(13) مشاركة الجنّ للانس في جزاء الاعمال يوم القيامة

الجنّ

قد أخبرنا اللّه سبحانه وتعالى عمّا جزى الشيطان بتمرّده على أمره وعدم سجوده لادم في الدنيا، وأخبرنا عن مآل أمرهم يوم القيامة:

أ ـ في سورة الانعام بقوله تعالى:

(وَيَومَ يَحشُرُهُم جَميعا يا مَعشَر الجنِّ قَدِ استَكثرَتُم مِنَ الانسِ...).

(يا مَعشرَ الجِنِّ والانسِ أَلم يأتِكُم رُسلٌ مِنكم يَقصُّونَ عَلَيكم آياتي وَيُنِذرونَكم لِقاء يَومِكم هذا قالوا شَهِدنَا على أَنفُسِنا وَغَرَّتُهم الحَياةُ الدُّنيا وَشهِدوا عَلى أَنفسِهم أَنّهم كانوا كافرين) (الايات 128 ـ 130).

ب ـ في سورة الجنّ في حكاية وصف الجنّ لقومهم: بقوله تعالى:

(وَأنّا مِنّا المُسلمونَ وَمَنّا القاسِطونَ فَمَن أسلمَ فَأولئكَ تَحرَّوا رَشَدا* وأمّا القاسِطونَ فكانوا لِجَهنَّمُ حَطبا) (الايتان 14 و15).

ج ـ في سورة الاعراف بقوله تعالى:

(قالَ ادخُلُوا فيِ أُممٍ قَد خَلَت مِن قَبلِكم مِنَ الجِنِّ وَالاِنسِ في النَّارِ كَُلَّما دَخَلت أُمَّةٌ لَعَنت أُختها حَتّى إذا ادَّارَكوا فِيها جَميعا قَالت أُخراهُم لاولاهُم رَبَّنا هؤُلاء أَضلُّونا فآتِهِم عَذابا ضِعفا مِنَ النَّار قالَ لكُلٍّ ضِعفٌ وَلكِن لاَ تَعلَمون* وَقَالت أولاَهُم لاُخرَاهم فَما كانَ لَكُم عَلَينا مِن فَضلٍ فَذُوقوا العَذابَ بِما كُنتمُ تَكسِبُون) (الايتان 38 و39).

د ـ في سورة هود:

(... وَتَمَّت كَلِمةُ رَبِّكَ لاَملاَنَّ جهنَّمَ مِنَ الجنّةِ وَالنَاسِ أَجمعين) (الاية 119).

كان ذلكم ما جاء في القرآن الكريم من أمر مجازاة اللّه للجنّ بأعمالهم في الدنيا والاخرة، ولم يأتِ تفصيل شأنهم يوم القيامة كما

جاء شأن الانس يوم الجزاء. 

خلاصة البحث:

كما أنّ الانسان يحصد ما عمله في زرع القمح والشعير وسائر الحبوبات والخضروات بعد شهور، ويجني ثمر عمله في غرس أنواع الاشجار بعد سنوات ثمّ يتناول رزقه من نتائج أعماله تلك مع ذلك بقوله تعالى:

أ ـ (كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمْ اللّه...) (المائدة 88، والنحل 114).

ب ـ (يَا أيُّهَا الَّذيِنَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا اللّه...) (البقرة 72).

ج ـ (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَأيّاكُمُ...) (الاسراء 31).

وذلك لانّ مثل الانسان في ذلك كلّه مثل إنسان يدخل مطعم (سلف سرويس) إخدم نفسك بنفسك، فإنّ المضيف في مثل هذا المطعم يطعم ضيفه ويرزقه من أنواع الطعام ما يختاره الضيف لنفسه بكامل حرّيته وانّ الضيف لا يأكل شيئا مالم يتّخذ لنفسه ممّا أعدّه المضيف من الاواني والملاعق ولم يتقدّم بنفسه إلى الموائد ولم يأخذ منها ما يشتهيه وتقع التبعة عليه إذا أضرّ نفسه بالاسراف في الاكل أو أكل ما يضرّه، وكذلك شأن الانسان في ما يجتنيه من آثار عمله المعنوية، فإنّه يستوفي آثار عمله عاجلا في الحياة الدنيا دون الاخرة؛ مثل آثار صلة الرّحم للانسان الكافر، أو آجلا بعد الموت؛ مثل آثار الاستشهاد للمؤمن، أو يستوفيها عاجلا وآجلا معا؛ مثل آثار عمل صلة الرّحم التي يستوفي الانسان المؤمن آثارها في الدنيا والاخرة.

وبناء على ما ذكرنا يستوفي الانسان قيمة عمله الحسن المعنوي كما يستوفي قيمة عمله الحسن المادّي عاجلا أو آجلا أو عاجلا وآجلا معا، وكذلك الشأن في أخذ الانسان قيمة عمله السّي‌ء.

وإن استحقاق بعض الاناسي للشفاعة يوم القيامة، وإذن الربّ لاخرين بالشفاعة ـ أيضا ـ تحصّلات لكلّ منهما نتيجة لعمل قام به كل منهما في الدنيا.

وكذلك حبط بعض أعمال الاناسي يوم القيامة تكون نتيجة لبعض أعمالهم في الدنيا وصدق اللّه العظيم حيث يقول: (وَأَنْ لَيْسَ للانْسَانِ إلاّ مَا سَعَى).

وقد أخبر القرآن أنّ صنف الجن ـ أيضا ـ كالانس يستوفون جزاء عملهم في الحياة الاخرة.

وإنّ كلّ ما ذكرناه يجري وفق تقدير حكيم لربّ العالمين، وهي جميعا بعض صفات ربّ العالمين، وسندرس بحوله تعالى صفات اُخرى لربّ العالمين.