ثانيا: تفسير الايات:
أ ـ آية التبديل التي جاءت ضمن آيات
سورة النحل المكّية:
في
هذه الايات قال اللّه تعالى:
وإذا
بدّلنا آية أي بعض أحكام من شرع سابق بأحكام أخرى نزلت في القرآن
قالوا للرسول (ص): إنّما أنت مفترٍ.
لا.
ليس الامر كذلك: بل أكثرهم جهّال لا يعلمون!
يارسول اللّه (ص)! قل: نزّل الاحكام في القرآن الملك من عند ربّك
بالحقّ كي يثبّت المؤمنين على الايمان وليكون هدىً وبشرىً
للمسلمين، ولست أنت المفتري، وإنّما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون
بآيات اللّه ـ أي المشركون أنفسهم ـ وأولئك هم الكاذبون.
ثمّ
شرح اللّه سبحانه بعد هذا مورد النزاع وقال: كُلُوا ممّا رزقكم
اللّه حلالا طيّبا مثل لحم الجمل وبعض شحوم الحيوان ونظائرهما ممّا
حرّمها على بني إسرائيل، فإنّ اللّه لم يحرّمها عليكم وإنّما حرّم
عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهِلَّ بهِ لِغير اللّه، أي ما
هتف عند ذبحه باسم غير اللّه مثل اللات والعزى ونظائرها، إلاّ لمن
اضطرّ إلى اكلها، هذه مما حرّمت عليكم ولا تصفوا الاشياء بألسنتكم
بأنّ هذا حلال وذاك حرام، كما أخبر اللّه عن قول المشركين في الايات
138 ـ 140 من سورة الانعام، كان ذلكم شأن المشركين، أمّا اليهود فقد
حرّم اللّه عليهم خاصّة ما قصّه على الرسول قبل هذه السورة ـ أيضا ـ
في الاية 146 من سورة الانعام، وكان ذلك التحريم لليهود.
أمّا
أنت أيّها الرسول فقد أوحينا إليك أن أتَّبِعْ في أمر الحلال والحرام
ملّة إبراهيم، وكان من جملة ما في ملّة ابراهيم اتخاذ يوم الجمعة يوم
استراحة في الاسبوع، أمّا السبت فقد جعل يومه عطلة على بني اسرائيل
خاصّة تحرّم عليهم العمل فيه، كما ورد ذكره في الاية 163 من سورة
الاعراف.
وبناء على ما أوردناه فإنّ معنى تبديل آية هنا إنّما هو تبديل بعض
أحكام جأت في توراة موسى بن عمران (ع) بأحكام نزلت في القرآن على
خاتم الرسل (ص)، وعودة الامر إلى ما كان عليه في شريعة إبراهيم
الخليل (ع).
ويؤكّد ما ذكرنا قوله تعالى: (وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيةٍ
قالَ الَّذينَ كفروا إنّما أنتَ مُفْتَرٍ... قُل نَزَّلَهُ رُوحُ
القُدُس).
وإعادة الضمير في (نزّله) إلى معنى (آية) وهو الحكم، ولو كان الجدال
حول تبديل الاية التي هي جزء من السورة لكان ينبغي ان يقول سبحانه:
(قل نزلها روح القدس) ويعيد الضمير مؤنثا.
ب ـ
الايات التي وردت في ضمنها آية النسخ في سورة البقرة المدنية:
في
هذه الايات قال اللّه سبحانه:
يا
بني إسرائيل اذكروا نعمة اللّه عليكم وأوفوا بعهده حين أنزل لكم
التوراة وقال لكم: خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه، وفيه
البشارة ببعثة خاتم الانبياء، يوف اللّه بعهده اليكم، فيغدق نعمه
عليكم في الدنيا والاخرة، وآمنوا بما أنزل على خاتم الانبياء وهو
يصدّق لما معكم من كتب اللّه، ولا تكتموا الحقّ ولا تَلْبسوا الحقّ
بالباطل وأنتم تعلمون. ولقد آتى اللّه موسى الكتاب وقفّى بعده بالرسل
ومنهم عيسى بن مريم الذي أيَّدَهُ بالادلّة الواضحة وأيّده بروح
القدس. أفكلما جاءكم رسول بأحكام لا تهواها أنفسكم استكبرتم وكذّبتم
فريقا منهم وفريقا تقتلونهم، وقلتم قلوبنا مغلفة عن دركها، وأخيرا
لمّا جاءكم القرآن من عند اللّه وهو يصدّق ما عندكم من الاخبار كفرتم
به، في حين أنّكم كنتم قبل ذلك تستشفعون في طلب الفتح على الكفّار
باسمه، وعندما جاءكم النبيّ وعرفتموه كفرتم به وبما أنزل اللّه معه
من الوحي، بئسما اشتريتم لانفسكم ان تكفروا بما أنزل اللّه، لانّه
أنزله ذريَّة إسماعيل دون ذرية يعقوب فبوءوا بغضب من اللّه وللكافرين
عذاب مهين.
