّة بدأ بذكر جانب من صفة الربوبيّة مع صنف الانسان، حيث قال تعالى: (خَلَقَ الانسانَ عَلّمَهُ البَيَان) أي هيّأه لقبول الهداية بوسيلة البيان.

في سورة العلق بيّن جانبا من صفات الربوبيّة مع صنف الانسان، حيث قال: خلق الانسان وعلّمه بالقلم أي هيّأه لقبول الهداية بوسيلة القلم.

وكلتاهما شرح لكلمة (فسوّى) في سورة الاعلى.

وفي سورة الشورى والنَّساء وآل عمران فصل كيفيّة هداية الربّ للانسان، وقال شرّع للانسان الدَّين وأوحى به في كتبه إلى أنبيائه.

وفي سورة يونس والاعراف قال أنّ ربّكم هو اللّه الذي خلق السماوات والارض وهداهما تسخيريّا.

وفي سورة الانعام بعد ذكره أنواع الخلق في الايات: (95 ـ 101) قال في آية (102): (ذلِكُمُ اللّهُ رَبَّكُم لا إله إلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شي‌ء فاعبُدوه...).