ثالثا ـ نعم اللّه على بني إسرائيل
وطغيانهم وتمرّدهم:
أ ـ
في سورة الاعراف:
(وَقَطَّعنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطا أُمما وأَوحينا إلى
مُوسى إِذِ استَسقاهُ قَومُهُ أَنِ اضْرِب بعَصاكَ الحَجَرَ
فَانبَجَسَت مِنهُ اثنَتا عَشْرَةَ عَيْنا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ
مَشرَبَهُم وَظَلَّلْنا علَيْهِم الغَمامَ وَأَنزَلنَا علَيهِم
المَنَّ وَالسَّلوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ مَا رَزَقناكُم وَما
ظَلَمُونا وَلكِن كانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُون* وَإِذْ قِيلَ لهمُ
اسكُنُوا هذِهِ القَريةَ وَكُلُوا مِنها حَيثُ شِئتم وَقُولُوا
حِطَّةٌ وَادخُلُوا البابَ سُجَّدا نغفِرْ لكُم خَطِيئَاتِكُم
وَسَنَزيدُ المحسنين* فَبَدَّلَ الَّذينَ ظلَموا مِنهُم قَولا غَيرَ
الَّذي قِيلَ لَهُم فَأَرسَلنا علَيهم رِجزا مِنَ السَّماء بِما
كانُوا يَظلِمُون) (الايات 160 ـ 162).
ب ـ
في سورة المائدة:
(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَومه يا قَومِ اذْكُرُوا نِعمةَ اللّه علَيكم
إِذْ جَعَلَ فِيكُم أَنبِياء وَجعلَكم ملُوكا وَآتاكُم ما لَمْ يُؤتِ
أحَدا مِنَ العالَمِين* ياقَومِ ادْخُلُوا الارضَ المقَدَّسةَ الَّتي
كتَب اللّهُ لَكُمْ وَلا تَرتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُم فَتَنقَلِبُوا
خاسِرِين* قالوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوما جَبّارينَ وإنّا لَن
ندخُلَها حَتى يَخرُجُوا مِنها فإِن يَخرُجُوا مِنها فَإِنّا
داخِلُون* قَال رَجُلانِ مِنَ الَّذينَ يَخافُونَ أَنعَمَ اللّهُ
علَيهِما ادخُلُوا عليهِمُ البابَ فَإِذا دَخَلتُمُوهُ فَإِنَّكُم
غالِبُونَ وَعَلى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مؤمنِين* قالوا يا
مُوسى إِنّا لَن ندخُلَها أَبَدا ما دامُوا فِيها فَاذهَبْ أَنتَ
وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنَا قَاعِدُون* قال رَبِّ إِنِّي لا
أَمْلِكُ إِلاّ نَفسِي وَأَخي فَافْرُق بَينَنا وبَينَ القَومِ
الفاسِقين* قال فَإِنَّها مَحَرَّمةٌ علَيهِم أَرْبعينَ سَنَةً
يَتِيهُونَ في الارضِ فَلا تَأسَ عَلى القَومِ الفاسِقين) (الايات 20
ـ 26).
شرح
الكلمات
أ ـ
إسْرائِيل:
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لقبه إسرائيل وبنو إسرائيل ذريّته من
أبنائه الاثني عشر.
ب ـ
يَسومُونكم:
سام
الانسان يسومه ذُلا أو خَسْفا أو هوانا: أولاهُ إيّاه وأراده عليه.
ج ـ
يَستَحيُون:
استحيا الاسير: تركه حيّا فلم يقتله.
د ـ
يَعكِفون:
عكف
في المسجد عكوفا: أقام للعبادة، وعكف عليه يعبده: أقبل عليه يعظّمه
وواظب على عبادته لا يصرف وجهه عنه.
هـ ـ
خُوار:
الخُوار: صوت البقر والغنم.
و ـ
يَبْرَح:
برح
المكان براحا: فارقه.
ز ـ
فتنتم:
الفِتْنةُ من اللّه لعباده امتحان، ومن ابليس والناس للناسِ: إضلال
وايقاع في المكروه، فمن ابليس للناس كما قال اللّه تعالى: ((يا بني
آدم لا يفتنكم الشيطان)) الاعراف / 27. ومن الناس للناس، كما قال
سبحانه وتعالى: ((إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمّ لم يتوبوا
فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق)) البروج / 10.
ح ـ
بارىء:
ي ـ
أَسباطا:
الاسباط هنا بمعنى القبيلة.
