ـ 4 ـ‍ معنى النسخ في شريعة نبيٍّ واحد 

لمعرفة معنى النَّسخ في شريعة نبيٍّ واحدٍ نذكر مثالا واحدا منه في شريعة خاتم الانبياء (ص) كالاتي بيانه:

من أمثلة النسخ في شريعة نبيٍّ واحد نسخ وجوب دَفْع الصَّدقة على من يريد أن يناجي الرسول (ص) كما جاء في قوله تعالى في سورة المجادلة:

(يا أَيُّها الَّذينَ آمنوا إذا نَاجيتُمُ الرَّسولَ فَقَدِّمُوا بين يَدَي نَجواكُم صَدَقةً ذلِكَ خَيرٌ لكم وَأَطهَرُ فإن لَم تَجِدوا فَإنَّ اللّهَ غَفورٌ رحيم* أأشفَقتُم أَن تَقدِموا بين يَدَي نَجواكُم صَدَقاتٍ فَاذِا لَم تَفعَلوا وَتابَ اللّهُ علَيكُم فَأَقيموا الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكاةَ وَأَطيعوا اللّهَ وَرسولَهُ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِما تَعملُون) (الايات 12 ـ 13).

وجاء تفصيل الخبر في التفاسير كالاتي:

إنّ البعض من أصحاب النبيّ (ص) كانوا يكثرون مناجاة النَّبي (ص)، يظهرون بذلك نوعا من التقرّب إليه والاختصاص به، وكان من مكارم أخلاق الرسول (ص) أنّه لم يكن يردّ طلب ذي حاجة إليه، وكان ذلك يضايق النبيّ (ص) ويصبر عليه، فنزل حكم أداء الصدقة لمن يريد أن يناجي الرسول (ص)، فترك أولئكم نجوى الرسول وصَرفَ علي بن أبي طالب دينارا بعشرة دراهم، وتصدّق بها عشر مرّات، وناجى الرسول (ص) في ما كان يهمّه، ولّما تحققّت الغاية في تربية أولئك بهذا الحكم، وانتهى أمَدُ الحكم، رُفعَ الحُكْمُ(23). 

خلاصة بحث النَّسخ ونتيجته

كان يوم الجمعة يوما مباركا ويوم راحة لِبَنِي آدم منذ عصر آدم (ع) إلى عصر أنبياء بني إسرائيل: موسى بن عمران إلى عيسى بن مريم 8.

وأيضا أجرى آدم ومن جاء بعده من الانبياء إلى عصر إبراهيم (ع) مناسك الحجّ في عرفات والمشعر ومنى وطافوا سبعا حول مكان البيت، ثمّ بنى إبراهيم وإسماعيل البيت وطافا بعد ذلك مع من تبعهما في الحجّ حول البيت.

ثمّ جدّد نوح شريعة آدم وجاء بشريعة كشريعة خاتم الانبياء، وتبعه الانبياء من بعده لقوله تعالى:

1 ـ (شَرَعَ لكم مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحا والنَّبيِّينَ مِنْ بعدِه).

2 ـ (وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لابراهيمَ) ـ أي من شيعة نوح ـ.

3 ـ قوله تعالى لخاتم أنبيائه ولاُمّته:

أ ـ (اتَّبِع مِلّةَ إبراهيمَ حَنيفا).

ب ـ (فَاتّبِعوا مِلَّةَ إبراهيمَ حَنيفا).

إذا فَإنَّ شرايع الانبياء واحدةٌ منذ اصطفاء الصَّفي آدم (ع) إلى اجتباء النّبيِّ الخاتم (ص)، عدا ما كان من أمر الشّريعة التي أرسل

اللّه بها أنبياء بني إسرائيل من موسى بن عمران إلى عيسى بن مريم حيث لوحظ فيها مصلحة بني إسرائيل لقوله تعالى:

أ ـ (كُلُّ الطّعامِ كانَ حِلا لبَني إسْرائيلَ إلاّ ما حَرَّمَ إسرائيلُ عَلى نفسِه).

ب ـ (وَعَلى الَّذينَ هادوا حَرَّمنا ما قَصَصْنا عليك). ـ أي على اليهود ـ.

