ثانيا ـ أبو الانبياء نوح:

قال سبحانه في سورة نوح:

(إنِّا أرسلنا نُوحا إلى قَومِهِ أنْ أنذِرْ قَومَكَ... قالَ: يا قَومِ إنّي نَذيرٌ مُبِينٌ أن اعبُدُوا اللّهَ واتَّقوهُ وأَطيعون... وقالوُا: لاتَذَرُنَّ آلِهتكُم ولا تَذَرُونَّ وَدّا وَلا سُواعا وَلا يَغُوثَ ويعوق ونَسْرا...) (الاية 1 ـ 23).

وممّا يتعلّق ببحثنا من أخبار نوح في القرآن الكريم قوله تعالى في سورة الشورى:

(شَرَعَ لكم مِنَ الدِّين ما وَصّى بِهِ نُوحَا والّذي أَوْحَينا إليكَ وَمَا وَصَّينا بِهِ إِبراهيمَ وَموسى وَعِيسى أنْ أَقيمُوا الدِّين وَلا تَتفرَّقوا فِيه...) (الاية 13).

 شرح الكلمات

أ ـ وَدّ، وسُواع، ويَغُوث، ويَعُوق، ونَسْر:

في البحار عن الامام الصادق (ع) وورد ـ أيضا ـ في كتاب الاصنام لابن الكلبي، وموجزا في تفسير الاية بصحيح البخاري، واللفظ للاوَّل موجزا:

إنّ وَدّا، وَسواعا، ويَغوث، ويَعوق، ونَسْرا كانوا بررة مؤمنين يعبدون اللّه عزَّ وجلَّ فماتوا فضجَّ قومهم وشقَّ ذلك عليهم، فجاءهم

إبليس لعنه اللّه فقال لهم: أتّخذ لكم أصناما على صورهم فتنظرون إليهم وتأنسون بهم وتعبدون اللّه، فأعدّ لهم أصناما على مثالهم فكانوا يعبدون اللّه عزَّ وجلَّ، وينظرون إلى تلك الاصنام، فلمّا جاءهم الشتاء والامطار أدخلوا الاصنام البيوت فلم يزالوا يعبدون اللّه عزَّ وجلَّ حتّى هلك ذلك القرن ونشأ أولادهم، فقالوا: إنَّ آباءنا كانوا يعبدون هؤلاء، فعبدوهم من دون اللّه عزَّ وجلَّ، فذلك قول اللّه تبارك وتعالى: (وَلا تَذَرُنَّ وَدّا وَلا سُواعا) الاية(5).

ب ـ وصّى الرجل غيره توصية بأن يفعل كذا: رغب إليه في أنْ يفعله لما يرى فيه خيرا وصلاحا.

ووصّى اللّه بكذا: أمر به، وفرضه على عباده(6).

تفسير الايات بإيجاز

في الايات الاولى أخبر اللّه سبحانه وتعالى أَنّه أرسلَ نوحا إلى قومه أنْ أنذرهم فقال لهم انّي لكم نذير أبيِّنُ لكم ما أرسلت به أن اتّقوا اللّه، واعبدوه، وأطيعوني في ما أبلّغكم من أوامر اللّه ونواهيه، فأبى قومه، وقالوا: لا تذروا عبادة أصنامكم.

وفي الايات الاخيرة أخبر اللّه سبحانه وتعالى وقال:

شَرَعَ لكم من الدّين يا أمّة محمّد (ص) ما كتبه وشرعه لنوح (وَالّذي أوحَينا إليك)، أيْ وهو الذي أوحينا إليك يا محمّد (ص)، وهو ما (وَصَّينا بِهِ إِبراهيمَ وموسى وعيِسى) ثمّ بينّ ذلك بقوله تعالى: (أَنْ أَقيمُوا الدِّينَ وَلا تتفرّقوا فيه)(7).

ويدّل على ذلك قوله تعالى في سورة الصافّات:

(سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِين* إنَّا كذلكَ نَجزي المحسِنِين* إنّهُ مِن عِبادِنا المؤمنين* ثُمَّ أغرَقنا الاخَرِين* وَإِنَّ مِنْ شيعته لاِبراهيم* إذْ جاء رَبَّه بِقْلبٍ سَليِم) (الايات 79 ـ 84).

 شيعته:

شيعة الرجل: أتباعه وأنصاره(8)، والشيعة: الجماعة الثابتة لرئيس لهم(9) ويكون المعنى وإنّ من شيعة نوحٍ إبراهيم(10).

وسنورد مزيد بيان له في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى:


5 البحار ( 3 / 248 ـ 252) وصحيح البخاري (3 / 139) بتفسير سورة نوح.

6 معجم الفاظ القرآن الكريم، مادّة وصّى.

7 تفسير الاية في التبيان (2 / 553)، ومجمع البيان (9 / 24).

8 لسان العرب، مادّة شيع.

9 تفسير الاية في التبيان (2 / 492) ط. الحجر في ايران 1365 هـ.

10 وكذلك تعدّد تفسيره في تفسير الاية في التبيان ومجمع البيان وتفسير الطبري وابن كثير والدّر المنثور للسيوطي.