ثالثا ـ خليل اللّه إبراهيم (ع):
ويتعلّق ببحثنا من أخبار إبراهيم في القرآن الكريم قوله سبحانه
وتعالى:
أ ـ
في سورة الحج:
(وَإذْ بَوّأْنا لابراهيمَ مكانَ البيتِ أَنْ لا تُشرِكْ بي شَيئا
وَطَهِّرْ بيتيَ للطائفينَ وَالقائمينَ والرُّكَّعِ السُّجودِ*
وَأَذِّنْ في الناسِ بِالحجِّ يَأتُوكَ رِجَالا وَعلى كُلِّ ضامِرٍ
يَأتِين مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ* لِيَشهدوا منافِعَ لَهمْ
وَيَذكُرُوا اسمَ اللّهِ في أيّامٍ مَعلُوماتٍ عَلى مارَزقهُم مِنْ
بهيمةِ الانعامِ)
(الايات 26 ـ 28).
ب ـ
في سورة البقرة:
(وَإذْ جَعلْنا البَيتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمنا وَاتَّخِذُوا مِنْ
مَقامِ إبراهيمَ مُصلّى وَعَهدنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن طَهِّرا
بَيتي لِلطّائفينَ وَالعاكفينَ وَالرُّكَّع السُّجُود*... وَإذْ
يَرفَعُ إِبراهيمُ القواعِدَ مِنَ البَيتِ وإسماعِيلُ رَبَّنا
تَقَبّل مِنّا إنّكَ أنتَ السَميعُ العَليمُ* رَبَّنا وَأجعَلنا
مُسلِمَيْنِ لَكَ وَمنْ ذُرّيَّتنا اُمَّةً مُسلِمَةً لَكَ وَأرنا
مَناسكنا وَتُب علينا إنَّكَ أنتَ التَّوّاب الرَّحيِم) (الايات 125
ـ 128).
ج ـ
في سورة البقرة:
(وقالوا كَونْوا هُودا أو نَصارى تَهتَدُوا قُل بَل ملَّةَ إبراهيمَ
حَنيفا وَما كانَ مِنَ المشركينَ* قُولُوا آمَنّا بِاللّه وَما
أُنزِلَ إلينا وَما أُنزِلَ إلى إبراهيمَ وَإسماعيلَ وإسحاقَ
وَيعَقُوبَ والاَسباطِ وَما أُوتَي مُوسى وَعيسى وَما أُوتَيِ
النَّبِيُّيونَ مِنْ رَّبِّهِم لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
وَنَحنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (الايتان 135 ـ 136).
د ـ
في سورة آل عمران:
(ما
كانَ إبراهيمُ يَهُودِيّا وَلا نَصْرَانِيّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفا
مُسْلِما وَما كانَ مِنَ المشرِكِينَ) (الاية 67).
هـ
ـ وفيها أيضا:
(قُل
صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبراهيمَ حَنِيفا وَما كانَ مِنَ
المشركينَ) (الاية 95).
و ـ
في سورة الانعام:
(قُل
إِنَّني هَداني رَبِّي إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ دِينا قِيَما مِلَّةَ
إبراهيمَ حَنِيفا وَما كانَ مِنَ المشركينَ) (الاية 161).
ح ـ
في سورة النحل:
(ثُمَّ أَوْحَينا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيمَ حَنِيفا
وَما كانَ مِنَ المشركينَ) (الاية 123).
شرح
الكلمات
أ ـ
بَوَّأْنا:
بوّأتُ المنزلَ لفلان: هَيّأتُ المنزل له.
وبوّأته فيه: مكنت له فيه، وبوأته منزلا: انزلته فيه.
ب ـ
أَذَّنَ بالشيء تأذينا: أعلم به أو أكثر الاعلام ونادى به، والاذان
اسم التّأذين كالسلام اسم التسليم.
ج ـ
رجالا:
رَجِلَ يَرجَلُ رَجَلا: لم يكن له ما يركبه فهو رجل وراجل، والجمع
رجال.
د ـ
البَهيمَة: كلّ ذات أربع قوائم.
هـ ـ
ضامِر:
جمل
ضامر وناقة ضامر وضامرة: قليل اللحم لطيف الجسم.
و ـ
فَجّ:
الفَجّ: الطريق الواسع بين جبلين، أو في جبل.
ز ـ
مَثابَة:
المثابة: الموضع الّذي يرجع الناس إليه (وَإذْ جَعَلْنا البَيتَ
مَثابةً لِلنّاسِ) أي مرجعا يرجع إليه الحجّاج أفواجا بعد أفواج، أو
أنَّ المثابة موضع ثواب يُثابون بحجّه واعتماره، وموضع أمنٍ لهم.
ح ـ
مَناسِكَنا:
النسك: العبادة، ونسك نَسكا: تطوّع للّه بعبادة، وعمل يتقرب به إلى
اللّه مثل ذبح الهدي في الحج، ويقال للذبيحة: النسيكة، والمنسك:
موضع
العبادة، والمناسك: أعمال الحجّ وزمانها، وأماكنها في عرفات،
والمشعر، ومنى، وما عداها.