وإذا
قيل لليهود آمنوا بما أنزل اللّه على خاتم أنبيائه قالوا: نُؤمن بما
أُنزل علينا معشر بني إسرائيل، ونكفر بما أُنزل على غيرنا، وهو حقّ
يُصدِّق ما معهم في كتب الانبياء من الاخبار ببعثته.
قل
لهم يا رسول اللّه: إن كنتم تزعمون أنّكم مؤمنين باللّه فلم قتلتم
أنبياء اللّه الذين جاءوكم قبل هذا!؟ كيف تقولون إنّكم تؤمنون بما
أنزل اليكم، ولقد جاءكم موسى بالايات البيَّنات فعبدتم العجل بدل
الايمان باللّه، وكما أنزل اللّه على موسى آيات بيّنات أنزل ـ أيضا
ـ آيات بيّنات على خاتم أنبيائه محمّد (ص)، ولا يكفر بها إلاّ
الفاسقون.
ولو
أنّ اليهود آمنوا واتّقوا اللّه لاثابهم اللّه، ولكن الذين كفروا من
أهل الكتاب والمشركين بمكة لا يحبون أن ينزل عليكم ايها المسلمون خبر
وكتاب من ربّكم في حين أنّ اللّه يختصّ برحمته من يشاء.
وما
ينسخ اللّه من آية أو ينسها يأتِ بخير منها أو بمثلها، أي ما ينسخ
اللّه مِنْ أحكام أو يؤجِّلها يأتِ بخير منها أو بمثلها، إنّ اللّه
على كلّ شيء قدير.
أحبّ
كثير من أهل الكتاب أن يردّوكم عن إيمانكم بخاتم الانبياء إلى الكفر
حسدا أن ينزل الوحي على غير بني إسرائيل، بعد أن تبيّن لهم أنّه الحق
وقالوا لكم لن يدخل الجنّة إلاّ من كان من اليهود أو النصارى، أي
إنّكم بإسلامكم لن تدخلوا الجنّة، قل هاتوا برهانكم. بلى من أسلم
وعمل الصالحات فله أجره عند ربّه، ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى
تَتَّبِعَ ملّتهم.
ثمّ
ذكر موضع النزاع سبب الخصومة وكيف وقعا بين الرسول واليهود، وقال
سبحانه: نرى تقلّب وجهك نحو السماء انتظارا لتحويل القبلة من بيت
المقدس فلنولينك قبلة ترضاها اينما كنت انت والمسلمين ولّ وَجهك نحو
المسجد الحرام، وإنّ الذين أوتوا الكتاب اليهود منهم الذين يخاصمونك
والنصارى لَيَعلمون أنّ تحويل القبلة إلى الكعبة حقّ من ربّهم، وإنّك
مهما تأتهم بآية لا يقبلون قولك ولا يتّبعون قبلتك.
وسيقول السفهاء ما ولاّهم عن بيت المقدس قبلتهم السابقة. قل إنّ
الامر للّه والمشرق والمغرب له يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وكان
جعل القبلة بيت المقدس وتحويلها إلى الكعبة لامتحان الناس في مكّة
حيث جعل قبلتهم إلى بيت المقدس دون الكعبة، وفي المدينة ـ أيضا ـ
تحويل القبلة إلى الكعبة امتحانا لليهود، في أنّهم هل يتركون العصبية
الاسرائيلية ويتركون استقبال بيت المقدس ويستقبلون الكعبة بعد أن
عرفوا أنّه الحقّ من ربّهم. إمتحانا لهؤلاء وأولئك ليعلم من يتبع
رسول اللّه (ص) ممّن ينقلب على عقبيه.
أمّا
صلاتهم التي استقبلوا بها بيت المقدس قبل ذلك فلا تضيع عند اللّه.
وهكذا يتبيّن أنّ المقصود من (آية) في ذكر مجادلة قريش في مكة عند
تبديلها بآية اُخرى: تبديل اللّه حكما بآخر، كما جاء تفصيل ذلك
الجدال قبل هذه السورة في سورة الانعام؛ وأيضا تبيّن أنّ المقصود من
نسخ آية أو تأجيلها في خبر اليهود في المدينة: نسخ حكم في شريعته (ع)
أو تأجيل حكم شريعة لحكمة يعلمها اللّه.
إنّ
الراغب قد أصاب في تفسيره آية: (وكلّ جملة دالّة على حكم آية، سورة
كانت أو فصولا أو فصلا من سورة) أي باعتبار معنى الاية في السورة.
كان
ذلكم المقصود من تبديل آية مكان آية أخرى ونسخ آية وإنسائها في
الايتين الكريمتين، وسندرس في ما يأتي شأن النسخ وحكمته في شريعة
موسى ابن عمران (ع) بإذنه تعالى.