ج ـ (إِنّما جُعِلَ السَّبْتُ على الَّذينَ اختلفوا فِيه). ـ أي جَعَلَ فرضَ تعطيل يوم السبت على الذين اختلفوا فيه، وهم بنو إسرائيل ـ.

وكما جاء التصريح بذلك في العدد الرابع من الاصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية: (بناموسٍ أوصانا موسى ميراثا لجماعة

يعقوب). (موسى أمرنا بسنّة ميراثا لجماعة يعقوب).

وفي نسخة (بشريعة).

والحكمة في ذلك أنّ بني إسرائيل كانوا قوما معاندين لانبيائهم مشاكسين(24) متابعين لاهواء نفوسهم الامّارة بالسوء والضعيفة

امام اعدائهم يتخذون العجلَ إلها لهم بعد أن فلق اللّه البحر لهم ونَجّاهم من ذلّ عبوديّة فرعون وأبوا أن يدخلوا الارض المقدّسة التي جعلها اللّه

لهم خوفا وهلعا من قوم العمالقة الذين كانوا فيها، وكان تهذيب نفوسهم واصلاحها في تشديد الشرع لهم من جانب؛ بأمر المؤمنين الذين لم يعبدوا العِجْلَ المرتدّين منهم بقتل الذين عبدوا العِجْلَ، وتحريم العمل يوم السبت عليهم وابتلائهم بالتيه في صحراء سيناء أربعين سنة.

ومن جانب آخر لما كانوا الاُمّة المؤمنة الوحيدة في عصرهم وهي محاطة بأمم كافرة معتدية قويّة من حولهم، احتاجوا إلى رباط قويّ يشد بعضهم إلى بعض ويكون منهم أُمّة متميزة عن الاخرين، متماسكة فيما بينها، لذلك كله شرع لهم قبلة خاصّة بهم فيها التابوت الذي حوى الواح التوراة الكتاب الذي أنزله اللّه تشريعا لهم وتشريعا يناسب ظروفهم (وَبَقيّة مَمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وُآلُ هارُون) (البقرة 248)، إلى غير ذلك من التشريعات المناسبة لظروف بني إسرائيل يومذاك.

في عصر عيسى بن مريم (ع) انتهى أمَدُ بعض تلك التشريعات بانتهاء بعض تلك الضروف، فأحَلَّ عيسى (ع) بعض تلك المحرّمات بأمر من اللّه.

وعلى عهد خاتم الانبياء انتشر بنو اسرائيل في البلاد وحشروا بين الناس، وكان يضيرهم ويضير الاُمم التي يعيشون بينهم أن يشعر بنو إسرائيل أنّهم ليسوا من الاُمة التي يعيشون معها، وأنهم جسم غريب عن جيرانهم وأهل بلدهم، وكذلك يكون شعور أهل البلد مع الاسرائيلي بأنّه غريب عنهم، ومبعث قلاقل ومشاكل للمجتمع الواحد الذي يعيش الجميع فيه، ولذلك أصبحت الاحكام التي تفصلهم عن الامم غِلاّ في أعناقهم، مثل تحريم العمل عليهم يوم السبت خلافا لسائر الاُمم التي تتّخِذُ غير يوم السّبت يومَ راحةٍ عن العمل، وإصرا عليهم، كما ورد شرحها وتفصيلها في سفر التثنية من الترواة، فأحلّ لهم خاتم الانبياء (ص) وبأمر من اللّه ما حَرَّمَ عليهم في العُصور السابقة، وقال تعالى في سورة الاعراف:

(الَّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسولَ النَّبيَّ الامِّيَّ الَّذي يجدونه مكتوبا عنْدَهُم في التَّوراةِ والانجيلِ يَأمرهم بِالمعروفِ وَيَنهاهُم عَن المنكَر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وُيُحَرِّمُ علَيهِم الخبائثَ وَيَضَعُ عنهُم إصْرَهُم وَالاغلالَ الّتي كانت علَيهِم...) (الاية 157).