ط ـ
السَّعي: المراد من السعي: العمل أو الاستعداد للعمل.
ى ـ
مقام إبراهيم (ع):
صخرة
على الارض اتّجاه الكعبة عليها أثر قدمي إبراهيم (ع).
ك ـ
حَنِيفا:
الحَنف: ميل عن الضَّلال إلى الاستقامة.
والجنف: ميل عن الاستقامة إلى الضّلال، والحنيف: هو المائل عن
الضلالة إلى الاستقامة، والحنيفيّة: شريعة إبراهيم (ع).
ل ـ
قِيَما:
القيم والقيّم: الثابت المستقيم لا عِوجَ فيه.
م ـ
مِلَّة:
المِلَّة: الدّين حقّا كان أو باطلا، فإذا أضيف إلى اللّه ورسله
والمسلمين قصد به الدين الحقّ.
تفسير
الايات بإيجاز
أُذكر أيّها النّبيُّ إذْ مكَّنّا لابراهيم مكانَ البيت ليبنيه، وإذ
كان إبراهيم وإسماعيل يبنيان البيت ويدعوان ربّهما ويقولان: ربّنا
تقبّل مِنّا واجعلنا مسلمين لك ومِن ذريتنا أمّة مسلمة لك وأرنا
مناسك الحجّ، فتقبّل اللّه سبحانه وتعالى دعاءهما، ورأى إبراهيمُ في
المنام أنّه يذبح ابنه اسماعيل (ع) في سبيل اللّه، وما يراه النبي في
المنام نوع من أنواع الوحي، وكان إسماعيل (ع) قد بلغ سنّ العمل وعمل
مع أبيه في بناء البيت، فأخبر إبراهيم (ع) ابنه إسماعيل (ع) بذلك،
فقال: يا أبتِ افعل ما تُؤمَر ستجدني إنْ شاء اللّه من الصابرين،
فلمّا أسلما لامر اللّه وألقى إبراهيم ابنه إسماعيل (ع) على جبينه
ليضحّي به في سبيل اللّه ناداه اللّه: يا إبراهيم قد صدّقت الرُّؤيا،
فإنّه بدأ بذبحه وهذا ما رآه في المنام ولم يرَ أنّه ذبحه، وفداه
اللّه بكبش رآه أمامه، فضحّى به في منى.
أمر
اللّه تعالى إبراهيم أن يُعلن الدعوة للحج وأخبر أنّ الناس سيأتون
إلى الحجّ مشاة وركبانا من كلِّ فجٍ عميق، وأنّ اللّه قد جعل البيت
مكان أمن وتحصيل ثواب للناس، وأمر أنْ يتخذ الناس من مقام إبراهيم
(ع) مصلى.
وأخبر اللّه سبحانه وتعالى في آيات أخرى عن ملة ابراهيم (ع) ودينه
وقال: إنّ إبراهيم كان حنيفا مسلما، ولم يكن من المشركين ولم يكن
يهوديا، ولا نصرانيا، كما يزعم ذلك بعض أهل الكتاب(11)،
وأمرنا أن نتّبع ملّة إبراهيم (ع)، وخصّ رسوله (ص) بهذا الامر، وأوصى
إليه بقوله : قل إنني هداني ربّي إلى صراط مستقيم، وهو الدين القيم،
وملة إبراهيم الحنيف عن الشرك إلى الاسلام، ومما اتّبع خاتم الانبياء
(ص)، من شريعة جَدِّه إتيان مناسك الحجّ كما أمر به إبراهيم وكذلك
فعلت أمّته، وأدّت مناسك الحجّ كما أدّاه خليل الرحمان إبراهيم (ع).
نتيجة
البحث
كان
يوم الجمعة مباركا على آدم ومَنْ كان في عصره، ومباركا لخاتم
الانبياء، واُمّته إلى أبد الدهر.
وحجّ
البيت آدمُ وإبراهيم وخاتم الانبياء (ص) ومن تبعهم حتى اليوم وكذلك
يفعلون إلى أبد الدهر، وكذلك شرع لامّة خاتم الانبياء
من
الدين ما وصّى به نوحا، وكان إبراهيم من شيعة نوح ومتابعيه في
الشريعة، ولذلك أمر اللّه سبحانه وتعالى خاتم الانبياء (ص) وأمّته أن
يتّبعوا ملّة إبراهيم ودينه القيّم.
ولا
اختلاف بين شرايع هؤلاء الانبياء من لدن آدم إلى النبىٍّّ الخاتم
(ص)، وإنّما كانت الشريعة اللاّحقة تجديدا للشريعة السابقة،
وأحيانا إكمالا لها. وقد مرّ بنا أنّ آدم (ع) حجّ، وأنّ إبراهيم جدّد
بعض معالم الحجّ ببناء البيت، وأكمله النبيّ الخاتم بتعيين مواقيت
الاحرام واتخاذ مقام إبراهيم (ع) مصلّى، وتبيين سائر معالم الحجّ.