ك ـ
فَانْبَجَسَتْ:
بَجَسَ وانبَجَسَ وتَبَجَّسّ: انفجر وتفجّر.
ل ـ
المنّ والسَّلوى:
1 ـ
المنّ: ندى يُشبه العسل جامد ينزل من السماء وقيل غير ذلك.
2 ـ
السّلوى: واحدته سَلَواة: طائر يشبه السّماني، أو هو السّماني،
والسماني: طائر صغير من الدجاجيات جسمه ممتلىء يستوطن حوض البحر
الابيض ويهاجر شتاء إلى مصر والسوادن(19).
م ـ
حِطَّة:
حطَّ
اللّه وزره: اي وضع اللّه عن ظهره ما يحمله من آثام، وحِطّة مثل
مغفرة: أي حطّ عنّا ذنوبنا.
ن ـ
رَفَعنْا:
رفع
الشيء فوق الشيء: اعلاه عليه.
س ـ
ميثاقكُم:
الميثاق:
العهد وما يشد به العهد ويوثق كأنّه عهد على الالتزام بالعهد.
ع ـ
الرِّجْز:
العذاب، ورجز الشيطان وساوسه.
ف ـ
يَتيهُون:
تاهَ
تَيها في الارض: ضلّ الطريق وتحيّر.
ص ـ
لا تَأسَ:
اسى
وآسى عليه أسىً: حزن عليه.
ق ـ
تَعْدُوُ:
عَدا
عدوا وعُدُّوا وعُدوانا وعداء واعْتدى: ظلم وتجاوز الحقّ.
ر ـ
مِيثاقا غَليظا:
وَثِقَ به ثِقَةً ومَوثِقا: ائتمنه وسكن إليه، والموثق: الائتمان
والعهد المؤكَّد.
ش ـ
الحَوايا:
الحَوايا: الامعاء، واحدتها: حويّة.
ت ـ
شُرّعا:
شَرَعَ شَرْعا: دنا وأشرف وظهر فهو شارع وهم شُرّع.
ث ـ
جَعَلَ لهم:
جَعَلَ: شرّع وحكم وقرّر.
تفسير الايات
خاطب
اللّه بني إسرائيل وقال لهم: أُذكُروا نعمتي عليكم إذا جعلت فيكم
الانبياء والملوك وآتيتكم النعم كالمنّ والسلوى مالم يؤت
أحدٌ
من العالمين.
وإنّه سبحانه نجّاهم من ذلّ عبودية فرعون وقتله ابناءهم واستحيائه
نسأهم وأغرَق فرعونَ وجنودَه وجاوز بهم البحر فأتوا على قوم يعبدون
الاصنام فقالوا لموسى اجعل لنا صنما كصنمهم نعبده، وإنهم عبدوا العجل
عندما ذهب موسى لتسلُّم التوراة من اللّه في الطور، وأمرهم أن يدخلوا
الارض المقدَّسة التي قدّرها اللّه يومذاك لهم، فقالوا: يا موسى إنّ
فيها قوما جبّارين ـ العمالقة ـ وإنّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها.
قال
يشوع ـ اليسع ـ ورجل آخر منهم: ادخلوا المدينة فإنّكم ستغلبونهم،
فأبوا ذلك وقالوا: يا موسى اذهب أنتَ وربُّك فقاتلا العمالقة، إنّا
هاهنا قاعدون. قال موسى: ربّ إنّي لا أمْلِكُ إلاّ نفسي وأخي هارون
ففرِّق بيني وبين القوم الفاسقين، قال اللّه سبحانه: فإنّ الارض
المقدسة محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في هذه المدّة في صحراء
سيناء فلا تحزن على الفاسقين.
وأخبر عنهم سبحانه في سورة الاعراف، وقال تعالى: وَقسّمنا بني
إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة وأوحينا إلى موسى عندما استسقى قومه أن
يضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكلّ قبيلة من بني
إسرائيل عين، وظّلل عليهم الغمام وقاية لحرّ الشمس عنهم وأطعمهم
حلاوة كالعسل ولحم الطير، وقيل لهم بعد طول السفر اسكنوا مدينة كانت
أمامهم، وكلوا مما فيها من رزق، وادخلوا باب المدينة شاكرين للّه
ساجدين له، وقولوا حطة أي رّبنا اغفر لنا خطايانا، فبدّل الظالمون
قولا غير ما أمروا بقوله، وقالوا: حنطة، أي نطلب الحنطة(20)،
فأنزل اللّه عليهم العذاب من السماء بسبب عملهم.