وهكذا رفع اللّه عنهم الاحكام التي كانت تصلح لهم في العصور  السابقة وأصبحت غِلاّ عليهم حين عايشوا الناس كلَّ الناس في كلُ مكان، أمّا الاحكام التي وردت في شريعة موسى بلحاظ أنّ بني اسرائيل من الناس فلم ترفع ولم تنسخ مثل حكم القصاص، كما يخبر اللّه عنه ويقول في سورة المائدة:

(اَنّا أنزَلنا التّوارةُ فيها هُدىً وَنورٌ يَحكُم بها النَّبيُّونَ الّذينَ أسلَمُوا لِلّذينَ هادُوا... وَكَتَبْنا علَيْهم فيها أنَّ النَّفسَ بالنَّفسِ وَالعَينَ بالعينِ وِالاُذُنَ بالاُذُنِ وَالسِّنَّ بالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تصَدَّقَ بهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَن لَم يَحْكُمْ بما أنْزَلَ اللّهُ فأُولئِكَ هُمُ الظّالمون) (الايتان 44 ـ‍ 45).

فَإنّ حكم القصاص هذا كان جاريا قبل التوراة وبعدها إلى اليوم، وكذلك سائر الاحكام التي شرَّعها اللّه للانسان بلحاظ كونه إنسانا لم

تتغيّر ولم تتبدل في عصر من العصور، وفي شريعة من شرايع الانبياء.

ولمّا بدّل اللّه بعض أحكام شريعة موسى بأحكامٍ أخرى في شريعة خاتم الانبياء، كما شرحناه، اعترضت قريش على رسول اللّه كما أخبر اللّه عنه في سورة النحل وقال (وقالوا له إنّما أنْتَ تفتري على اللّه) فردّ اللّه عليهم قولهم وقال سبحانه: (وَإذا بَدَّلنا آيةً مكانَ آيةٍ قالوا: إنّما أنتَ مُفْتَرٍ... إنّما يَفتَري الكَذِبَ الَّذينَ لا يُؤمنونَ بآياتِ اللّهِ... فَكُلوُا مِمّا رَزقكُمُ اللّهُ حَلالا طَيِّبا) مثل لحم الجَمل وشحوم لحم الحيوانات فهي غير محرّمة عليكم، إنَّما حَرَّمَ عَليكم الميتَةَ والدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزيرِ وما أُهِلّ بِهِ لِغَيرِ اللّهِ عِنْدَ ذَبْحِه، واللاّتي كان المشركون في مكة يعملون بها مثل تقديمهم القرابين لاصنامهم، ثمّ نهاهم أن يفتروا على اللّه ويقولوا هذَا حلال وذاك حرام كما شرحه اللّه في سورة الانعام وقال سبحانه:

(وَقالوا هذِهِ أَنعامٌ وَحَرثٌ حِجرٌ لاَ يَطعَمُها إلاّ مَن نَشاء بِزَعمِهِم وَأَنعامٌ حُرِّمَت ظُهوُرُها وَأنْعامٌ لا يَذكُرونَ اسْمَ اللّهِ عليها افتراء عليه... وَقالوا ما في بُطونِ هِذهِ الانعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرّمٌ عَلى أزواجِنا وَان يكُن مَيتةً فَهُم فيهِ شُرَكاء سَيجزيهم وَصفَهُم...) (الانعام 138 ـ 139).

وأشار إليها في سورة يونس وقال سبحانه:

(قُل أرَأَيتُم ما أنزَلَ اللّهُ لكم مِن رِزقٍ فَجَعَلتُم منه حلالا وَحَراما قُل اللّهُ أَذِنَ لكم أَم عَلى اللّهِ تفتَرُون) (الاية 59).

وهكذا كانت مسألة التحريم والتحليل مَوْرِدَ جدالٍ بين مشركي قريش ورسول اللّه (ص) سواء ما كان مِنْها ما هم شرَعّوه وخالفها رسول اللّه (ص)، أو ما شرّعه اللّه في شريعة موسى وبدّلها اللّه بأخرى بحسب المصلحة في شريعة خاتم الانبياء (ص).

هكذا كانت قريش في مكّة تخاصم رسول اللّه (ص) في ما أحلّ وحرّم بأمر من اللّه، مخالفا للمألوف عندهم في ما اتخذوه دينا لهم وفي ما عرفوه من شريعة موسى بن عمران، ووقعت نفس الخصومة في المدينة من اليهود مع النبيّ في بعض الاحكام التي نسخ بها بعض ما جاء في التوراة، كما شرحها اللّه في سورة البقرة وقال سبحانه مخاطبا لنبي اسرائيل:

(أفَكُلَّما جاءكُم رَسولٌ بِما لاَ تَهوى أنفسُكُم استَكْبرتُم فَفَريقا كَذَّبتُم وَفَريقا تَقتلُون) (الاية 87).

