ب ـ جهاد إبراهيم (ع) في توحيد
الربوبيّة بمعنى تربية الاجسام:
كان
كثير من البشر في العصور القديمة يعتقدون بتأثير الكواكب على عالمنا
هذا وما فيه من إنسان وحيوان ونبات بإنزال المطر وحبسه، ونشر السعادة
والشقاء للانسان، والجدب والرخاء والصحّة والمرض في مجتمعه، وكثرة
الموت وقلّته للانسان والحيوان والنبات، ونشر المحبّة أو النفور بين
الاثنين، أو إلقاء محبّة انسان في نفوس الاخرين، وما شاكل كل هذه
الاُمور، ومن ثمّ يجرون بعض الطقوس العبادية مع تبخير العود ذي
الرائحة الطيّبة وسائر الروائح العطرة، ويتلون أورادا وأدعية ويطلبون
منها الخير ودفع الشّر، وقد قرأت شيئا ذلك في مخطوط منسوب للسكاكي (ت
626 هـ): فيه أنواع من الطلاسم وأدعية ومناجاة لبعض الكواكب مثل
الزهرة والمرّيخ وغيرهما، وأحيانا في الخطاب لبعضهم يخاطب باسم
الربّ، ولم يثبت عندي أنّ الكتاب من تأليف السكاكي. وذكر ابن النديم
ـ أيضا ـ في أخبار الصائبة من المقالة التاسعة من الفهرست عن بعض فرق
الصابئة أنهم يعبدون بعض الكواكب ولهم طقوس خاصّة بهم(47).
ج ـ
جهاد إبراهيم (ع)في أمر توحيد الربّ المشرِّع للنظام:
أخبر
اللّه عن ذلك وقال في سورة البقرة:
(اَلَم تَرَ إلى الّذي حاجَّ إبراهيمَ في رَبِّهِ أن آتاهُ اللّهُ
المُلكَ إذْ قالَ إبراهيمُ رَبّي الّذي يُحيي وَيميتُ قال أنا اُحيي
وأُميتُ قالَ إبراهيمُ فَإِنَّ اللّهَ يأتي بالشَّمسِ مِنَ المَشرِقِ
فأتِ بها مِن المَغرِبِ فَبُهِتَ الّذي كَفَر...) (الاية 258).
إنَّ
منطق الخليل في هذه الاية هو منطق القرآن في سورة الاعلى، وأنّ الربّ
هو اللّه الذي خَلَقَ فَسوَّى وَالّذي قَدَّرَ فَهَدى، وأنّ مثل جميع
الخلق في ذلك مثل المرعى الذي أخرجه الربّ ثمّ جعله يابسا أحوى؛ أي
أنشأ الحياة للموجودات ثمّ أماتها.
كان
استدلال إبراهيم قويّا وواضحا، وأراد طاغوت عصره أن يغشي هذا
الاستدلال بغطاء من التضليل، فقال:
إنّ
كانت الربوبية لمن يحيي ويميت فإنِّي أُحي وأُميت، وأمر بسجين محكوم
بالاعدام فأطلق سراحه، وبإنسان بريء عابر طريق
فأعدم، وبذلك ألقى الشبهة في نفوس الملا حوله.
ولم
يسترسل ابراهيم (ع) في الجدال معه في معنى الاحياء والاماتة بل احتجّ
على الطاغوت بأمر محسوس واضح الدلالة على زيف دعوى الطاغوت، وقال:
فإنّ ربّي اللّه يأتي بالشمس من المشرق، فإنْ كنت ربّا فغيرّ هذا
النظام وأت بالشمس من المغرب، فبهت الّذي كفر.
كان
شرك طاغوت عصر إبراهيم (ع) من نوع شرك طاغوت عصر موسى (ع)؛ كلاهما
ادّعيا الربوبيّة بمعنى أنّ لهما حقّ تشريع نظام الحياة للانسان؛
تشابهت دعواهما وتشابه جواب الرسولين 8 لهما وقالا: إنّ ربّ الانسان
الّذي شرّع له نظام الحياة هو ربّ جميع الموجودات والّذي أنشأ حياة
الموجودات وسنّ لها نظاما لاِدامة وجودها في الحياة، وهداها كيف تديم
حياتها وفق ما سنّ لها من نظام، وهو الذي يميت كلّ الاحياء.
كان
هذا منطق إبراهيم (ع) في دعوته للتوحيد مع المشركين كما أخبر اللّه
عنه في سورة الشعراء، وقال:
(فَإِنَّهُمْ عَدُوُّ ليِ إلا ربَّ العَالمين* الّذي خَلَقَني فَهُوَ
يهدِين) إذا قال موسى (ع) لفرعون: (رَبُّنا الِّذي أعطى كُلَّ شَيء
خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (كما قال جدّه إبراهيم (ع) لقومه (ربُّ
العالَمين* الّذي خَلَقَني فُهُوَ يَهدينِ) (الايات 79 ـ 82).
ثمّ
شرح إبراهيم ربوبية اللّه وقال:
(والّذي هُوَ يُطعِمُني وَيَسْقِينِ* وإذا مَرضتُ فُهُوَ يَشْفِين*
والّذي يَميتُني ثُمَّ يُحْييني* والّذي أطْمَعُ أنْ يَغفِرَ ليِ
خَطِئَتي يَوْمَ الدِّين) (الشعراء 79).
والقرآن حين يكرّر أخبار محاججات الرسل مع اقوامهم الرسل مع أقوامهم
يذكر في كلّ مرة جانبا من احتجاجهم وفق مناسبة ما جاء في السورة من
توجيه فكري وإرشاد لمن كان حول الرسول من مسلمين ومشركين ويهود
ونصارى. وليس القرآن كتاب تاريخ كي يورد الخبر مسلسلا كما وقع.
بعد
دراستنا معارك الانبياء ومعرفتنا أنّ جلّ معاركهم كانت حول ربوبية
ربّ العالمين؛ أي أنّ ربّ العالمين هو ربّ الانسان الذي يقدّر حياته
ويشرّع له نظاما يتناسب وفطرته، وأنّ اسمه دين الاسلام الذي أوحى به
إلى جميع رسله وقاموا بتبليغه إلى الناس، يتجّه إلينا السؤال عن معنى
نسخ شريعة بعض الرسل بشريعة رسول آخر، وهذا ما نحاول درسه في بحث
النسخ في مسيرة الانبياء الاتي بحوله تعالى.
47 الفهرست ص 386 ـ 390.