أنزل
اللّه من أحكام الاسلام إلى آدم ما يحتاجه الانسان الذي يعيش في
الريف على الزرع والضرع(12).
ولمّا كثر نسل بني آدم، وبنوا القرى في عصر نوح (ع)، وسكنوا المدن
الكبيرة احتاجوا إلى تشريع موسّع لانسان حضريٍّ له حاجات متعدِّدة في
أمر التجارة والاجتماع، ومشاكل مختلفة لسكان المدن الكبيرة، فأنزل
اللّه على نوح من أحكام الشرع الاسلامي ما يسدّ حاجاتهم مثل ما أنزل
على خاتم الانبياء (ص) من تلك الاحكام.
وكانت الامم تنحرف بعد أنبيائها عن التوحيد إلى الشرك كما انتهى إليه
أمر بني آدم في عصر نوح إلى عباة الاصنام، فيبدأ النبي عندئذ بدعوتهم
إلى توحيد اللّه الخالق، وترك عبادة الاصنام كما كان شأن نوح،
وإبراهيم، وسائر الانبياء إلى خاتم الانبياء (ص)، الذي كان يتجوّل في
أسواق العرب ومضارب الحجيج ويقول: قُولوا لا إلهَ إلاّ اللّهُ
تُفِلحُوا.
وفي
بعض الاُمم يَدّعي طاغيتهم الربوبيّة كما كان شأن الطاغية نمرود الذي
حاجّ إبراهيم في رَبِّه.
وشأن
الطاغية فرعون الذي تجبّر وقال أنا ربّكم الاعلى، وفي مثل هذه الحال
يبدأ النبيّ بالدعوة إلى توحيد الربوبيّة ويقول إبراهيم (ع) (رَبّي
الَّذي يُحيِي وَيُميِت).
ويقول موسى (ع): (رَبُّنا الّذي أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ
هَدى) وجأ شرح قول موسى لفرعون في قوله سبحانه وتعالى في سورة
الاعلى: (سَبِّح اسمَ رَبِّكَ الاَعلى* الّذي خَلَقَ فَسوّى* وَالّذي
قَدَّرَ فَهَدى* وَالّذي أَخرجَ المَرعى* فَجعلهُ غُثاء أَحوى)
(الاية 1 ـ 5).
وقوله تعالى:
(إنّ
رَبَّكُم اللّهُ الّذي خَلَقَ السَّمواتِ والارْضَ) (الاعراف 54).
إذا
فإنّ بعض الامم تنحرف في أصل العقيدة بالتوحيد.
وينحرف بعض الاُمم عن الاسلام في أعمالها: كما كان شأن قوم لوط،
وشعيب.
وإذا
درسنا ما جاء في القرآن الكريم، وروايات النبي (ص)، وما بقي من آثار
الانبياء، وما جاء من أخبارهم في مصادر الدراسات الاسلامية، أدركنا
أنّ كل رسول لاحق كان يجدّد شريعة اللّه التي نزلت على من سبقه من
الانبياء بعد اندراسها، وتحريفها من قبل أمم الانبياء أنفسهم، ولذلك
أمرنا اللّه أن نقول:
(آمنّا باللّه وَما أُنزلَ إلينا وما أُنزِلَ إلى إبراهيمَ
وإسمْاعيلَ وَإسحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاسباطِ وَما أُوتيَ مُوسى
وَعيسى وَما أُوتِيَ النَّبيّونَ مِنْ رَبِّهم لا نُفَرِّقُ بين
أَحَدٍ منهم ونَحْنُ لَهُ مُسلِمُون) (البقرة 136).
وإذا
كان أمر شرايع الانبياء كما أوضحناه فللسائل أن يسأل:
إذا
ما معنى النسخ في شرايع الانبياء (ع) كما جاء ذكره في قوله تعالى في
سورة البقرة:
(ما
نَنْسَخُ مِنْ آيةٍ أو نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أو مِثْلِها
أَلَم تَعلَم أَنَّ اللّهَ على كُلِّ شَيء قَدير) (الاية 106)؟
وما
معنى التبديل في قوله تعالى في سورة النحل:
(وإِذا بَدَّلنا آيةً مكانَ آيةٍ واللّهُ أعلمُ بِما يُنزِّلُ قالُوا
إِنَّما أَنتَ مُفْتَرٍ بَل أكثَرُهُمٌ لا يَعلْمُون) (الاية 101)؟
ونقول في مقام الجواب: إنّ البحث هنا يدور حول أمرين:
حول
مصطلحي النسخ والاية، ومعنى الايتين مورد البحث كما سندرسهما في ما
يأتي بإذنه تعالى وتقدّس:
11 البقرة الاية 140.
12 الضرّع: مدّر اللّبن، يقال: ماله زرع ولا ضرع.