(وَإذا قِيلَ لهم آمِنوا بِما أَنْزَلَ اللّهُ قالوا نؤمنُ بما أُنْزِلَ علينا ويَكفرونَ بِما وَراءه...) (الاية 91).

(ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو نُنْسِها نَأتِ بِخَيْرٍ مِنها أو مِثلِها...) (الاية 106).

(ولن تَرضى عنك اليَهُودُ ولا النّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم...) (الاية 120).

وإنّما كانت مجادلة بني إسرائيل مع رسول اللّه (ص) حول ما نسخ من أحكام التوراة وأهمّها نسخ القبلة إلى البيت الذي أخبر اللّه عنه في سورة البقرة وقال تعالى ما موجزه:

(قد نَرى تَقَلُّبَ وَجهكَ في السَّماء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبلَةً تَرضاها) فَوَلُّوا وُجُوهَكُم أينما كُنْتُم شطر المسجد الحَرام وَإنّ الذين اوتوا الكتاب سواء اليهود منهم أو النصارى يعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وأنّ الذين لا يتّبعون قبلتك مهما تأتهم بآية من اللّه لا يقبلون منك.

إذا فإنّ المقصود من نسخ الاية في هذا المورد نسخ هذا الحكم، كما انّ المقصود من تبديل آية بأخرى في مجادلة قريش بشأنها رسول اللّه (ص) تبديل بعض أحكام الحلال والحرام بمكّة عند قريش وغير قريش.

وبناء على هذا تَبَيَّنَ أنَّ المقصود مِنْ (آية) في قوله تعالى (وَإذا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آية): واذا بدّلنا حكما مكان حكم.

وفي قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو نُنْسِها): ماننسخ من حكم أو نؤجِله نأتِ بخير منه أو مثله.

ومثال تأجيل الحكم تأجيل حكم استقبال الكعبة في شريعة موسى وتبديله بحكم استقبال بيت المقدس الذي كان فيه الخير يومذاك لنبي

إسرائيل.

ومثال نسخ حكم وتبديله بحكم خير منه نسخ حكم استقبال بيت المقدس في شريعة خاتم الانبياء بحكم استقبال الكعبة للناس كلّ الناس أبد الدهر.

وكذلك الامر في تبديل آية مكان آية، المقصود حكم مكان حكم.

وكذلك تبيَّن أنَّ الاحكام التي يشرّعها اللّه للناس قد يلاحظ فيها مصلحة الانسان من حيث هو إنسان، فتلك التي لا تبديل فيها كما أخبر اللّه عنه في قوله تعالى في سورة الروم:

(فَأَقِم وَجهَكِ للدّينِ حَنيفا فِطرَةَ اللّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عليها لا تَبديلَ لِخَلقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أكثرَ النّاسِ لا يَعلمون) (الاية 30).

لا تبديل لما شرّع اللّه للناس متناسبا مع فطرتهم مثل قوله تعالى في سورة البقرة:

(وَالوالِداتُ يُرضِعنَ أولادَهُنَّ حَولَينِ كامِلَين لَمِن أرادَ أَن يُتمَّ الرَّضاعة) (الاية 233).

سواء كانت الوالدة حَوّاء زوجة آدم (ع) وترضع ولدها من آدم فى ظلّ شجرة أو كهف، أو من نسلت من بعدها من مختلف العصور من سكّان الكهوف أو الخيم أو القصور.

وكذلك لا يتغيّر حكم الصوم لبني آدم والقصاص وحرمة الرّبا كما قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة:

أ ـ (يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عليكم الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذينَ مِن قَبلِكُم) (الاية 183).

ب ـ (يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عليكُم القِصاص...) (الاية 178).

ج ـ (وَأَحَلَّ اللّهُ البَيعُ وَحَرَّمَ الرِّبا...) (الاية 275).

