ـ2ـ
كيف يُجزى الانسان بآثار عمله في
الحياة الاخرة
إنّ
الانسان يزرع القمح والذُّرة والخضار في الشتاء أو الربيع فيحصده في
صيف تلك السنة.
ويغرس الاعناب والتين والزيتون والحمضيات فيجني ثمارها بعد ثلاث
سنوات أو أربع من غرسها.
ويغرس النخل والجوز ويجني ثمارها بعد ثماني سنوات من غرسها أو أكثر.
وكذلك يرتزق الانسان نتيجة عمله الدائب ويرزق منها أهله ومن شاء من
الخلق إنسانا أو حيوانا، ومع كلّ ذلك يقول اللّه سبحانه:
أ ـ
في سورة الذاريات:
(إنَّ اللّهَ هُو الرّزاقُ ذُو القوَّةِ المتين) (الاية 58).
ب ـ
في سورة الروم:
(اللّهُ الَّذي خَلَقكُم ثُمَّ رَزَقَكم) (الاية 40).
ج ـ
في سورة الانعام:
(وَلا تَقتلوا أَولادَكم مِن إملاقٍ نَحنُ نَرزُقُكم وَإيّاهم)
(الاية 151).
د ـ
في سورة العنكبوت:
(وَكَأَيِّن مِن دابَّةٍ لاَ تَحملُ رِزقَها اللّهُ يَرزُقها
وَإيّاكم) (الاية 60).
هـ ـ
في سورة النحل:
(وَاللّهُ فَضَّلَ بَعضَكم على بَعضٍ في الرِّزْق...) (الاية 71).
إنّ
الانسان يحرث الارض ويزرع الحبّ ويغرس الشجر ثمّ يسقيهما، ثمّ يكافح
الافات عنهما ويربّيهما حتى يحصد الحبّ ويجني الثمر ويرتزق منهما
ويرزق من شاء، ويقول اللّه سبحانه: (نحنُ نرزقكم وإيّاهم)، وصدق
اللّه العظيم فإنّ الذي جعل من خواصّ الماء والارض إنبات النبات
وعلّمنا كيف نزرع ونغرس هو الذي رزقنا، ومثل ارتزاق الانسان كذلك مثل
ارتزاق الضيف في مطعم (سلف سرويس) إخدم نفسك بنفسك، فإنّ المضيِّف
في مثل هذا المطعم يطعم ضيوفه ويرزقهم من أنواع الطعام ما يختاره
الضيف من الطعام لنفسه بكامل حريّته، وإنّ الضيف الذي يدخل هذا النوع
من المطعم لا يأكل شيئا إن لم يتّخذ لنفسه ممّا أعدّه المضيِّف
ماعونا وشوكة وملعقة، ثمّ يتقدّم بإنائه إلى الموائد المعدّة ويأخذ
منها بيده ما يشتهي، ومع ذلك فإن صاحب المطعم هو الّذي أطعم ضيوفه،
وفي مثل هذه الحالة تقع التبعة على الضيف في ما إذا تناول من المآكل
ما يضرّه ولا ينفعه، وصدق اللّه العظيم حيث يقول:
أ ـ
في سورة إبراهيم:
(اللّهُ الَّذِي خَلقَ السَّمواتِ وَالارضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّماء
مَاء فَأَخرجَ بِه مِنَ الثَّمراتِ رِزقا لكُم وَسخَّرَ لَكُم
الفُلكَ لِتَجرِيَ في البَحرِ بأَمرِهِ وَسخَّرَ لَكُم الاَنْهار*
وَسخِّرَ لَكم الشَّمسَ وَالقمرَ دائبَينِ وَسخَّرَ لَكُم الَّيلَ
وَالنَّهارَ) (الايتان 32 و33).
ب ـ
في سورة النحل:
(وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّماء ماء فَأَحيا بِهِ الارضَ بَعدَ
مَوتِها إنَّ في ذلِك لاََّيةً لِقَومٍ يَسمَعون* وَإنَّ لَكُم في
الانعَامِ لَعِبرَةً نُّسقيكم مِّما في
بُطونِه مِن بَينِ فَرثٍ وَدَمٍ لبَنا خالِصا سائِغا لِلشَّاربين*
وَمِن ثَمَراتِ النَّخيلِ وَالاعنابِ تَتَّخِذونَ مِنهُ سَكَرا
وَرِزقا حَسنا إِنَّ في ذلكَ لاََّيةً لِقَومٍ يَعقِلون* وَأَوحى
رَبُّكَ إلى النَّحلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الجِبالِ بُيوتا وَمِنَ
الشَّجرِ وَممَّا يَعرِشُون* ثُمَّ كُلي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ
فَأسلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخرجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ
مُّختَلفٌ أَلوانُهُ فيهِ شِفاء للنَّاسِ إنَّ في ذلكَ لاََّيةً
لِقَومٍ يَتَفكَّرون) (الايات 65 ـ 69).