وأخبر اللّه سبحانه عنهم في سورة النِّساء، وقال تعالى: يسألك ـ يا
رسول اللّه ـ أهلُ الكتاب أي اليهود أنْ تُنَزِّلَ عليهم كتابا من
السماء، وقد سبق لهم أن سألوا موسى أكبر من ذلك حين قالوا له: أرنا
اللّه جهارا لنُبْصِرَهُ بعيوننا، فعفونا عن ذنبهم، ورفعنا فوقهم
الطور، وإذ أَخذنا الميثاق على العمل بعهدكم في العمل بما جاء في
التوراة.
كان
أحبّ الطعام والشراب إلى اسرائيل ألبان الاِبل ولحومها وإنّه اشتكى
شكوى فعافاه اللّه منها فحرّم على نفسه أحبّ الطعام والشراب إليه
لحوم الابل وألبانها شكرا للّه.
وحرّم على نفسه زائدتي الكبد والكليتين والشحم إلاّ ما كان على الظهر
فانّ ذلك كان يقرّب للقربان فتأكله النار(21).
وكان
ممّا عاهدوا اللّه عليه في العقائد: الايمان بمن بشّر ببعثته موسى بن
عمران (ع) من بعثة عيسى (ع) وبعده بعثة خاتم الانبياء (ص) كما مرّ
بنا في ما نقلناه عن سفر التثنية.
وفي
الاحكام عاهدوا أن لا يتعدّوا في يوم السبت ولا يعملوا فيه وأخذ
اللّه منهم في ذلك ميثاقا شديدا أكيدا.
وبسبب نقضهم ـ أي بني إسرائيل ـ ميثاقهم مع ربّهم وكفرهم بآيات اللّه
وقولهم في مريم بهتانا عظيما ورميهم الطاهرة مريم بهتانا عظيما
وبظلمهم حرّمنا عليهم ـ تأديبا لهم ـ طيِّبات اُحلَّت لهم كما أنّهم
بظلمهم وعبادتهم العجل اُمروا بقتل أنفسهم ـ أي بقتل من لم يؤمن
بالعجل من عبد العجل منهم ـ وبمنعهم عن الايمان باللّه وأخذهم
الرِّبا في المعاملات وأكلهم الرِّبا مع أنّهم مُنِعُوا عن الرِّبا،
حُرِّمت طيِّبات لهم.
ومّما خالفوا ما واثقوا به ربّهم صيدهم يوم السبت الحيتان من البحر،؛
لانّها كانت تدنو منهم يوم السبت وتظهر لهم ولا تأتي الحيتان غير يوم
السبت كذلك. وكان ذلك امتحانا لهم خاصّة، وانّما جعل لهم السبت أي
شرّع العطلة يوم السبت على الذين اختلفوا فيه وهم بنو إسرائيل.
وقال
تعالى في سورة النِّساء:
يسألك اليهود من أهْلِ الكتاب أن تُنَزِّلَ عليهم كتابا مِنَ
السَّماء، وقد سألوا نبيَّهم موسى أكبر من ذلك وقالوا: أرِنا اللّه
جهارا لِنُبصِرَهُ بعيوننا... فعَفَونا عن ذلك ورفعنا فوقهم الطّور،
وأخذنا منهم العهود والمواثيق أن يعملوا بما جاء به موسى بن عمران،
وكان منه الايمان بأنبياء اللّه وخاصة عيسى بن مريم (ع) ومحمد بن عبد
اللّه (ص) وَافْتَرَوْا عَلى مَرْيَمَ (ع)، والاحكام التي فيها،
فكفروا بآيات اللّه وقتلوا الانبياء، وصدّوا عن سبيله وأخذوا الربّا
وأكلوا أموال النّاس، وبسبب ظلمهم حَرَّمْنَا عليهم طيّيباتٍ كان قبل
ذلك حلالا عليهم، وممّا حرّم اللّه عليهم صيد الاسماكِ يومَ السَّبت
لاهلِ القرية التي كانت حيتان البحر تدنوا إليهم يوم السبت.
