(11) استحقاق الشفاعة جزاء لبعض الاعمال

شَفعَ الشي‌ء شَفْعا: ضمّ مثله إليه، وشفع له عند آخر شفاعةً: طلب التجاوز عن سَيِّئتِه كأنّه ضمّ نفسه إليه معينا له فهو شافع وشفيع، والشفاعة أيضا كلام الشفيع في هذا المقام، وقد قال اللّه سبحانه:

أ ـ في سورة طه:

(يَومَ يُنفخُ في الصُّور...* ...* يَومئذٍ لا تَنفعُ الشّفاعَةُ إلاّ مَن أَذِنَ لَه الرَّحمنُ وَرضي له قولا) (الايتان 102 و109).

ب ـ في سورة مريم:

(لا يَملِكون الشّفاعةَ إلاّ مَن اتّخَّذَ عِندَ الرّحمنِ عَهدا) (الاية 87).

ج ـ في سورة الاسراء:

(... عَسى أن يَبعثكَ رَبُّكَ مَقاما مَحمُودا) (الاية 79).

د ـ في سورة الانبياء:

(... وَلا يَشفَعونَ إلاّ لِمَن ارتَضى...) (الاية 28).

هـ ـ في سورة الاعراف:

(الّذينَ اتَّخَذوا دينَهُم لَهوا وَلَعِبا وَغرَّتهُم الْحَياةُ الدُّنيا فَاليَومَ نَنساهُم كما نَسوا لِقاء يَومِهم هذا. . . * يَومَ يَأتي تَأويلُهُ يَقولُ الّذينَ نَسُوهُ مِن قبلُ قَد جاءت رُسلُ رَبِّنا بِالحقِّ فَهَل لنا مِن شفَعاء فَيَشفعوا لنا...) (الايات 51 و53). 

تفسير الايات

يوم ينفخ في الصور لا تنفع شفاعة أحد إلاّ من أذن اللّه له في أن يشفع ورضي قوله من عباده الصالحين، وإنّه لا يملك الشفاعة إلاّ من اتّخذ عند الرحمن عهدا من الانبياء والاوصياء ومَنْ دونهم من عباد اللّه الصالحين، وإنّ الشفاعة هي المقام المحمود الذي وعد اللّه خاتم أنبيائه (ص).

وإنّ الانبياء لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى اللّه أن يشفعوا له، وفي ذلك اليوم يقول الذين غرّتهم الحياة الدنيا: (فَهَل لنا مِن شُفَعاء فَيَشفَعوا لنا) وليس لهم من شفيع.

 الشفاعة في الرّوايات:

في البحار نقلا عن عيون الاخبار للصدوق؛ أنَّ الامام الرضا (ع) روى عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (ع)، أنّه قال: ((قال رسول اللّه (ص): من لم يؤمن بحوضي ـ الحوض: الكوثر ـ فلا أورده اللّه حوضي، ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله اللّه شفاعتي...)) الحديث.

وفي آخره سأل الراوي الامام الرضا (ع) وقال: يا ابن رسول اللّه (ص) فما معنى قول اللّه عزّ وجلّ: (ولا يشفعون إلاّ لِمنْ ارتضى)؟ قال: ((لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى اللّه دينه))(64).

إنّ رسول اللّه قال (ص):

((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفّعني(65) فيه، ويقول القرآن: منعته النوم باللّيل فشفّعني فيه، قال: فيشفعان)).

وروى عن الامام علي (ع) ـ أيضا ـ، أنّه قال:

((قال رسول اللّه (ص): ثلاثة يشفعون إلى اللّه عزّ وجلّ فيشفَّعون: الانبياء ثمّ العلماء ثمّ الشهداء))(66).

وفي سنن ابن ماجة، قال رسول اللّه (ص):

((يشفع يوم القيامة ثلاثة: الانبياء ثمّ العُلماء ثمّ الشهداء))(67).

وروي عن الامام أبي عبد اللّه الصادق (ع) حديث عن شفاعة رسول اللّه (ص) يوم القيامة، جاء في آخره:

((... أنّ رسول اللّه يومئذ يخرُّ ساجدا فيمكث ما شاء اللّه، فيقول اللّه عزّ وجلّ: إرفع رأسك واشفع تُشفَّع، وسَلْ تُعطَ. وذلك قوله تعالى:

(عَسى أن يَبعثك ربُّكَ مقامَا مَحمودا)))(68).

وجاء تفصيل الخبر في تفسير ابن كثير وتفسير الطبري وغيرهما بلفظ آخر(69).

وروى الترمذي، عن الامام الصادق (ع) أنّ رسول اللّه (ص) قال:

((شفاعتي لاهل الكبائر من أمّتي))(70). 

نتيجة البحث

يفهم من مجموع الايات والاحاديث في شأن الشّفاعة أنّ الشفاعة يوم القيامة ليست لمن شاء كما شاء، بل تجري وفق مشيئة اللّه الحكيم جزاء لاعمال جعلها اللّه أسبابا للشفاعة، مثل أن يُقَصِّرَ العبدُ المسلم في فريضة من فرائض اللّه، وفي مقابل ذلك كان في حياته قد والى الرسول (ص) وأهل بيته وأخلص لهم الودّ في قلبه لانّهم أولياء اللّه، أو كان قد أكرم عالما لعلمه بالاسلام، أو أحسن إلى مؤمن صالحٍ استشهد بعد ذلك، فيجازيه بعمل قلبه في الحالة الاولى، وبعمل جوارحه في الحالة الثانية، ما يكافأ به نقص عمله في أداء تلك الفريضة.

ومن آثار الاعمال السيئة حبط أجر الاعمال الحسنة كما سندرسها في البحث الاتي بحوله تعالى.


64 البحار (8 / 34).

65 مسند أحمد 2 / 174، وما جاء في النص فيشفعني خطأ.

66 البحار (8 / 34).

67 سنن ابن ماجة في باب ذكر الشفاعة، الحديث (4313).

68 البحار (8 / 36).

69 راجع تفسير الاية في تفسير الطبري (15 / 97 ـ 99)، وتفسير القرطبي (10 / 209 ـ 312)، وابن كثير (3 / 55 ـ 58)، والبخاري: كتاب التفسير،تفسير سورة الاسراء، باب قوله: (عَسَى أنْ يَبعثكَ رَبّكَ مَقاما مَحْمُودا)، (3 / 102).وفي سنن ابن ماجة: الحديث (4312)، وسنن الترمذي (9 / 267)، كتاب صفة القيامة، باب (في الشفاعة).

70 كتاب صفة يوم القيامة.