إلى غيرها ممّا شرّعه اللّه للانسان متناسبا مع فطرته التي فطره عليها، فإنَّ أحكامها لا تَتَبَدَّلُ في شريعة عن شريعة أخرى من شرايع الانبياء ويعبّر عن تلكم الاحكام في القرآن بلفظ (وصّى اللّه ويوصيكم وصيّته) و(كتب كتابه).

وما شرّع اللّه لبعض الاناس متناسبا مع ظروفهم الخاصة بهم فتلك ينتهي أمدها بانتهاء تلك الظروف، مثل ما ذكرنا من الاحكام التي شُرَّعْت  لبني اسرائيل متناسبا مع ظروفهم الخاصّة لهم، وما شرع اللّه للمهاجرين مع النبيّ من مكّة إلى المدينة من التوارث بينهم وبين من تآخى معهم من الانصار في بدء الهجرة، ثمّ انتهى أمده بعد فتح مكّة، ونسخ الحكم كما أخبر اللّه عنه في الايات (72 ـ 75) من سورة الانفال بقوله تعالى:

(إنَّ الَّذينَ آمنوا وهاجروا... ـ من مكّة ـ وَالَّذينَ آوَوْا وَنَصَرُواـ وهم الانصار في المدينة ـ أولئكَ بَعضُهُم أولياء بَعْضٍ ـ ولاية الارث والنصرة ـ وَالّذينَ آمنوُا وَلم يُهاجرُوا مالَكُم مِن وَلايَتِهم مِن شَي‌ء حَتّى يُهاجِرُوا... وَالّذينَ كَفَروا بَعضُهُم أَولياء بَعض...).

ثمّ أخبر اللّه بنسخ هذا الحكم بقوله تعالى:

(وَاُولوا الارحامِ بَعضُهمُ أَولى بِبَعضٍ في كتابِ اللّهِ) أي في ما كتب اللّه وشرّع للناس كل الناس(25).

وفي سورة آل عمران قال تعالى:

(وَقَتلَهُم الاَنبِياء بغَير حَقّ... قُل قَد جاءكُم رُسُلٌ مِن قَبلي بالبَيّنات... فَلِمَ قَتَلتُمُوهُم فَإن كَذَّبُوكَ فقد كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبِلك) (الايات 180 ـ 184).

لمّا جاء اليهود القرآن من عند اللّه وكانت صفات القرآن تصدّق الاخبار التي عندهم عن بعثة الرسول الخاتم بالقرآن كفروا به وقالوا نؤمن بالتوراة التي انزلت علينا ويكفرون بغيرها من الانجيل والقرآن وأخبر اللّه أنّه أنزل إليه آيات واضحات في القرآن وما أوتي من معجزات وأحكام في القرآن وما يكفر بها إلاّ الفاسقون وقال سبحانه: ما ننسخ من أحكام شريعة مثل نسخ استقبال بيت المقدس أو نُنْسها ونؤجّل بيانها نأت بأحكام خير منها للناس أو بمثلها، واللّه هو مالك السموات والارض يفعل ما يشاء، وإنّ اليهود والنصارى لن ترضى عن رسول اللّه حتى يترك ما نزل عليه من أحكام الشريعة ويتّبع أحكام شريعتهم.

وكرّر اللّه سبحانه هذا المفهوم بلفظ آخر في سورة الاسراء وقال:

(وَآتَينا مُوسى الكتابَ وَجَعْلناهُ هُدىً لبَني إسرائيل)، ثمّ قال: (إنَّ هذا القُرآنَ يَهدي لِلّتي هِيَ أَقْوَمُ) ممّا في كتاب موسى (ع).

***

إلى هنا ذكرنا في بحوث الربوبيّة كيف شرّع اللّه ربّ العالمين للانسان نظاما يتناسب وفطرته، ثمّ هداه للعمل بما شرّع له، وفي البحث الاتي ندرس بإذنه تعالى من صفات الربوبية كيف يجزي ربّ العالمين الانسان بآثار عمله في الدنيا والاخرة.


23 راجع تفسير الاية بتفسير الطبري وسائر التفاسير التي تعتمد الروايات في تفسير الايات.

24 مشاكسين: سيّئو الخلق عسرو المعاملة، والهلع: الجزع الشديد.

25 تفسير الاية في مجمع البيان والطبري وسائر التفاسير بالمأثور.