حصيلة البحث
فضّل
اللّه بني إسرائيل على معاصريهم من أقباط مصر وعمالقة الشام وسائر
الامم، وبعث اللّه فيهم النبّيين كموسى وهارون وعيسى
وأوصيائهم، وفي مقدّمتها التوراة، وأخذ منهم العهود والمواثيق ان
يعملوا بما أنزل في كتبه وأنعم عليهم بالمنّ والسلوى وإسالة الماء من
الحجر وغيرها، وفي مقابل كلّ تلك النّعم جَحَدُوا بآيات اللّه وعبدوا
العجل وأخَذوا الرّبا وأكلوا أموال الناس وعملوا أمورا أمثالها من
أنواع التَّمرّد على اللّه، فكانوا بحاجة لتربية نفوسهم إلى ما فرض
اللّه عليهم من قتل نفوسهم وترك العمل للدنيا يوم السبت، وقد اختلفوا
في ترك العمل يوم السبت كفعل أهل القرية التي كانت على ساحر البحر(22)،
وحرّم عليهم ما حرّم إسرائيل على نفسه من أكل الشحم ولحم الجمل
وأمثالهما ترويضا لنفوسهم، وبالاضافة إلى ذلك كان بنو إسرائيل بحاجة
إلى تماسك قبلي بين أسباطها لمقابلة الامم الطاغية المحيطة بهم من
عمالقة واقباط، فشرّع اللّه لهم استقبال خيمة الاجتماع للعبادة، قبل
بناء سليمان المسجد المسّمى بهيكل سليمان، واجراء الطقوس الدينية
بإشراف أبناء هارون، وكما أرسل اللّه إليهم عيسى بن مريم وأمّه مريم
من سلالة داودَ من سُبط يهودا من بني إسرائيل؛ أحَلَّ لهم بعض ما
حرّم عليهم كما قال سبحانه على لسان عيسى (ع) في سورة آل عمران:
(وَرسولا إلى بَني إسرائيلَ أَنّي قَدْ جِئتُكُم بِآيَةٍ مِن
رَبِّكُم.. وَمُصَدِّقا لَما بين يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَلاُحِلَّ
لكم بَعضَ الَّذِي حُرِّمَ عليكم) (الاية 49 ـ 50).
وبناء على ما أوردناه تَبَيَّنَ أنَّ الانبيأ من بني إسرائيل من موسى
بن عمران (ع) إلى عيسى بن مريم (ع) اُرسلوا إلى بني إسرائيل، وأنّ
بعض الاحكام في شريعة التوراة أنزلت لمصلحة بني إسرائيل. إذا فإن تلك
الاحكام من قبيل تحريم ما حَرَّمَ إسرائيل على نفسه كان أمَدُها
مُؤقّتا وانتهى أمد بعضها ببعثة عيسى بن مريم (ع)، وأَحَلَّ لهم بعض
ما حَرَّم عليهم، وأَمَدُ البَعْض كان إلى بعثة خاتم الانبياء (ص)،
فجاء خاتم الانبياء ببيان انتهاء أمَدِها جميعا كما أخبر اللّه
سبحانه عن ذلك وقال تعالى في سورة الاعراف:
(الّذِينَ يَتَّبعُونَ الرَّسولَ النَّبيَّ الاُمِّيَّ الَّذي
يَجدُونهُ مَكتُوبا عندَهُم في التّوراةِ والانجيلِ يَأمرُهم
بِالمعروفِ وينَهاهُم عن المنكرِ ويُحِلُّ لهم الطيباتِ وَيُحَرِّمُ
عَليِهم الخَبائثَ وَيَضَعُ عنهُم إصْرَهُم وَالاَغلالَ الّتي كانت
عليهم...) (الاية 157).
اِصْرَهُم: أي التكاليفَ الشاقّة عليهم.
***
كان
ذلكم شأن النسخ في شريعة موسى (ع) بالنسبة إلى الشرائع السابقة عليها
ونسخ بعض ما في شريعة موسى (ع) في شريعة خاتم الانبياء (ص).
ونوع
آخر من النسخ ما يقع في شريعة نَبيّ واحد كالاتي بيانه:
19 المعجم الوسيط مادّة (سلوى).
20 هكذا ورد في تفسير الاية في البحار في أخبار
موسى وهارون وتفسير المجمع.
21 سيرة ابن هشام ط. الحجازي بالقاهرة (2 / 168 ـ
169) وكان ما ذكرناه في المتن جاء في تفسير الطبري والسيوطي، ونرى
أنّ ما جاء في سيرة ابن هشام أصحّ ممّا أثبتناه في المتن.
22 راجع مادّة السَّبت في قاموس الكتاب المقدّس
وتفسير الاية في تفسير الطبري وابن كثير والسيوطي.