شرح
الكلمات
أ ـ
دائبَين:
دأب
الشيء: لازمه واعتاده من غير فتور، والدأب: العادة المستمرّة
والشأن، ودائبين: دأبهما وشأنهما السير باستمرار.
ب ـ
فرث:
الفرث ما في الكرش.
ج ـ
يعرشون:
عَرَش الكرم: رفع أغصانه على الخشب، ويقال: لسقف يتخذ على نخلات
العرش.
عود
على بدء
إنّ
الربّ الرّزّاق علّم بوساطة الانبياء والاوصياء والعلماء ضيفه
الانسان في هذا العالم كيف يتناول من النعم التي أعدّها اللّه؛
ماينفعه ولا يضرّه، عاجلا في هذه الدنيا وآجلا في الاخرة، قال
سبحانه:
أ ـ
في سورة البقرة:
(يا
أيُّها الّذينَ آمنوا كُلوا مِن طيِّباتِ ما رزقنَاكُم واشكُروا
للّه) (الاية 172).
ب ـ
في سورة المائدة:
(يَسألونكَ ماذا أُحِلَّ لَهُم قَل أَحلَّ لَكُم الطَّيِّبات) (الاية
4).
ج ـ
في سورة الاعراف في وصف خاتم أنبيائه (ص):
(وَيحلُّ لَهم الطَّيِّباتِ وَيحرِّمُ عَلَيهِم الخَبائث) (الاية
157).
إذا
فإنّ الربّ خلقنا وسَخَّرَ لنا ما خلق من حولنا وَرَزقَنا في الدنيا
من الطيّبات نتيجة زرعنا وغرسنا.
وكذلك يرزقنا نتيجة أعمالنا آجلا في الاخرة، كما قال سبحانه:
أ ـ
في سورة الحجّ:
(وَالّذينَ هاجَرُوا في سَبيل اللّهِ ثُمَّ قُتِلوا أَو ماتوا
ليرزقَنّهم اللّه رِزقا حَسنا) (الاية 58).
ب ـ
في سورة مريم:
(إلاّ مَن تابَ وَآمنَ وَعَمِلَ صالحا فَأولئكَ يَدخُلونَ الجنَّةَ
وَلا يُظلَمونَ شَيئا* جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتي وَعَدَ الرَّحمانُ
عبادَهُ بِالغَيبِ إنَّهُ كانَ وَعدُهُ مَأتيّا* لاَيَسمَعونَ فيها
لَغوا إلاّ سَلاما وَلَهُم رِزقُهُم فيها بُكرةً وَعشِيَّا) (الايات
60 ـ 63).
إذا
فإنّ الربّ الحكيم يجزي الانسان بعمله عاجلا في الدنيا وآجلا في
الاخرة، كما أخبر سبحانه عن ذلك في عدّة سور، منها قوله تعالى:
أ ـ
في سورة الزلزلة:
(فَمَن يَعملْ مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيرا يَرَه* وَمَن يَعملْ مِثقالَ
ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَه) (الايتان 7 و8).
ب ـ
في سورة يس:
(فَاليَومَ لا تُظلمُ نَفسٌ شَيئا وَلا تُجزَونَ إلاّ ما كُنتُم
تَعملون) (الاية 54).
أجل
إنّ الانسان الذي يزرع الحنظل في الدنيا يجني الحنظل، والذي يغرسُ
الاشجار المثمرة يجني أطايب الثمر، كما قال سبحانه في سورة النجم:
(وَأنْ لَيْسَ لِلانسَانِ إلاّ مَا سَعَى* وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ
يُرَى) (الايتان 40 و41).
ولا
يقتصر تلقّي الانسان جزاء عمله بالحياة الدنيا، بل يتلقّى جزاءه في
عوالم خمسة وهي:
أ ـ
عند الممات.
ب ـ
في القبر.
ج ـ
في المحشر.
د ـ
في الجنّة والنّار.
هـ ـ
يورث جزاء عمله لخلفه في الدنيا.
***
لقد
ذكرنا مثالا من تلقِّي الانسان جزاء عمله في الدنيا، وفي ما يأتي
ندرس بإذنه تعالى كيف يُجزى الانسان بآثار عمله عند الممات.