ثانيا وثالثا ـ الرّحمن الرّحيم
جاء
في معاجم اللغة: رَحِمَهُ رَحْما ورُحْما ورحمةً ومَرحَمةً: رقّ له
قلبه.
قال
الراغب ما موجزه:
الرّحمة: رقّة تقتضي الاحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارةً في
الرقّة المجرّدة وَتارةً في الاحسان المجرّد عن الرقَّة نحو رحم
اللّه فلانا.
واذا
وصف به الباري فليس يراد به إلاّ الاحسان المجرّد دون الرقَّة، وعلى
هذا رُوي أنَّ الرحمة من اللّه إنعام وإفضال ومن الادميين رقّة
وتعطُّف... والرّحمن والرّحيم مثل ندمان ونديم.
ولا
يطلق الرحمن إلاّ على اللّه تعالى من حيث انَّ معناه لا يَصحُّ إلا
له، إذ هو الذي وسع كلّ شيء رحمةً.
والرّحيم يستعمل فيه وفي غيره، وهو الذي كثرت رَحمتُهُ، قال تعالى:
(إنَّ اللّه غَفُورٌ رحيم)، وقال في صفة النبيَّ (ص) في سورة التوبة:
(لَقَدْ جاءكُم رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُم عَزيزٌ عليه ما عَنِتُّم
حَريصٌ عليكُم بِالمؤمِنينَ رَؤوفٌ رَحيم) (الاية 128).
وقيل
إنّ اللّه تعالى هو رَحمنُ الدُّنيا ورَحيمُ الاخرة، وذلك أنَّ
إحسانَهُ في الدُّنيا يَعمّ المؤمنينَ والكافِرينَ، وفي الاخرةِ
يختصّ بالمؤمنين، وعلى هذا قال في سورة الاعراف:
(ورَحمَتي وسِعَتْ كُلَّ شَيء فَسَأكتُبُها للّذينَ يَتَّقون...)
(الاية 156).
تنبيها أنّها في الدُّنيا للمؤمنين والكافرين وفي الاخرة مختصة
بالمؤمنين.
وفي
تاج العروس ما موجزه:
الرّحمن اسم خاصّ باللّه لا يسمّى به غيره، لانّ رحمته تشمل جميع
الموجودات من طريق الخلق والرِّزق والنَّفع، والرّحيم اسم عام لجميع
من اتَّصف بالرّحمة. قال: (وهذا معنى قول جعفر الصادق (ع): الرّحمن
اسمٌ خاصُّ لصفةٍ عامّةٍ، والرّحيمُ اسمٌ عامُّ لصفةٍ خاصّةٍ)
وَيؤيَّدُ ما ذَكَروا مجيء الرّحيم في القرآن الكَريم قَرينا
بالغَفورِ وبالبرِّ والرؤوف والوَدود والتوّاب في سبعةٍ وأربعينَ
موردا(79).
وجاء
الرّحمنُ في سورة الرّحمن اسما وصفة لمن أنعم على الانسان بعد خلقه
وتعليمه البيان بنعمةِ الهدايةِ بالقرآن، وخلق الارض لمنفعته مع ما
فيها من فاكهة ونخل وحبّ وريحان ثمّ قال مخاطبا الثقلين: (فبأيِّ
آلاء رَبِّكما تُكَذِّبانِ)، وبعد الاشارة إلى بعض آلائه في الدنيا
ذكر بعض آلائه في الاخرة بقوله: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ
جَنَّتان) إلى آخر السورة حيث ختم السورة بقوله تعالى: (تَبارَكَ
اسمُ رَبِّكَ ذي الجَلالِ والاكرام).
تفسير الايات
بعد
أن عرفنا أنَّ (العرش) كنّي به في لغة العرب عن السلطان والمملكة
وأنَّ (استوى ) متى عُدِّيَ بعلى اقتضى معنى الاستيلاء، وأنَّه يقال:
استوى على سرير الملك أو على العرش تولّى الملك، وراجعنا الموارد
السبعة التي جاء فيها ذكر الاستواء على العرش عُدِّي جميعها بعلى
وانّه جاء في سورة يونس الاية (3): (استوى على العرش يدبّر الامر)،
وفي سورة السجدة الاية 4 و5 (ثُمَّ استَوى عَلى العَرْشِ... يُدبِّرُ
الامرَ)، وفي سورة الرعد الاية (2) (ثُمَ استَوى عَلى العَرْشِ...
يُدَبِّرُ الامرَ) حيث جاء التصريح فيها بأنّه استوى على العرش يدبّر
الامر في ملكه، وفي سورة الاعراف الاية (54) ذكر فعل التدبير في قوله
تعالى: (استَوى عَلى العَرشِ يُغْشي اللَّيْلَ النّهار)، وفي سورة
الحديد الاية (4) كنّى عن ذلك بقوله تعالى: (استَوى على العرشِ
يَعلمُ ما يَلِجُ في الاَرضِ...) فهو عالم بكلّ ما يجري في ملكه.
ومن
هنا نعرف أنَّ معنى قوله تعالى في سورة الفرقان الاية (59) (ثمّ
استَوى على العَرْشِ الرحمن) أنَّه يعامِلُ مَنْ في ملكه بما تقتضيه
رحمته، واكّد ذلك في قوله تعالى في سورة طه الاية (5): (الرَّحمنُ
على العَرْشِ استَوى).
وبناء على ذلك يكون معنى قوله تعالى في سورة هود الاية (7) (خَلَقَ
السَّمواتِ والارضَ في سَبعَةِ أيّامٍ وَكانَ عَرشُهُ على الماء)
أنَّه لم يكن في ملكه قبل خلق السموات والارض غير الماء الذي هو أعلم
بحقيقته.
ويكون المقصود من قوله تعالى (الّذينَ يَحملونَ العَرش) في سورة غافر
الاية (7) الملائكة الذين جعل منهم رسلا(80) وجعل
منهم من يمدّ بهم الانبياء، ومن ينزلون بالعذاب على من استحقوا
العذاب من الامم(81)، مثل قوم لوط، ومنهم من
يتوفّون الانفس، إلى غير ذلك من أعمال تقتضيها ربوبية اللّه تعالى في
عالمنا هذا.
ويكون المقصود مَنْ قوله تعالى في سورة الحاقة الاية (17): (وَيَحملُ
عَرشَ رَبِّكَ فوقهم يَومئذٍ ثَمانِيَة) أنّ الملائكة الذين
يُنَفِّذُونَ أوامر الربوبية يوم القيامة ثمانية أصناف.
79 راجع المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم،
مادّة (رحم).
80 راجع سورة الحج الاية (75) وسورة فاطر الاية
(1).
81 راجع سورة الانفال (9) وينزل معهم العذاب على
الكافرين.