ـ 1 ـ‍ كيف يُجزى الانسان بآثار عمله في الدنيا 

نحن نرى من آثار أعمالنا في الحياة الدنيا أن من زرع قمحا حصد قمحا، ومن زرع شعيرا حصد شعيرا، وكذلك يرتزق كلّ انسان ما يعمله.

كان ذلكم مثلا مما نعلمه من آثار اعمالنا المادية في الحياة الدنيا، وإنّ لاعمالنا في الحياة الدنيا آثارا معنوية كثيرة مثل ما لصلة الرّحم من الاثار، كما أخبر رسول اللّه (ص) عن ذلك وقال:

((صلة الرّحم تزيد في العمر وتنفي الفقر)).

وقال (ص):

((صلة الرّحم تزيد في العمر، وصدقة السرّ تطفى‌ء غضب الربّ، وإنّ قطيعة الرّحم واليمين الكاذبة لتذران الديار بلاقع من أهلها ويثقلان الرّحم، وإنّ تثقّل الرّحم انقطاع النسل))(26).

المقصود من تطفى‌ء غضب الربّ: إن الانسان إذا كان قد استحقّ بعمله سخط ربّه في الدنيا، وأن تصيبه لذلك مصيبة في نفسه أو ماله وما شابههما، فإنّ صدقة السرّ تدفع ذلك عنه.

البلاقع جمع البلقع وبلقعة: هي الارض القفر التي لا شي‌ء بها(27).

ومن هنا قال أمير المؤمنين (ع):

((وصلة الرّحم فانها مثراة في المال منسأة في الاجل، وصدقة السرّ فانها تكفّر الخطيئة))(28).

وقال (ع): ((... وصلة الرّحم منماة للعدد))(29).

ومن ثمّ ندرك أنّ اللّه شاء بحكمته أن يجعل إدرار الرزق وتكثير النسل في صلة الرّحم، والاعسار وقطع النسل في قطع الرّحم.

ولهذا السبب قد يعرض تاجران نوعا واحدا من السلعة، فتبور عند أحدهما وتنفق عند الاخر، فيقال للثاني: حسن الحظّ، وللاول سيى‌ء الحظّ، ويكون منشأهما قطع الرّحم عند الاول وصلة الرّحم عند الثاني، جزاء وفاقا من اللّه لعملهما.

ولا يترتّب جزاء الاعمال هذا على الايمان باللّه ولا على عدمه، وإنّما جعل اللّه لعمل الانسان آثارا في الحياة الدنيا ـ إذا بدرت منه

بادرة في حالة وعي وتنبّه وعن قصد ـ وآثارا في الحياة الاخرة.

كذلك جعل اللّه لاعمال الانسان تجاه الخالق جزاء وفاقا وتجاه الخلق جزاء وفاقا، إنسانا كان ذلك الخلق أو حيوانا أو نعمةً أنعم

اللّه عليه من متاع الدنيا، جعل اللّه كلّ ذلك بمشيئته وحكمته، وأخبر أنْ ليس للانسان إلا جزاء عمله، وقال:

(وأنّ لَيسَ لِلانسانِ إلاّ ما سَعى) (النجم 39).

وكذلك أخبر جلّ ذكره أنّ مَنْ عمل للدنيا أراه اللّه سبحانه جزاء عمله في الدنيا، ومن عمل للاخرة أراه جذاء عمله في الاخرة، وقال عزّ اسمه:

(وَمَن يُرد ثَوابَ الدُّنيا نُؤتِهِ مِنها وَمَن يُرد ثَوابَ الاخِرةِ نُؤتِهِ مِنها وَسَنَجزي الشّاكرِين) (آل عمران 45).

وقال سبحانه:

(مَن كانَ يُريدُ الحياةَ الدُّنيا وَزينَتها نَوَفِّ إلَيهِم أعمَالُهم فِيها وهُم فِيها لاَ يبخَسون* أولئكَ الّذينَ لَيسَ لَهُم في الاخِرةِ إلاّ النّار...) (هود 15 ـ 16).

وقال تبارك وتعالى:

(مَن كانَ يُريدُ العَاجِلةَ عَجَّلنا لَه فِيها...* ومن أرَادَ الاخِرةَ وَسَعى لَها سَعيَها وَهُو مُؤمِنٌ فَأولئك كانَ سَعيُهم مَشكُوا* كُلاًّ نُمدُّ هؤلاء وَهؤلاء مِن عَطاء رَبِّكَ وَما كانَ عَطاء رَبِّكَ مَحظُورا) (الاسرأ 18 ـ 20).

 شرح الكلمات

نُوَفِّ إليهم:

وفي إليه: أعطاه حقّه وافيا تامّا.

لا يبخسون:

بخس الكيل والميزان: نقصه، وبخس فلانا حقّه: لم يوفّه إيّاه.

محظورا:

حظر الشي‌ء: منعه، ومحظورا: ممنوعا. 

الجزاء في الدنيا والاخرة:

إذا فمن الاعمال ما يتلقّى الانسان جزاءه في الدنيا، ومنها ما ينحصر جزاؤه باليوم الاخر، في مثل الشهيد الذى قاتل في سبيل اللّه حتى استشهد، فإنّه لا يبقى له مجال لتلقّي الجزاء في الدنيا، بل يؤتيه اللّه جزاءه في الاخرة، كما قال عزّ من قائل:

(وَلا تَحسبَنَّ الَّذِينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللّهِ أمواتا بَل أحيَاء عِند رَبهِّم يُرزَقون* فَرحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِن فَضلِه وَيَستَبشِرُون بِالّذينَ لَم يَلحَقوا بِهم مِن خَلفِهم أَلاّ خَوفٌ عَلَيهم وَلا هُم يَحزَنون* يَستَبشِرون بِنِعمَةٍ مِن اللّهِ وَفَضلٍ وَأَنَّ اللّهَ لا يُضِيع أَجرَ المؤمِنين) (آل عمران 169 ـ‍ 171).

وكذلك شأن الانسان المتسلّط الذي قتل نفسا مؤمنة ظلما وعدوانا، فأنّه ـ أيضا ـ ينال جزاءه في الاخرة، كما قال سبحانه:

(وَمَن يَقتلْ مَؤمنا مُتَعمِّدا فَجَزاؤه جَهنَّمُ خالدا فيها وغَضِبَ اللّهُ عليهِ وَلعنهُ وأعدّ له عذابا عظيما) (النساء 93).

وكذلك الذي يولد مصابا بعاهة جسمية مثل: العمى والصمم والعرج، وكان مؤمنا باللّه واليوم الاخر مواليا لاولياء اللّه صابرا محتسّبا، فإنّ اللّه سوف يجزيه في حياة الخلد ما لا يُقاس بما أُصيب به من عاهة في الحياة الدنيا، أو ما عاناه وتحمّل من أذى في سبيل اللّه في الدنيا(30).

وبناء على ما ذكرناه فإنّ العدل الالهي لن يتحقق دون أخذ جزأ الاعمال بعد الحياة الدنيا، وقد جعل اللّه أخذ جزاء الاعمال بعد

الحياة الدنيا في مراحل متعدِّدة نذكرها تباعا في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى، بدءا بذكر جزاء الاعمال بعد الحياة الدنيا:


26 مادّة (الرّحم) من سفينة البحار.

27 مادّة (بلقع) من نهاية اللغة.

28 نهج البلاغة الخطبة 108.

29 العدد 252 من الحكم في نهج البلاغة.

30 راجع ثواب الاعمال للشيخ الصدوق، باب ثواب من لقي اللّه مكفوفا محتسبا، الحديث: 21. وراجع معالم المدرستين: الجزء الاول، بحث الشفاعة، خبر الضرير الذي أتى النبي (ص) وطلب منه أن يدعو اللّه ليعافيه.